حول الأصل والنشأة العروبية (2) السومريين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حول الأصل والنشأة العروبية (2) السومريين

  نشر في 21 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

تشير البعض من آراء الباحثين الأثريين الى أن عدة موجات بشرية انتشرت من جنوب الجزيرة العربية واتجهت صوب الشمال جهة بلاد الرافدين وسوريا، منذ نهاية الألف السادس وبداية الألف الخامس قبل الميلاد، بما يمكن من اعتبار حضارات "ايبلا" و"حلف" و"تل العبيد"، ثم الحضارة السومرية، بمثابة مقدمات لعملية الانتشار العروبي في بلاد الرافدين، حيث أصبح ظاهراً أن وطن السومريين قد امتد على طول شرق جزيرة العرب المشاطئ للخليج العربي، إذ كان ارتباطها قوياً للغاية بــ "دلمون"، وأن هذه المرحلة السابقة على بداية التاريخ في الألف الرابعة قبل الميلاد، كانت لاتزال تجسد وحدة الكتلة العروبية من الناحية اللسانية واللغوية. 

وحول تسمية سومر أو "شومرو"، نجد أنها في الأساس كلمة أكادية كتبت بالخط المسماري "كي- إن- جي" وتعني البلاد السيّدة، وليس هناك أي خلاف حول أن هذه المنطقة كانت عامرة بحضارة عريقة قبل فجر التاريخ، بما يشير بالضرورة غالى أن الحضارة السومرية كانت بمثابة استمرار معرفي كامل متطور لما قبلها، ونتاج عضوي وموضوعي للحضارة العروبية في بداية تشكيلاتها.

وهكذا فإن كل المؤشرات الأركيولوجية والأنثروبولوجية تدل على أن تلك الحضارات بتموضعاتها الجغرافية المتعددة كانت بمثابة الناتج الأناسي لتطور أمّةٍ واحدة، بمعنى أن تلك المناطق الحضارية لم تكن تخصُّ أمماً، بل أمة متشعّبة، متعددة الملامح والتشكيلات الحضارية، أو لنقل طيفاً متعدد الألوان للحضارة الأم التي نشأت على طول الشريط الجنوبي والشرقي للجزيرة العربية.

من الواضح أن الاعتقاد السومري كما تشير المثيولوجيا السومرية، كان قائماً على وحدة الانسانية كوحدة لغوية ودينية، ومن ثم فقد أدى تطور المدنية والانفتاح المديني في سومر، الى حدوث التطورات اللغوية التي أدت الى ظهور الألسن الفرعية –لهجات تطورت لاحقاً الى لغات متعددة، وهذا بحق ما يقوله واحد من أقدم النصوص السومرية، الذي جاء فيه:

"في عابر الأزمان لم يكن ثمة حية ولا عقرب

لم يكن ثمة ضبع ولا أسد

لم يكن ثمة كلب متوحش ولا كان ذئب

لم يكن هناك خوف ولا ارهاب

ولم يكن للإنسان منافس

في غابر الزمان كانت بلاد" شويور"و"همازي"

وبلاد سومر المتعددة الالسن

البلاد العظيمة ذات النواميس الالهية الخاصة بالإمارة

وبلاد أوري التي حوت على كل ما هو لائق

وبلاد مارتو كانت آمنة مطمئنة

وجميع البشر والكون في وحدة وألفة

يمجدون الله بلسان واحد"

-------

يشير النص الى تمثل لزمنٍ ماضٍ، ووصف لمرحلة سابقة قبل حدوث التراكم المادي الاقتصادي الذي أدى إلى تشكل الطبقات الادارية والكهنوتية والملاك، كما يشير إلى التحول في البنية الثيولوجية المثيولوجية (الدين) إلى منظومة مؤسساتية، أفرزت شريحة خاصة من الكهنة والسدنة وارباب المعابد.

كما يشير النص الى ارتباط عريق ووثيق بدلمون- شرق جزيرة العرب- فضلاً عن المعاني المحتملة للجنوب المطلق الذي حظي دائماً بقداسة شديدة عند السومريين، والذي يرتبط بفكرة الفردوس أو "جنة عدن" الجنوبية، ولن تكون تلك مصادفة إذا أشارت الى جنوب الجزيرة العربية، لاسيما إذا ما وضعنا هذا التوصيف في مقابل الشمال المطلق للسومريين والمتمثل في "أوري" و"مارتو" في الامتداد الجغرافي الشمالي لبلاد الرافدين وبالامتداد الحضاري الجغرافي لها في سوريا، بما يؤكد أن السومريين لم يكونوا اطلاقاً غرباء عن المنطقة.

وأهم ما في النص، أنه يتحدث بصريح العبارة عن وحدة انسانية ذات طابع شمولي، فجميع الكون والبشر في وحدة وألفة يمجدون الله بلسان واحد. وكما نعرف فإن حضارة سومر جاءت متأخرة عن حضارات أخرى سابقة لها في الأقاليم الشمالية لنهري دجلة والفرات، ومما يدل على هذا الاستيطان المتأخر نسبياً لمنطقة جنوب النهرين، هو أنه لم تظهر هناك أية مكتشفات واضحة من العصر الحجري أو حتى من فجر العصر الحجري- النحاسي. وفي المقابل أصبح الأمر في هذا المجال عادياً لدينا في شمال ما بين النهرين وفي شمال بلاد الشام. وهذا يؤكد أن حضارة سومر كانت وليدة بيئتها العروبية، بل وجزءً مهماً من كيانها الخام في عصر الحضارة الأم قبيل بزوغ شمس الألف الرابع قبل الميلاد.

يتضح أمام هذه المؤشرات سبب عجز كل من صموئيل كريمر وديورانت غيرهما ممن حاولوا أن يردّوا فجر التاريخ إلى خارج المنظومة العروبية، في إثبات وجهة نظرهم تلك، وهو ما يفسر أيضاً لجوء "أنطون موتكارت" الى طرح تساؤله حول ما إذا كانت حضارة سومر ثمرة للنضوج الفكري لشعب المنطقة أم أنها كانت بتأثير شعب جديد قدم إلى هناك؟- وهو السؤال الذي حطم بشكل أو بآخر سؤال كريمر وديورانت: من أين جاء السومريون؟!- الذي جعل بالإمكان دوماً افتراض أن السومريين جاءوا من خارج المنطقة العروبية.

لازال علماء الآثار يقفون عاجزين عن التماس أي حدود فاصلة بين عصر السومريين وما قبله، أو أي حدود فاصلة بينها وبين الحضارة الأكادية التي نشأت بناءً عليها وبعدها في نفس المنطقة، حتى أن بعض الباحثين لم يجدوا غضاضة من تسمية ذلك العصر بــ "عصر الحضارة السومرية- الأكدية"، في حين أن ذلك السياق التاريخي – الحضاري لازال يقدم كل المعطيات اللازمة للتأكيد على أن السومريين هم النتاج الطبيعي والعضوي والحتمي للتطور الانثروبولوجي العروبي، منذ عصور الباليوليت وحتى العصر الحجري- النحاسي ثم النحاسي، وهي المعطيات التي لا تدع مجالاً للشك بأن النقلة النوعية الحضارية التي تحققت مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد هي الناتج الطبيعي لما سبقها، إذ لا نجد شيئاً غريباً عن حضارة المنطقة جاء به السومريين، وهذا بحد ذاته كاف لدحض فرضية الأصل الخارجي للسومريين، والتي انتهت بشكل مثير للسخرية الى تقديمات غرائبية تتحدث عن كائنات فضائية أو ما شابه، لعرق بشري جاء من الفضاء الخارجي!!- فعندما لا تفلح الكذبة يبدأ الاستخفاف بعقولنا.

وبالنظر الى اللغة السومرية التي تبدو في أغلب الأحوال بأنها عبارة عن صور أو رموز مجردة تعكس تعبيراً معيناً، والتي بقدر ما يمكن اعتبارها مرحلة بينية للانتقال إلى اللغة المكتوبة الأبجدية اللاحقة، بالقدر نفسه الذي نجد فيها مفردات وكلمات عروبية ترجع إلى الأقوام الأولى قبل ظهور السومريين.

كما كانت الكتابة بمثابة واسطة عملية لإدارة اقتصاد المعبد المادي أكثر من أن تكون تعبيراً لمفاهيم روحية سامية، إذ أنها كانت عبارة عن واسطة عملية لتنظيم اقتصاد المعبد فقط. فقد جاء الأكديين واستخدموا الكتابة السومرية، وهذا لا يشير إلا الى حقيقة واحدة، وهي أن تلك الأقوام لم تكن ترى فواصل فيما بينها بحيث تعتبر المكونات الحضارية حكراً على فئة منها، بقدر ما هي بنظر الجميع، قاسم مشترك بينها، فقد عرف أن من طبيعة الأقوام الدخيلة أن تسعى الى طمس حضارة من قبلها، وليس العكس أبداً. إذ أن غالبية النصوص التي تفسر طريقة النطق" باللغة" السومرية ترجع إلى الاكاديين الذين خلفوهم. حيث استخدمت الكتابة المسمارية لتدوين" اللغات" الاكادية والبابلية والآشورية والأوغاريتية حتى عُممت الأبجدية الفينيقية.

وبنفس التزامن ظهرت اللغة المصرية القديمة كإحدى اللهجات العروبية التي سوف تستقل بذاتها لاحقاً، مما يدل على أن سكان مصر أقوام جاءت من الجزيرة العربية، فهي تشترك مع تلك اللهجات العروبية في خاصتها الاساسية التي تجعل كلماتها تُشتقُّ من مصدر واحد، غالباً ما يتكون من ثلاثة أحرف كما تشتمل على الكثير من الكلمات والمفردات المشتركة.

ومن جهة أخرى، فقد تعذر على الباحثين أن يجدوا فرقاً بين الديانة الأكادية والاعتقاد السومري بالآلهة بعد ذلك الانصهار القوي بين عناصر الديانة السومرية والعروبية الشرقية، بل ويجزم معظم الباحثين على عدم وجود أي فوارق لغوية أو حضارية بين السومريين والأكديين.

وهكذا، فإن النقلة التي تكشف عنها الميثولوجيا في ماري وكيش، تُظهر في منحوتات من مدينة ماري تحمل كتابة عروبية أقدم من عصر سلالة أور الأولى، ويدعم ذلك بأن كريمات الحكام الاكاديين كنَّ قد دخلن معبد إله القمر في أور كعرائس للآلهة،. ومن ثم فإن هذه البراهين الدقيقة تؤكد أن السومريين كانوا بالفعل النتاج الطبيعي الموضوعي للتطور الانثروبولوجي والحضاري العروبي، كما أنهم شكلوا حلقة من حلقات التطور العروبي في المراحل التالية، التي استمرت فيها عملية التكوين العروبي على أيدي الآشوريين والكنعانيين (الفينيقيين) والمصريين، خلال الفترة الممتدة من نهاية الألف الثالث وحتى حلول الألف الأول قبل الميلاد.

المراجع:

Harriet Crawford. Sumer and the Sumerians, 2004.

Pollock, Susan (1999), Ancient Mesopotamia. The Eden that never was, Case Studies in Early Societies, Cambridge: Cambridge University Press.

Jacobsen, Thorkild (Ed) (1939),"The Sumerian King List", Oriental Institute of the University of Chicago; Assyriological Studies, No. 11.

Gilbert and Colette Picard, Vie et Mort de Carthage (Paris: Hachett 1968), translated as The Life and Death of Carthage (New York: Taplinger 1969) From: R.B Smith Cathage And The Cathaginious.

د. علي أبو عساف: آثار الممالك القديمة في سورية، وزارة الثقافة في ج. ع. س دمشق 1988.

أنطون موتكارت: تاريخ الشرق الأدنى القديم، تعريب توفيق سليمان وعلي أبو عساف وقاسم طوير.

والترج أونج: اللغة الكتابية والشفوية، ترجمة د. حسن البنا عز الدين - مراجعة د. محمد عصفور عالم المعرفة (182)- شباط 1994.

أحمد عثمان: هجرة قبائل العرب قبل اختراع الكتابة، مجلة الحياة، 2 حزيران 1995 العدد (11789).


  • 1

   نشر في 21 يونيو 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا