السجن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

السجن

قصة قصيرة

  نشر في 29 غشت 2021 .

1-الحكم

ظل يائيل بن باهر السوري إسبوعا في كرب عظيم لأن الأيام لا تمر عليه,لا يوجد فترة محددة سيقضيها في تلك الزنزانة. هناك مساجين عاشوا وماتوا هنا. هناك من يقضي أياما ومن يقضي أشهرا ومن يقضي سنوات ومن يقضي عقودا. حتى أنه سمع عن شخص قضى ما يقرب من قرن. ولد ومات هنا. وصدر الحكم عليه وهو في قبره. وأمه كانت من النساء القلائل اللاتي دخلت الزنزانة. زنزانة واحدة مربعة وضيقة تحوي إحدى وثلاثين سجينا. لما أتى يائيل الحكم لم يتمالك نفسه من الفرحة. حكم مخفف من بشار نفسه. يقضي بنقله إلى سجن آخر وقضاء واحد وأربعين عاما فقط. وبحسبة بسيطة عرف يائيل أنه سيخرج في تمام الستين. وفرح أكثر,فبالرغم من أن جده وأباه أصبحا ميتان بالنسبة له,ولكن سيمكنه رؤية أصغر أعمامه,وربما بعض من أشقاءه. وقيل على لسان أحد الحكماء أن العمر يبدأ بعد الستين.

2-القبر

في الحبس من مولده حتى موته.

زنزانة ضيقة من غرف الحبس الإنفرادي,حيث ماتت أمه بعد ولادته. وقد كانت نزيلة هناك,منذ فترة طويلة يقال أنها أتت صبية.

نزل إلى الحياة لا يعرف شيء عن خارجها,سوى ما تسمح الجدران بمروره إليه من أصوات وروائح. ظل أعمى رغم أنه مبصر. لم يرى بصيص من النور سوى مرة واحدة بالصدفة. وعاش صباه وشيخوخته ثم مات في زنزانته.

من الرحم إلى السجن إلى القبر.

من قبر إلى قبر إلى قبر.

3-الغرفة

وجد نفسه في غرفة مغلقة من جوانبها الأربعة,لا باب,ولا نافذة. ولا يعلم من أين تأتي الإضاءة وإلا فكيف يرى؟ بل كيف يتنفس؟. سيظل يصرخ ويبكي طويلا. سوف يجوع ويحرقه العطش. الوحدة قاتلة. سيشتاق لأهله. سوف يتسائل هل سيفتقدوه؟.

أخذ يتحسس بيديه وبعينيه في الجدران كلها بحثا عن أي باب او نافذة أو أي فجوة أو ثغرة,الأربعة جدران,والأرضية,السقف أعلى من أن يطاله. خمن أن الباب ربما يكون هناك بالأعلى. ربما ليس محكم الإغلاق. كأنه محبوس في بئر وباب الخروج أمامه. ليس المشكلة في عدم قدرته على فتحه. بل في عدم قدرته على الوصول إليه.

لا يوجد أي ضوء يأتي من الخارج,فمن أين يأتي الضوء الخافت الذي يزيد الغرفة وحشه ويضغط على قلبه إنقباضا؟. بل من أين يأتي الهواء؟ كيف يعبر خلال الجدران؟.

4-المجنون

كان يتحدث إلى الجدران في سجنه,عالقا بينها توشك على تحطيم أضلاعه. ينظر إلى النافذة ويتخيل روحه تعبرها. أو ينام لصيق الجدار,ويتخيل جسده يتخللها. كل الجدران المتراصة وراء بعضها,تطمس أي أمل للخروج خارجها.

يتمنى حتى أن يصل للباحة الداخلية للسجن,يستمتع بضوء الشمس,وبعض الهواء يمر عبر صدره وثيابه. يحلم أن يخرج للزنازين العادية,الجماعية,حيث يهنأ بصحبة بعض البشر,أحط البشر لكن يظلوا بشرا. بدلا من حبسه الإنفرادي المستمر بين أربعة جدران ضيقة.

إلى أن فقد عقله,أو قل حبس داخله,وحاول زملاءه سحبه من هذيانه فلم يفلحوا,ولما خرج أخيرا إلى النور بالخارج كان قد فقد بصره,فلا يرى سوى هلوسة مستمرة أمام عينيه,مغيمة على عقله. هلوسة بصرية من الظلام الدامس الذي أغرقه. فصار حبيس عقله وعينيه. لا يسمع ضجيج الناس,ولا يرى قاذورات الشارع.

5-السجن

ذات يوم ضجت جدران السجن الأعظم بصرخات فزع لها السجان والمسجون معا,الجدران تبكي على حال السجناء,وقد مات ثلثهم من روع هذه اللحظة,وجن الثلث خشية من هول ما ينتظرهم لدرجة أن الجدران تبكي على مصيرهم,وبقى الثلث الثالث منتظرين حتفهم.

6-القلعة

دخل محمد السجن,شعر مع صوت وقع أقدامه في الردهة بالطريق إلى الزنزانة,ومع صوت وقع نبضات قلبه الذي يكاد يزلزل صدره ويهز رأسه ويفجر أذنيه,ومع المشاهد الرمادية التي تحول إليها الحال. شعر مع كل ذلك,أن واقعه الجديد أشبه بسقوطه في بركة من المياه المتجمدة.

السجن عبارة عن قلعة شامخة,على تلة شاهقة,يحسبها الرائي جبلا,وقد كان آخر منظر جميل يراه في حياته. ترتفع السلالم والطرقات بالصاعد حتى قمة البناء النصف طبيعي والنصف صناعي مرورا بالأنظمة المعقدة للتكيف والتهوية والصرف. ومن القمة يبدأ النزول عميقا للأسفل,عبر حفرة وسط القمة,تنتصف البناء كله,من طوابقه العلوية متجاوزة مستوى الأرض نزولا إلى تحت. تحت الأرض.

7-الزنزانة

يتم حشد الجميع في نفس الزنزانة,غرفة طولها أربعة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار,تحمل أكثر من ثلاثمائة سجينا.

8-الطفل

وداعا سجن الطفولة هو عنوان الكتاب الذي كتبه,وكان سوف يسميه الخوف من الطفولة, وكان يعده ليكون بحثا سوء المعاملة في مؤسسات رعاية الأطفال التابعة للدولة؛المدارس والملاجئ والإصلاحيات.

9-المؤسسة

وهناك سجون مستترة أيضا للكبار,مثل المعسكرات التجنيدية,والمشاغل والمصانع,وحتى البيوت في عائلات تحكمها سلطات أبوية.

10-المخزن

والأشياء حبيسة المخزن,سواء كانت منتجات غذائية أو طبية أو سلع أخرى مثل القماش ومواد البناء والأخشاب والكتب في المكتبات.

11-العاطل

حياته داخل السجن لا تختلف كثيرا عن حياته خارج السجن.

12-الشبح

الشبح حبيس حبسة أكبر من كل البشر,فهو لا يخرج أبدا,أي أنه ليس هناك وقت معين ينتهي فيه العذاب بموته,بل لقد تجاوز الموت إلى ما بعد الموت ولم يعد هناك أي موت ينتظره.

13-الموت

والميت حبيس قبره.



  • رايفين فرجاني
    ناقد أدبي وسينمائي نشر عدد من المقالات على الشبكة,وكاتب روائي يعمل على عدد من الروايات والقصص القصيرة التي لم تنشر بعد.
   نشر في 29 غشت 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا