المُمِلُّون الجميلون - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المُمِلُّون الجميلون

  نشر في 15 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 17 يناير 2020 .

هل حقاً فقدت ألواني؟ هل حقاً أصبحت شخصاً مملاً؟

منذ أن حاولت لأول مرة الخطو خارج ما ألفَته ذاتي عن ذاتي تخلت عني الكثير من ثوابتي القديمة.. أو تلك التي ظننتها يوماً ثوابتاً.

أملت برأسي على كتفه وهو يغني ويطلق بعض الفكاهات التي أجدها مضحكة أكثر من أي شيء آخر. فهو كثيراً ما يطلق بكل عفوية فكاهات مسلية بشكل متتالي، وعندما يكون الوضع جدياً لا يحتمل الكثير من المزاح يطلق تحليلاته وأفكاره التي بت أتوق لسماعها كل يوم وهو يقولها باندفاع وحماس لا يهدآن. لقد استعضت عن الكثير من الحب والاهتمام القديم الذي كان يأتي من كثير من الجهات .. استعضت عن ذلك كله بشخصه. حتى أن ألواني القديمة استبدلتها بتلك جديدة معه ولكنه لا يعرف حقيقة شخصي القديم سوى ما أحاول وصفه وتقريبه لمخيلته ومخيلتي فأنا اليوم أيضاً أنظر لقديمي نظرة المستغرب.

منذ سنة ونصف أعلنت أني سأخطو الخطوة التي لطالما كنت أخشاها طيلة حياتي.. أنني سأقوم بالتغيير الذي لطالما انتظرته وأنه لن يهمني رأي أحد بي بعد الآن. لقد كان واحداً من أكثر القرارات جرأة في حياتي (أكثر من انضمامي إلى الإسعاف وقت اشتداد الحرب أو من قراري السفر وحدي بعيداً للعمل).

منذ سنة ونصف السنة عندما بلغت التاسعة والعشرين من عمري قررت أن أندفع باتجاه مغاير لأي اتجاه مشيت به قبلاً وأن أنظر حولي بعين أخرى غير التي كنت أنظر بها.. أو بالأحرى أن أزيل النظارة التي ألبسني إياها غيري والتي كانت تعميني كل الوقت عن الجمال حولي أو عمن أراهم اليوم أكثر الناس إثارة ومتعة.. عن الناس المملين.

لقد كنت أنظر إلى أنواع الناس التي ينتمي إليها عدد لا بأس به من علاقاتي الحالية على أنهم أناس مملون لا يمتلكون ألواناً لافتة.. مترددون.. يخافون المغامرة.. متمسكون بقيم هم أنفسهم لا يفهمونها، فهم متمسكون بها من باب العادة لا أكثر.. متقوقعون لدرجة تجعلهم يبتعدون كل البعد عن كل ما هو غريب عنهم.. كانت نجومي تدور في أفلاك مغايرة تماماً لما أنا عليه اليوم وقلبي يدور حول أقمار لطالما اعتدت البحث طويلاً عن نورها والتمسك به.

كنت أكره كل ما أنا عليه الآن..ولو رأيتني اليوم لكرهتني بل لأشفقت علي كما أشفق أنا اليوم على شخصي القديم. اللاهث وراء الضوء الكاذب.

أخرجني صوته من بحر أفكاري: مابك؟ هل أنت بخير؟ بم تفكرين؟

- بأني أحبك أكثر من أي شيء مضى وأكثر من أي شيء آت.

لمعت عيناه الحلوتان وأفاضتا بابتسامة رقيقة قائلاً: وأنا أيضاً.

واحدة من أكثر الصفات التي أحبها فيه هي أنه يعطي كل إجابة حقها وكل نظرة حقها وكأنها أول نظرة ينظرها إلي وكأنها آخرهن. وأراني أحياناً لا أستطيع أن اخرج كل ذلك الحب من داخلي إلا من خلال أفكاري وابتساماتي الباحثة عن كلام جميل حينما أنظر اليه شاكرة وجوده قربي بنظرة تمتلئ حباً وعرفاناً، نظرة يراها هو مضحكة أحياناً ويقلدها.

لقد تزوجنا منذ أقل من سنة ورغم أني كنت قد قلت مازحة أمام أصدقائي السنة الماضية أني سوف ألتقي بشريك حياتي السنة المقبلة كأنني في تحد مع نفسي إلا أنه لم يكن سوى كلاماً لم يتعد كونه مزاحاً أو لنقل رجاءاً ولم أكن أعلم ان المزاح ذلك سينقلب حقيقة وأني فعلاً سألتقيه كما لو أني قد خططت لذلك مسبقاً.

لنعد إذا إلى ألواني السابقة وشخصيتي المملة التي أحاول البحث عن أجمل مافيها:

أظن أننا كبشر كثيراً ما نتبنى أفكاراً ألقاها غيرنا على اللاوعي خاصتنا حتى ظننا أنها أفكارنا الخاصة. وقد يحدث هذا من خلال القراءة او الاستماع إلى شخص ننظر إليه بإعجاب. وأنا أيضاً فلطالما تبنيت أفكاراً كنت أسمعها ممن لهم أشد التأثير علي أثناء طفولتي.. أفكار وآراء حول ماهية "الإنسان". كيف يجب أن يكون. كيف يجب أن يفكر، أن يتصرف. فأقول للاوعي داخلي : أريد أن أصبح ذلك الإنسان كي أحظى بإعجابهم وقبولهم. إنه إنساناً يبحث دائماً عن الحقيقة لدرجة أنه يشكك بأي شيء يسمعه.. أي شيء مهما كان بسيطاً كحرارة الشمس أو لون السماء عند المغيب . يشكك بأي شيء منطقي فقط، أما الأشياء اللامنطقية فهي أشياؤه المحببة و سرعان ما سيقبلها دون تفكير ويدافع عنها بسكون تارة وبشراسة تارة اخرى معتبراً أن أي فعل غريب لا منطقي ماهو إلا تغريد طائر حر خارج عن السرب (إذا ما شبهنا الناس بالطيور) أو غنمة قررت أخيراً الرعي خارج القطيع (إذا ما شبهناهم بالغنم كما كان أحد اقربائي يحب أن يفعل). ظللت لاحقاً كل سنين مراهقتي وبداية شبابي أركض باحثة عن مخرج يخرجني من طريق الغنم.. عن فضاء أفرد فيه جناحي، فضاء يتوجب عليه أن يكون بعيداً عن بقية السرب أو أرض نورانية تمتلئ بكل عناصر الإثارة واللامنطقية، محفوفة بالتجارب الفريدة التي ستجعلني ابنة عصري وستحررني من القديم البالي. لقد قضيت كل سنين عمري حتى أواخر العقد الثاني منه وأنا أبحث عن تلك الأرض وأحاول أن أتجرد من صوت ما داخلي يقول لي أن المنطق ممكن أن يكون منطقياً .. أيضاً!

في العقد الثاني من عمري كنت أبرع بالخروج والعودة إلى تلك الأرض التي خلقتها لنفسي متى شئت وأبرع بإنشاء علاقات إنسانية متعددة مع كل من أصادفه في طرائقي العديدة المتغايرة المتضاربة. لقد كان مزيج التناقضات الذي أعيشه يغريني بالمزيد من التناقضات حتى بت أجد المنطقي أو اللامتناقض مللاً .. نعم لقد كنت أجد منطقيتي وهدوئي اليوم ضرباً من ضروب انعدام الحياة وبهت ألوانها حينها. لقد كانت تناقضاتي تغري أيضاً الكثير ممن أعرفهم وقد اعتدت على سماع الكثير من تعليقات الإعجاب والتقدير ممن حولي بأني فتاة مختلفة ذات روح غنية حتى اعتدت الإعجاب وبات جزءاً من الرحلة.

منذ سنة نصف مضت تغيرت ملامح رحلتي. فقد استحلت بظرف أشهر قليلة إلى الشخص الذي كنت أغمض عيني رافضة أن انظر إليه ولكني حينما تجرأت لأول مرة على فتحهما، رأيته في المرآة يحدق بي مبتسماً وكأنه لطالما كان هناك منتظراً إياي أن أنتهي من ثوراتي وانفجاراتي لأذهب إليه برضى. لقد كان شخصاً مملاً جميلاً.

إن السنوات العشرين الأولى من حياتي كانت مليئة بكثير مما قد تتوق أية فتاة أو أي شاب في مقتبل العمر في مجتمعنا الوصول إليه سواءاً من دراسة أهواها لأسفار متعددة لاعمال مختلفة داخل وخارج البلاد لانخراط بمجتمعات بعيدة لتجربة الترحال وحيدة والانكباب على هوايات متعددة حتى أنني لفترة ما كنت أهوى تتبع كتب فلك أو التعرف على الكثير من لاديان الأخرى وأُعمل البحث فيها. فقد كنت أبحث ككل مراهق وشاب عن ذاتي بين كل الذوات التي قرأت عنها أوشاهدتها أوتحدثت إليها. وكنت دائماً أنتظر لحظة ما أنتقل فيها إلى إنسان جديد ولّدته أفكاري ومشاهداتي ولم أخف يوماً من المجتمع بنفس الدرجة التي تخاف منها عادة الفتيات في عمري.. إلا أن اللحظة التي تدفع الإنسان لتغيير شامل في حياته ومعتقداته لم تأت يوماً.

واليوم، لا أجدني أندم على يوم قضيته في العقد الماضي من حياتي فقد أوصلني لأن أنتبه إلى قارب النجاة الذي كان تحت قدمي دون أن أراه طيلة سنوات عمري السابقة.. قارب رحمة الله.

أعلم تماماً اليوم كيف ينظر إلي الكثير ممن يتعرفون علي لأول مرة. إن نظرات الإعجاب الأولى التي اعتدت عليها بعد استعراض مواطن الجمال والتناقض فيَّ باتت أمراً من الماضي. لقد استحلت ظاهراً إلى شخص عادي جداً لا يبدو عليه أنه يعلم من تجارب الحياة إلا أقلها مخاطرة وجرأة. فأنا اليوم صبية هادئة ذات حياة مرتبة مستقرة يبدو أنها لم يتسن لها خوض الكثير من التجارب المثيرة في حياتها وهذا ما يظهره هدوؤها في نمط الحياة المتناسق هذا الذي اختارته. أدرك تماماً أني استحلت إلى ذلك الشخص الذي لم أرد يوماً أن أستحيل إليه وأعلم ذلك من نظرات من حولي ولا أحاول حقيقة تغيير تلك الفكرة أو الدفاع عن روحي.

وضعت يدي على بطني لأتحسس الطفلة التي تنمو في أحشائي، تلك الرقيقة التي لازالت تعيش مع الملائكة وتلعب بيديها ظانة أن حياتها حولها هي أول وآخر ما قد يعيشه إنسان. تلك البريئة الحلوة التي تمتلئ نقاءاً وطفولة أكثر من الطفلة التي خبئتها خلف وعيي. تلك التي سرقت عن غفلة مني علبة ألواني وملأت روحها ألواناً براقة وأنا رضيت بالرمادي فقط بكل حب لأخبئ لها كل الجمال الباقي.

ركلتني وأعادتني مرة أخرى من بحر أفكاري ودفعتني لتغيير وضعيتي فقال مرة أخرى: هل أنت حقاً بخير؟

-نعم لقد ركلتني فقط لا أكثر

إن الارتباط به كان أجمل قرار اتخذته في حياتي ويليه قرار (أو نعمة) الحمل. فلا دافع يفوقه يدفع المرأة أن ترضى بتغير شكلها لأقل جمالاً وأكثر سمنةً بكل رضى منها وخاصة من هن مثلي حافظن طيلة السنين السابقة على رشاقتهن وتناسق أجسادهن. واليوم أراه –جسدي- يعرض ويتسع وأنا ولأول مرة في حياتي سعيدة بهذا الاتساع الذي يحمل داخله حياة جديدة وقلباً سينبض برحلة أخرى قد تكون أجمل بكثير من رحلتي.

تثاقل رأسي نتيجة لتعبي الشديد بعد أن باتت أكبر طموحاتي النوم ليلاً بشكل متواصل أو أن يمضي يوم كامل دون أن أشكو فيه تزايد إرهاقي وثقلي.

رغم كل الاستنتاجات والمراحل التي تجاوزتها إلا أني لا أزال أستصعب النوم دون أن أعانق لعبتي الصغيرة والتي هي اليوم عبارة عن كلب عسلي اللون يلبس قميصاً أبيضاً. أبدأ النوم معانقة إياه باحترام إلا أنه سرعان ما يستحيل وسادة أضعها تحت بطني المتمدد وأستغل بكل لاإنسانية نعومته وطراوته. حتى زوجي بات يعرف أهميته لدي ويحرص على وضعه بشكل منسق عند توضيب السرير، قد يراه هو شخصياً أمراً مضحكاً ولكن احترامه لتلك التفاصيل الصغيرة تزيد من حبه في قلبي وأطمئن أن الطفلة داخلي ستحظى بواحد من أروع الآباء في العالم وأرجو أن تستطيع رؤية ذلك كل يوم في حياتها.

إن أحلامي لم تصغر.. ليست هذه الجملة التي سأنهي بها .. وألواني قد تكون موجودة لم تختف وقد أكون لازلت شخصاً ذو روح جذابة ولم أصبح إنساناً مملاً كما قلت واعترفت في السطور السابقة. قد تكون معاييري فقط هي التي تبدلت .

لطالما حاولت أن أكون شخصاً ذو قيمة أعيش حياة مفيدة لغيري وسأظل أسعى لذلك فقط عندما تهدأ صغيرتي وتسمح لي بالنوم وإعادة ترتيب أفكاري وعلبة ألواني.

لقد قال لي احدهم مرة: عندما تشتد عليك المصاعب ما عليك سوى ترك الشراع يبحر بك وحده دون تدخلك. اتركي دفة القيادة واكتفي بالتحديق اليها فقط فهي ستأخدك إلى الطريق المقدر لك. يبدو أن طفلتي الآن تلعب بتلك الدفة.

ولكني اليوم بعد أن ابتعدت مكانياً وعملياً عني بعض أكثر أحلامي جمالاً وأقربها إلى قلبي أجد أني قد أسمح للحياة مرة ثانية أن تقودني لبعض الوقت قبل أن أمسك مرة اخرى بزمامها علّي أستطيع أن أفهم مكاني فيها قبل أن يفوت الأوان فماهو آت مقلق لاشك. ونحن (أنا وشخصي القديم وشخصي الحالي) لا نعلم كيفية التصرف والتحرك فالريشة التي يجب أن أرسم بها حياتي ضاعت مني ولا أعلم متى سأجدها مرة أخرى ولكن، وإلى ذلك الوقت سأضعها (حياتي) لعبة بين يديها ومعطفاً فوق كتفيه وأوقاتاَ خاصة أمارس فيها بعض هواياتي إلى أن يصل بي القارب إلى أرض جديدة سآخذ منها الكثير ولن آخذ منها إلا لأعطيها أكثر مما أخذت.


  • 3

   نشر في 15 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 17 يناير 2020 .

التعليقات

Aalia منذ 8 شهر
كلمات راقية ورائعة.....حفظك الله وتحياتي لك .
3

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا