زائر الفجر: كم زائرا نشر الرعب في جنح الظلام؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زائر الفجر: كم زائرا نشر الرعب في جنح الظلام؟

ذكريات من سيرة البوليس السياسي في تونس

  نشر في 13 شتنبر 2019 .

 من أشهر الأفلام في تاريخ السينما العربية فيلم " زائر الفجر" الذي أنتج سنة 1973 للمخرج المصري ممدوح شكري. ويعد هذا الفيلم من الأعمال السينمائية المغضوب عليها نظاميا نظرا لتطرقه لموضوع مسكوت عنه وهو التعذيب الذي تعتمده السلطات للمعارضين عن طريق تداوله لقصة موت الصحفية نادية الشريف تحت التعذيب ومحاولات وكيل النيابة حسن جمع الأدلة التي تثبت الجريمة لينتهي الفيلم بإصابة حسن بالإحباط عندما تأتيه أوامر عليا بوقف التحقيق. وليعري الفيلم بذلك وجوها عديدة من الفساد والمحسوبية وليحمل معه كما هائلا من الإسقاطات السياسية. ورغم جهود صناعه للتفاوض مع السلطات السيادية بهدف عرضه، كمحاولة الفنانة ماجدة الخطيب مقابلة الرئيس أنور السادات، فإن كل مجهوداتهم لم تنجح في إخراج هذا العمل إلى النور. مما أدى إلى وفاة مخرج الفيلم حزنا على مصادرة حلمه قبل أن يشهد عرضه ولو كان مبتورا.

وبعيدا عن الفيلم، نجد أنفسنا نطرح سؤالا: كم من زائر فجر نشر الرعب في جنح الظلام؟

عرفت تونس خلال حكم نظام بن علي الذي أحكم قبضته الحديدية على الدولة سنواتا من الخوف والرعب. شهدت تلك الفترة زوار فجر كثر من بوليس أمن الدولة للمعارضين الإسلاميين واليساريين والحقوقيين والنقابيين وكل من يشتم منه رائحة المعارضة.

لماذا كانت الزيارة تتم في الفجر؟ الإجابة لأنها أهدأ لحظات الليل. في ذلك الوقت، يكون الإنسان نائما مستكينا مطمئنا في بيته. فالهجوم المفاجئ يهدف إلى كسر حاجز الطمأنينة داخل الفرد بالإضافة إلى ضمان وجوده في مكانه. فكم من حرمات انتهكت وكم من أجساد أخرجت عارية من مأواها في جنح الظلام. ولا يغادرون دون أن يتركوا إمضاءهم: أثاث محطم، بيت مقلوب رأس على عقب، ضرب، شتيمة، ألم ودموع.

من ذكريات الزمن المر، أن الرعب كان يسيطر على القلوب والعقول. كان الجميع يتحركون بالمليمتر خشية أن تلتصق بهم تهمة الانتماء: كانت الصلاة تهمة، حيازة الكتب الدينية أو الماركسية تهمة، غطاء الرأس تهمة، مراسلة أصدقاء أجانب تهمة. أن تكون يساريا، إسلاميا، حقوقيا، نقابيا جريمة لا تغتفر. لكن الأدهى والأمر، أن زائر الفجر ليس الوحيد الذي يراقب ضحاياه ويتربص بهم. كان الجميع يراقبون بعضهم البعض: الجار، البقال، المدرس، الجزار، سائق التاكسي. لا يمكن أن تعرف من يتابع حركاتك وسكناتك. فقط عليك أن تكون حذرا من جلب الانتباه.

من المضحكات المبكيات أن العديد كان يلجئ لسياسة التمويه درءا للشبهات المزعومة. فعيش الناس في دوامة الخوف جعلهم يتصورون أنهم مراقبون في كل لحظة ويبدعون في التخفي. ومن إحدى أشهر القصص التي سمعتها، قصة الشاب الذي كان يصلي في سكن الطلاب في الجامعة وبلغ الموضوع الإدارة فخشي عليه والده بطش البوليس فذهب لإدارة الجامعية يتمايل سكرا حتى يقول للجميع بأنه ليس إخوانيا.

من القصص العجيبة في زمن الظلام أن تهمة الانتماء باتت تستعمل لتصفية الحسابات الشخصية. فمن أراد أن يكيد لشخص أو يزيل خصما، ما عليه إلا ان يبلغ عنه السلطات ويتهمه بالانتماء لتنظيم محضور. واستقبل الكثيرون زوار الفجر بسبب تهم كيدية. نجا البعض منها بأعجوبة أما البعض الآخر فدفع ثمنها باهضا: سجنا، تعذيبا وتشريدا.

ومرت السنوات، وغير زوار الفجر مواعيد قدومهم فأصبحوا زوارا في كل وقت: ظهرا، عصرا، صباحا، مساءا ويوم الأحد. ولم تعد أبواب البيوت الموصدة قادرة على حماية سكانها. وانقلبت الموازين، ولم يعد السجن بمفهومه الكلاسيكي هو من يحرمك حريتك. بات كل شيء سجنا: البيت، الحي، القرية، المدينة، البلد. وعندما تسجن الروح فمصيرها الذبول ولا يمكن لها أن تعود كما كانت. وكتب على الضحايا الشقاء الأبدي. لم يعد الليل سباتا والنهار معاشا. وأي معاش لشخص تهمته الوحيدة هي أفكاره؟ يمضي النهار في التخفي ليأتي الليل حاملا هاجس الخوف.

وشاءت الأقدار أن تنقلب الموازين، وتشرق شمس الحرية بعد ثورة الرابع عشر من يناير. فغادرت الأرواح المختنقة سجونها لتخرج لنسيم الحياة. ولم تعد هناك حاجة لزوار الفجر. وعرف الجميع المعنى الحقيقي للأمن والأمان: فمن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ومن سار في الطريق فهو آمن ومن نام في سريره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان، إن وجدت في هذا الزمان، فهو آمن. وتكفل الزمن بمداواة جراح الماضي.

طبعا ليس من السهل على من إعتاد غصبا عنه أن يهجم عليه الضيوف الغير مرغوب فيهم من المخبرين وأمن الدولة أن يألف حياة السكينة بعد سنوات من الرعب والخوف. فمنهم من نسي، ومنهم من تناسى أملا بغد أفضل ومنهم من كان النسيان عليه عصيا، فآلت حياته إلى سجن آخر يطبق على أنفاسه وظلت يومه يتأرجح بين هلوسات النهار وكوابيس الليل.

وهنا يبقى السؤال المطروح، كيف أصبحت حياة زوار الفجر؟ من يزورون الآن؟ ومن يزورهم؟ كيف يعيشون؟ وبماذا يفكرون؟ بماذا سيشعرون لو تغيرت الأدوار وذاقوا طعم استقبال زوار بلا موعد؟ كيف ينام من يطرد النوم من عيون الآخرين ويزرع الرعب في جوف الليل؟ وإلى متى ستظل الشعوب العربية المقهورة تستقبل زوار الفجر دون سابق دعوة؟


  • 2

   نشر في 13 شتنبر 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا