انتخابات المجالس البلدية والولائية.. وإشكالية النقطة في التعبير أو التغيير أو التعيير. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

انتخابات المجالس البلدية والولائية.. وإشكالية النقطة في التعبير أو التغيير أو التعيير.

أخلقة الانتخابات المحلية

  نشر في 08 يناير 2015 .

بعيدا عن حملة الأمطار وما كشفته من عيوب الطرقات والملاعب، فإننا نعيش منذ الرابع من شهر الثورة نوفمبر الجاري حملة من نوع آخر؛ إنها الحملة الانتخابية للمجالس البلدية والولائية؛ التي لا أتصورها تقلّ أهمية عن أختيها الرئاسية والتشريعية؛ من حيث أن انتخابات مجالس البلدية والولاية تمثل البناء القاعدي للإدارة العامة (السلطة التنفيذية) التي تتعامل بشكل مباشر مع المواطن، ومن ثمّ فإن الحرص على اختيار المترشّحين الحزبيين لهذه المجالس أمر جدّ هام.

ولو استقرأنا مضامين عدد من البرامج السياسية التي طرحتها عديد الأحزاب المترشّحة لحدّ اللحظة من عمر الحملة الانتخابية؛ لوجدنا أنها وإن تعدّدت وتنوعت غير أنها في مجملها تتقاطع في مواضيع معيّنة؛ إلى حدّ ما تجد لها موقعا بين تطلّعات المواطن الجزائري سيما في المجال الاجتماعي، فضلا عن أنها مواضيع كلاسيكية طالما تردّدت في حملات انتخابية شبيهة مضت، حتى وإن حاولت هذه الأحزاب ربط بعض مضامين برامجها تلك بما يحدث من حولنا من حراك شعبي وتغيير سياسي.

وأحب هنا أن نقف سويّة على حقيقة ما تُروّج له أكثر الأحزاب من ضرورة أو حتمية التغيير السياسي في الجزائر، ربما بعد فشل الكثير منها في الوصول إلى قبّة البرلمان أو على الأقل وصولها إليه لكن بمقاعد لا تُسمن ولا تغني من جوع سياسي، وبالتالي عجزها في إحداث التغيير السياسي الذي كانت تُريده وتُخطّط له، خاصة مع ما صار يطرحه مدلول التغيير كمصطلح سياسي – فضلا عن كون فكرة وغاية - من إشكال مفاهيمي أصبح يُشكّل عقبة كؤودا صار من الصعب تجاوز تداعياتها السلبية بل الخطيرة في الواقع الراهن للتغيير.

على كل، لا أريد الخوض فيما وقع أو يقع في بعض البلاد العربية من حراك باسم التغيير بمظاهره السلبية فضلا عن مظاهره الإيجابية، غير أنه من المهمّ أن نتفق على أن حركية التغيير عموما في بُعدها التاريخي لم تكن بدعا من صنع شعوب اليوم، بل هي فكرة وعقيدة وسلوك فطري تتطلبها عدالة الله تعالى كسنة سرمدية أبدية في الحياة العامرة على وجه بسيطة الأرض الفانية بقانون التغيير الإلهي، ومن ثم فإن الحياة الإنسانية قائمة لا محالة على هذا القانون الذي يتطلب التجديد في بعض مشاهدها، ومنها المشهد السياسي الذي لا ننكر أنه لطالما كان مرتعا خصبا لدواعي التغيير.

فالتغيير السياسي كان أحد أهم المشاهد البارزة في البناء المؤسساتي للدول، بل قد مارسه حتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما عكف في مكة المكرّمة قرابة الثلاثة عشر سنة على إعداد القادة السياسيين المساعدين له على إدارة الحكم في دولة الإسلام الفتية المزمع تأسيسها قريبا، حتى عندما دخل صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة مُهاجرا، أحدث تغييرات إستراتيجية هامة بدء من استبدال القيادة الحاكمة التي أصبحت تحت إمرته بمباركة سابقة من أهل المدينة الأنصار (الأوس والخزرج) في بيعة العقبة الثانية.

وبمساعدة ومشورة أتباعه المخلصين من الصحابة المهاجرين والأنصار وآل بيته الأطهار، قام النبي صلى الله عليه وآله سلم بتغييرات إستراتيجية أخرى سواء عن طريق السلم من خلال الدعوة والمعاهدة، أو عن طريق الحرب من خلال تسيير أجناد (جنود) السّريّة والغزوة، ولا ننسى الفتح السياسي الاستراتيجي الذي تحقق يوم فتح مكّة، هذا كله فضلا عن أن التغيير السياسي كان ديدن الصحابة الخلفاء رضي الله تعالى عنهم وسمتهم، بل وديدن من أتى بعدهم من عموم الخلفاء المسلمين، بصرف النظر عن إيجابياته وسلبياته التي حفظتها لنا ذاكرة تاريخ الدولة الإسلامية (التاريخ الإسلامي)؛ من حيث أن التغيير هو صنعة بشرية يجري عليها ما يعتري البشر من نقص وخطل. وجلّ جلاله وحده من لا يعتريه هذا النقص والخطل.

إن إشكالية الفهم غير الصحيح لمدلول التغيير كمصطلح سياسي تلقّفته الأحزاب السياسية في الجزائر من خلال مدلولاته الواقعية الآنية، وصارت تتحجّج به لتبرير ما يصدر منها من تعبير – باء موحدة ثم ياء تحتية - أو حتى تعيير – ياءين تحتيتين - خلال تجمّعاتها الدعائية لشرح برامجها، وذلك كله تحت غطاء الشرعية السياسية للتغيير، والشرعية الدستورية لحرية التعبير.

نعم، لا شك في أن فعل التغيير وحرية التعبير لهما سندهما من شرعية الفعل السياسي والنص الدستوري والقانوني، إلا أنني أتحفّظ شخصيا بخصوص من لا يُميّز بعد بين موضع النقطة في كل من التعبير والتعيير من جهة وبين موضعها في التغيير من جهة أخرى، فهذا هو الإشكال الحقيقي الذي أرى أننا نتخبط فيه اليوم بمناسبة بعض مشاهد الحملة الانتخابية للمجالس البلدية والولائية . فمن وجهة نظري إنّ التعبير وإن كان سبيلا مشروعا لفعل التغيير، إلا أنني لا أجده البتّة غطاء مشروعا لتبرير فعل التعيير.

أنْ نجد أحزابا تدعوا إلى التغيير وتُعبّر عن آليات تحقيقه وتفعليه وتعزيزه فهذا أمر مقبول؛ من حيث أن التغيير السياسي أمرٌ ينشده الجميع وباتفاق الجميع، وأيضا من حيث أنه يخدم مطالب وتطلعات المواطن الجزائري في التجديد بمظاهره السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن ثمّ فإن الأحزاب مدعوة لتكريس التغيير وإنجاحه؛ وذلك من خلال ترقية مضامين برامجها، وقدرتها على إقناع المواطن بالمشاركة في التصويت عليها، أما أن يكون التعبير باسم التغيير سبيلا للتعيير والتشهير فهذا الذي أرى أن تتلافاه بعض الأحزاب السياسية.

إن التراشق السياسي القائم على التعيير والتشهير، هو أبعد ما يكون عن مجرّد التعبير فضلا عن التغيير والتجديد، بل أجده مئنّة واضحة دالة على أن بضاعة هاته الأحزاب – مع احترامي لها – هي بضاعة مزجاة لا ترقى إلى تطلعات الشعب الجزائري، ولا تنشد غاياته، ولا تحقق متطلباته؛ إذ لا يكون التغيير إلا بملازمة التعبير القائم على ما يورث للمواطن قبولا واقتناعا، أما أن يكون سبا وشتما وانتقاصا لمجرد الانتقاص فهذا ما يتنافى مع حقيقة ما نُعبّر عنه من تغيير، وننشده من تعبير.

إذن إن حرية التعبير حق مشروع لأيّ مناضل حزبي، أو فاعل سياسي، ولا يصلح أن يكون شعارا يتزيّا به من شاء كيفما شاء وفي أي وقت شاء. هو حق مشروع، مضبوطٌ أداؤه بنية التغيير لا برغبة التعيير. هذا ما قصدت التنبيه إليه بخصوص من لا يُحسن وضع النقطة في موضعها الصحيح فيختلط عليه مدلول كلّ من التعبير والتغيير والتعيير. هو إشكال كان لابد من إزالة غبشه عن الأذهان حتى لا تعتسف حوله الأفهام، وتزلّ فيه الأقدام، وإن كان ذلك قد وقع بالفعل..

كتبه: عبد المنعم نعيمي.

أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1.

naimi.abdelmounaime@gmail.com



   نشر في 08 يناير 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا