دعوة للتفكير - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دعوة للتفكير

من أجل محو الدوغمائية, وترسيخ التسامح.

  نشر في 04 شتنبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

تلك الدعوة أوجهها إلى من يظن أنه على الحق, وأن معتقده هو الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الخطأ أبداً، إلي الذين يظنون أن ما دونهِم على الباطل.

دعوة فاضلة ننشرها في وجه المتعصبين بكل أنواعهم، المتعصبون الذين لم يستطيعوا عرض أرائهم فقط بل فرضوها بالقوة.

دعوة بمَثابة الرثاء لكل الذين استشهدوا بسبب التعصب الأعمي الناتج عن الشوفونية او الدوغماتية الدينية لمسطحي الفكر.

دعوة بمَثابة اعتذار لكل من تعرض للسب و القذف والتكفير لمجرد التفكير وعرض رأي مخالف لرأي الجمهور الضالّ المضِل.

1- التعصب

في بداية المقال يجب علينا أن نوضح مفهوم التعصب او الدوغمائية  الذي نقصده هنا.

التعصب وضحه الدكتور فؤاد زكريا في كتابه التفكير العلمي بأنه " اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة وبأن غيره يفتقرون إليها, ومن ثم فهم اي الاخرون دائما مخطئون أو خاطئون"

أن التعصب الذي نريد أن نتحدث عنه هو الذي يؤدي بالمرء الي كراهية الأخر لمجرد الإختلاف وقد يؤدي إلى القتل في بعض الأوقات.

تفكر في كم الدماء التي سالت بسبب التعصب الديني مثلا ! لنضرب مثالاً.

حدثت في فرنسا عام 1572 إبادة والتي ذبح خلالها ما يرقى إلى 30 ألف بروتستانتي فرنسي على يد السلطات الكاثوليكية “والمتعصبين من الكاثوليك” بأبشع وسائل القتل لدرجة أنهم كانوا يحضرون النساء الحوامل ويشقون بطونهم ويستخرجون الأجنة ويضربون رؤسهم بعرض الحائط حتى تنفجر لتنتقل بعدها عدوى القتل لباقي المدن و القرى الفرنسية، كان الهدف منها القضاء على البروتستانت تماماً وذلك بأوامر من الملك شارل التاسع ووالدته خوفاً من سطوة وانتشار البروتستانتية.

لقد كانت الكنيسة الكاثوليكية متواطئة ومشاركة في المجزرة، ففي يوم 24 آب دقت أجراس الكنائس إشارة للجنود والمتطوعين من الأهالي المتحمسين الذين باتوا ليلتهم ينتظرون تلك الإشارة أمراً صريحا بالبدء في الفتك بالبروتستانت.

ما السبب وراء تحمس الإنسان لقتل إنسان أخر؟ لماذا ؟ من أجل الجنة ؟ لا شئ سوي التعصب الاحمق الذي بثه في نفوسهم هؤلاء الحمقي من رجال الدين والسياسة.

لماذا تقتل إنسانا اختلف معك في الدين ؟ لما تحتل أرضاً وتسبي نساءاً من أجل نشر دينك بالقوة ؟ من أجل الجنة ؟ 

انت  مسلم او مسيحي لمجرد أنك ولدت لأبوين مسلمين او مسيحيين, الإنسان الذي قتلته لم يختر دينه بل مثلك تماماً لم يختر دينه بل ولد عليه, فلم تقتله ؟ لو تفكرت قليلاً ووضعت نفسك في مكانه ستجد أنه مظلوم وأنك ظالماً لكراهيتك له وقتلك له لو سنحت لك الفرصة. أنه أصبح علي هذه الديانة لمجرد أن أهله علي نفس الديانة، وسيدافع عنها بنفس دفاعك عن دينك. هو مثلك تماماً يعتقد أن دينه هو الدين الصحيح.

 هل تفكرت في يوم من الأيام عن سر كراهيتك لليهود مثلاً ؟ 

هل تفكرت في الاحداث والمجازر التي وقعت بسبب تعصب فئة او حاكم لرأي ما و مذهب معين؟

العجيب أن المتعصب يخلق جميع الأعذار لكي يبرِّر جريمته الشبعة ويلقي باللوم علي المقتول او المجني عليه فيستخدم كلمات من قبيل " لا نفعل ذلك إلا دفاعاً عن الدين , حب الوطن يدفعنا" وهكذا . ولكن السبب الحقيقي لتعصبهم ليس كما يدعون ، فلا يمكن للتعصب أن يكون علي حق أبداً .

تعصبهم ناتج لتغلب العاطفة علي التفكير العقلاني مما يؤدي بالمتعصب الي العَمَى عن الحقيقة وبمجرد أن تنتقد فكرته المثيرة تراه يغضب، ويلقي عليك الكلمات بدون تفكير ولا تدبر وقد يصل الأمر إلى سبك وشتمك.

إن المتعصب لا ننتظر منه حكماً عادلاً على الأمور، لأن المتعصب لأ يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة ولا يبحث إلا على  ما يطمئن إليه.

2- التسامح

"أشرف الثأر العفو" مثل إنجليزي

نستطيع القول بأن التسامح والعفو هو من أهم أسباب سمو النفس ورفعتها.

يمكننا بالتسامح المقرون برفعة العقل عن مٌنازلة الصغار أن يرتفع شأننا، وأن ننجو ونُنقذ أنفسنا من وحل المعارك فكما يعلم الجميع أن الخنزير يريدك أن تكون معه في الوحل دائماً.

لكنني هنا لأ أتحدث عن التسامح مع الأفراد وإن كان كلامي السابق يُوحي بذلك، ولكني كتبت ما كتبت إلا أن المعارك الفردية قد تصل في يوم من الأيام الي معارك جماعية.

تخيل أن هناك مشكلة بينك وبين صديق لك، في بعض الأحيان قد تؤدي تلك المشكلة الي تدخل الأهل فيها. والمطلع علي أخبار حروب أهالي الصعيد يعرف ذلك جيداً.

فقط تعالوا ننظر إلى التسامح من وجهة نظر أخري, من وجهة نظر أكثر إنسانية وعلمية في آن واحد. وهذا هو السبب في إدراج صورة المجرات التي التقطها تليسكوب هابل لهذا المقال.

يوجد في كوننا المرئي أو ما نعلمه من الكون أكثر من 100 مليار مجرة، كل مجرة تحتوي علي مئات المليارات من النجوم، درب التبانة فقط تحتوي علي حوالي 400 مليار نجم. 

تخيل كل نجم تدور حوله كواكب كمجموعتنا الشمسية, يوجد الآلاف الكواكب في حجم كوكبنا وتصلح لوجود حياة عليها، ولكن لنسأل السؤال الآتي هل توجد حياة أخري غيرنا في الكون ؟

في الحقيقة نحن لا نعلم أيوجد، ام لا؟ ربما يوجد حياة وهذا ما أتمناه، ولكن يبدو إلى الأن أننا وحدنا ولا يوجد شئ ينقذنا من أنفسنا الدنيئة.

تخيل في كم الدماء التي أراقها الملوك فقط لكي يحظوا بقطعة أرض ويسيطروا علي أهلها لجزء من الوقت لا يشكل نسبة في عمر الكون !

تخيل كم الدماء التي أريقت بسبب إختلافنا في الدين ! تخيل حرب المسلمين ضد بعضهم البعض لإختلاف ليس بكبير، قتل المسلمين لليهود، وقتل المسيحيين لليهود وقتل اليهود لأهالي غزة بدون تمييز !

هل تعلم أن المقوقس في الاسكندرية قتل 20 الف مسيحي من أجل إختلافهم على جملة "لأهوت المسيح فارق ناسوته أم لأ " ؟

تخيل كم الدماء التي أريقت بسبب ايدلوجيات ساذجة كل ما يهمها هو مصلحة معتنقيها ! 

كل هذه الدماء من أجل ماذا؟ من أجل ماذا نُقتل في بعضنا البعض ؟ 

نقتل أشخاصا ليسوا مختلفين عنا كثيراً، هم يشبهوننا تماماً.

إنني لا اطالبك بالتسامح غير المشروط الذي يمكن أن يؤدي إلى غطرسة المتعصبين , ولكن أرجوك تسامح في الأشياء التي يمكن أن تؤدي بخصمك إلى القتل أو الاضطهاد.

في الحقيقة نحن لا نقضي علي أنفسنا لوحدنا ولكن نقضي أيضا علي الحيوانات والنباتات وكل من يشاركنا هذا الكوكب، هذا الكوكب الذي يبدو أنه في المرحلة النهائية من حياته بسبب حروبنا.

في نهاية الأمر يجب أن أترك تلك الرسالة الخالدة في قلوبنا لكارل سيجان، أرجو منكم أن تتمعنوا فيها وتتدبروا معانيها.

"من نقطةِ النظرِ البعيدةِ هذه، قد لا تبدو للأرضْ أيّةُ أهميةٍ خاصة. ولكن بالنسبةِ لنا، الأمرُ مختلفْ. أعد النظر لتلك النقطة:

إنها هنا!

إنها الوطن!

إنها نحن!

فعليها: كلُّ من تحبْ، كل من تعرف، كل شخصٍ سمعت عنه، كلُّ كائنٍ بشريٍ وُجد طوال التاريخ، عاش حياته هناك. مجموع كلِّ الأفراحِ والأحزانِ. ألوف الأديانِ والنظريات ومذاهبِ الحياةِ. كلُّ صيادٍ وقاتلٍ. كلُّ بطلٍ وجبان. كلُّ خالقٍ وهادمٍ لحضارة. كلُّ ملكٍ وفلاّح.

كلُّ عاشقيْن. كلُّ أمِّ وأبٍ، طفلٍ ذي أمل. مخترعٍ ومكتشف. كلُّ ناشرٍ لخلقٍ حميد، كلُّ سياسيّ فاسد. كلُّ نجمٍ سينمائي

كلُّ قائدٍ عظيم. كلُّ متدينٍ ومذنبٍ في تاريخِ وجودِ كائننا البشريّ. كلُّهم عاشوا هناك.. على ذرةٍ من غبار، عالقةٍ في شعاعٍ شمسي. الأرض ليست سوى بقعةٍ صغيرةٍ للغاية، في مسرحٍ كونيّ عظيم!.

تفكر لوهلةٍ في أنهارِ الدماءِ التي أراقها جنرالاتُ الحربِ وأباطرتَها، لينتصروا ويصبحوا أسيادً لحظيينَ، على جزءٍ عشريّ من نقطة. تفكر لوهلةٍ بالقسوة التي ملأتْ قلبَ شعبٍ عاش على إحدى زوايا هذه النقطة، ليغور ويتغلب على شعبٍ آخرَ، عاش على زاويةٍ أخرى منها، بالكاد نستطيع التمييز بينهما.

كم كان جهلُهُم، وسوءُ فهمهم للآخر؟!

كم كان غرورهم، ليقتُل أحدُهم الآخر؟!

كم كانت كراهيتُهم الشديدة وبغضَهم لبعضِهم البعضْ؟!

إنَّ نظرتَنا لأنفسِنا، وتخيلَنا لوجودِ أهميةٍ لنا نحن البشر. إنَّ ذلك الوهم: بأن لنا مكانةَ خاصة، للاستحواذ على هذا الكون. كلُّ تلك الأوهامْ، تعترضُها بقوةٍ.. نقطةُ الضوءِ الباهتِ تلك.

كوكبنا، هو ومضةٌ وحيدة، في فراغٍ كونيٍّ مظلم. خلال وجودنِا في هذا الظلام الهائل، لا نمتلك أيَّ دليلٍ بأن مساعدةً ستأتي يوماً من الخارج، لإنقاذنا، من أنفسنا. للآن، الأرض هو الكوكب الوحيد الذي يمكنه احتضان الحياة، ولا يوجد أيُّ مكانٍ –على الأقل خلال الفترة القريبة هذه- يمكننا الرحيل إليه. ربما يمكننا زيارة الخارج، أما البقاء خارجَ الأرض! فليس بممكنٍ بعد. سواءٌ أعجبتك الفكرة أم لا؛ هذا الكوكب: هو مصيرُنا.

يقالْ: إنَّ دراسةَ الفضاءِ تعلِّمُ التواضعَ، وتبني صورةً إنسانيةً في دارسِها. بالنسبة لي لا توجد أيّةُ طريقةٍ لإسقاطِ الصورةِ الوهميةِ المرتبطةِ بنا كبشر، أفضلُ من النظر إلى هذه الصورة البعيدة، لكوكبنا الأرض. بالنسبة لي، أن نتعامل بشكلٍ أكثرَ مودةً واحتراماً لبعضِنا البعضْ، لهو مسألةٌ تتجاوز جميع المسؤوليات. وأن نحمي، ونحافظ على “النقطة الزرقاء الباهتة”.

يمكنك الأستماع لتلك الكلمات بصوت كارل سيجان من الرابط في الأسفل.

https://www.youtube.com/watch?time_continue=4&v=OgJiT8UEWJ0 








  • ابراهيم الحملي
    مهتم بالكتب, وعلم الفلك, والفلسفة والمنطق. أدرس بقسم الجيولوجيا شعبة جيوفيزياء.
   نشر في 04 شتنبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا