مؤشرات التحولات الاقتصادية نحو الانهيار - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مؤشرات التحولات الاقتصادية نحو الانهيار

  نشر في 16 يوليوز 2018 .

مؤشرات التحولات الاقتصادية نحو الانهيار

هيام فؤاد ضمرة

مرَّرَتْ لي صديقتي وهذا دأبها منذ زمن طويل عبر الايميل عن موقع (موديرن دبلوماسي) مقالة أعتبرها لأهمية ما ورد بها لا يمكن المرور عنها مرّ الكرام، خاصة أنها تأتي من اقتصادي عاصر العمل في إمارة دبي واطلع على طريقة التعامل التجاري داخلها، الذي انقلب من الاعتماد على الدفع المالي المباشر أو الشيكات القابلة للصرف المباشر، إلى اعتماد نظام شيكات الصرف المؤجل على ما هو متوقع أن يتحصل عليه من دفعات الآخرين إليه المؤجلة كذلك.

وهذا ما نسميه في الأردن نظام تلبيس الطرابيش، أي نقل الطربوش من رأس إلى رأس آخر بسبب انحسار السيولة المالية، وهي البادرة التي ما زال يعتمدها رجال الاقتصاد والمال في الأردن لتسرب السيولة المادية إلى خارج البلاد، لأن بلداً لا يعتمد التصنيع في شيء، واقتصاده قائم على الاستهلاك فقط، من الطبيعي أن يصل مرحلة التسرب المالي باتجاه الخارج، في مقابل انغلاق المداخل الكلية للطريق المالي الراجع، ومحاصرة التحويلات المالية البنكية من قبل الجهات الدولية التي تمارس هيمنتها على كافة اقتصاد العالم، والتحكم بالحركات المالية البينية بين الدول على مستوى الحكومات والشركات والأفراد، ووضع معايير قانونية دولية على حركة البضائع عبر الحدود الدولية، وذلك لمقاصد غير خافية على أحد في حصار الدول الشرق أوسطية بالذات، وتسيير قراراتها حسب مصالح لا تبتعد كثيرا عن سياسة استعمارية ضاربة بالمخابثة، هدفها واضح جدا.

المقال يتحدث عن توقع كان حذر منه هذا الاقتصادي المتنبئ لاقتصاد دبي قبل عامين من ظهور ملامح التدهور حسب رؤيته للبيئة الاقتصادية في دبي وتركيبتها المالية، والتركيبة المالية بالطبع ترتبط بالتركيبة الاقتصادية العامة وخطتها الانتاجية إذا ما توفرت، هذا يحدث الآن في دبي بلد الثراء والمشاريع الانشائية الخيالية ورياداتها الأولى، والغريب رغم ذلك ما زالت الخطة الانشائية الاقتصادية فيها تسير بذات الاتجاه دون أي تعديل يذكر، إذن على ماذا تعتمد دبي في خطط اقامة المنشآت، وما العائد منها لبلد بحجم دبي؟

أقول أن هذا بدأ يحدث الآن في بلد المال والثراء في أعقاب تجاوزها لأول بوادر الانهيار الاقتصادي العالمي الذي بدأ بانهيار سوق البورصة العالمي..

إذن ما مصير اقتصاد الأردن بلد الفقر والفاقة، وحاضن المهاجرين المتضررين في دول الجوار؟.. ومثل هذا الحال تعاني منه الأردن منذ عشرات السنين وكانت نكبات دول الجوار تتحول في بعضها إلى روافد لإقواء الاقتصاد الأردني .. لكن مالذي كان يحدث بالمقابل ولماذا هذه السرعة بتسريبات السيولة خارج الحدود؟.. حتى وصل الحال بكثير من الشركات والمحلات أنْ أغلقت مصالحها أو قلصت من حجم أعمالها، وأن هناك شركات استثمارية فضلت ايقاف مشاريع استثماراتها واختارت الانسحاب بعدما أدركها الجفاف وهددتها بوادر الخسارة، فقد تعرض الكثير من المستثمرين إلى سرعة تلمس بوادر الخسارة وآثروا الانسحاب قبل أن تتحول خساراتهم إلى كارثة، وهذا لا يعني أن يكون هناك سيل جارف يسحب في اندفاعه كل شيء، فالحق يقال أن وسط هذا الموج الصاخب من الانهيار الاقتصادي، هناك مصالح ارتفع حجم مبيعاتها وسجلت نسبة ارباح عالية بالقياس لغيرها، لكن هذه المصالح في أغلبها تتعلق بتجارة المواد الغذائية وبعض المطاعم، وشركات الأدوية والتأمين وقطاع تجارة السيارات، والقطاع الطبي والتعليمي، على اعتبار أنها قطاعات تتعلق بحاجات الوجود الانساني الأساسية.. والسؤال بماذا تتوقع الدولة الأردنية أن تواجه انهياراتها الاقتصادية المتلاحقة والمتسارعة؟

ماذا بعد بيع ممتلكات الدولة ومؤسساتها الحيوية.. وإلى ماذا سينتهي مصير الأردن على الموعد القريب؟

أمريكا بلد صناعي عظيم وثري، دفعت حكومتها مئات المليارات حين تعرض اقتصادها للانهيار نتيجة سياسات خاطئة متراكمة في القطاء العقاري، فعمدت إلى شراء الديون الهالكة في السوق العقاري والصناعي، وخفضت الاعفاءات الضريبية على الشركات المتوسطة المنتمية للطبقة الوسطى، فيما رفعت سقف الضمانات للمودعين في البنوك، واتخذت عدة اجراءات منطقية وواقعية لمواجهة الأزمة ومحاصرتها، ساعدت في الحد من توسع الأزمة وخلقت حالة علاجية شافية للمسألة في مدة زمنية قياسية، لأنها دولة تملك صناعات هي بمثابة مفاتيح لغلق تدفق آثار الاختناق الاقتصادي والحد من توسع حفرة الانهيار.

فماذا كان رد فعل الحكومة الأردنية نحو ميزانيتها المنهوبة في مواجهة ديونها وليس نتيجة سياسات اقتصادية خاطئة من قبل بنوكها أو مؤسساتها العقارية، بل انهيار نتيجة سياسات إدارية حكومية لم تستطع ضبط انفاقاتها غير المنطقية، وسوء مراقبتها للهدر المالي دون رقيب، وتغول فئة اتفقت فيما بينها على الدوران على مقاعد التحكم بالسلطة وصناعات القرار.. هرعت الحكومة حينها إلى جيب المواطن الفقير والمعدم تنقب في ثناياه عن المال وكأنها في غفلة عن حال المواطن لتطالبه بما فوق طاقته حتى كادت أن تنفذ إلى عظامه لولا أن انتفض لحق كرامة عيشه.

شتان بين انهيار اقتصادي في دولة صناعية كل ما تحتاجه هو اعطائها جرعة دماء محدودة لتعاود وقوفها والاندفاع قدماً بصناعتها، واتخاذ قوانين داخلية تحمي حقوق صناعاتها وعقد اتفاقيات دولية تيسر لها تصريف صناعتها إلى أسواق العالم..

وبين انهيار دول فقيرة المداخيل لا تملك حتى خطط سليمة في محاولة الاصلاح المبكر قبل تفاقم المشكلة، وتتجه الاتجاه الخاطئ في سبل الاصلاح الاقتصادي، وهنا يجعل انهيارها حالة من التذاوب والتلاشي الخطير، الأمر الذي يعرض سلامتها وسلامة الوطن وسلامة شعبها إلى الخطر.

المواطن الأردني كان يتساءل أمام نظام الخصخصة وأموالها المنهوبة، هل في بيع الحكومات ممتلكات خدماتها ووقف أكبر مداخيل لها من خدمات مؤسساتها يمكن اعتباره خطة سليمة في المواجهة؟

إذن لماذا لم تتجه هذه الدول للتصنيع على غرار ما فعلت السويد والدانمرك وغيرها؟ وتحولت إلى عملية استنزاف أموال خزينتها في الشؤون العقارية الترفيهية والمعروف أن عمر العقار وصلاحيته محدودة.

مصر بدأت بداية رائعة في التصنيع المدني والحربي... لماذا إذن انتهى أمر التصنيع عندها بعد فترة زمنية وجيزة حتى توقفت تماما وبدأ عهد انطفائها يطفو على السطح.. من وراء هذا الدفع الواضح نحو الانهيار الحضاري بالانهيار الاقتصادي؟

الجزائر اليوم تعاني بوادر التدهور الاقتصادي بشكل واضح وفشلت خطط خفض الانفاق التي اعتمدتها، واحتياطها من النقد يتآكل بصورة متسارعة، وايراداتها النفطية هبطت هبوطا خطيراً مع هبوط سعر برميل النفط إلى الثلت، وإذا ما استمر الحال على ذي الحال من المؤكد أنها ستجد نفسها في مأزق خطير هي الأخرى.

والدول النفطية الخليجية جميعها تم التلاعب بها وخلق بعبع ايران في محيطها، لتستهلك أموال خزينتها في شراء السلاح بأسعار أسطورية كان بأمكانها أن تسد فيها كل ديون العرب من الخليج إلى المحيط وتشغل أقوى الصناعات لو أنها فقط خططت بالصورة الصحيحة، ثم إن ادخالها في جبهات لا تعنيها وليس لها بها مصالح لتستنزف مال خزائنها ويتبخر احتياطها مما يحشرها هي الأخرى في عنق الزجاجة الضيق.

دولتا سوريا والعراق انتهى أمر بنيتهما الاقتصادية التي ابتنتاها على الاكتفاء الذاتي وكان يمكن أن تكونا نموذجا للنجاح لولا خبث الخبيثين وتخريباتهم الشيطانة، فآل مصيرهما للدمار.

المغرب العربي رغم اتساع رقعته وتنوع بيئته واطلالته البحرية والمحيطية وتدفق الانهار والينابيع وشلالات المياه من الثلوج فوق المرتفعات الجبلية الشاهقة، وخصب التربة وغناها بالمواد الخام فهي الأخرى تقف مشلولة أم تدهورها الاقتصادي، وزيادة نسبة البطالة، وزيادات معدل الفقر المدقع.

للأسف كثيرة هي الأصوات العربية التي دقت ناقوس الخطر المبكر من أن دول الوطن العربي بأكمله تشرف على الانهيار الاقتصادي المقبل بعد الانهيار السياسي والأمني الذي طال عدد كبير من دول العرب، ونبهوا الجهات المعنية من أن الوضع الاقتصادي في الوطن العربي يسير حثيثاً نحو التدهور، وأن هناك دول تقف على شفا السقوط النهائي، وقد توقفت معدلات النمو فيها مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى التآكل الذاتي حتى الذوبان الأخير، ولا يعلم بعد ذلك لأي مصير ستؤول دول العرب واحدة بعد الأخرى.

لست أضع هنا ملامح الفشل وخطورته التي تحاول إخفاءه العديد من الدول العربية لأضعكم بالصورة الكئيبة للحالة العربية العامة فأحبطكم، لكني أريد متابعة قرع الجرس الذي قرعه غيري لعقد قم عربية اقتصادية متتابعة ووضع خطط وتشكيل لجان مشتركة لمتابعتها والتأكد من نجاحها ليكونوا بالكفاءة المناسبة ليتخذوا الخطط البديلة للانقاذ، وعلى جامعة الدول العربية أن تضطلع بدورها الرئيسي في أن تشكل شبكة عربية اقتصادية مهمتها رصد الحالة وإنشاء صندوق طوارئ عربي للدعم، وفتح الحدود بين الدول العربية ورفع القيود الموضوعة على حركة الأفراد البينية وحركة التجارة البينية، ووضع دراسات واضحة ومنهجية لاستغلال الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل وفتح مشاريع منتجة على المدى الطويل، وتخفيض الاستيراد، وعقد الشراكة بين القطاعين الخاص والعام بانضباط وضمن قوانين صارمة، وتخفيف القيود على الاستثمار ووضع قوانين تيسر على المستثمرين عملهم وتجعلهم ضمن دوري الفائد والمستفيد، وبالطبع توفير المظلة الأمنية وتكريس الإرادة السياسية بين الدول العربية كافة لانشاء اقتصاد عربي مشترك ومتكامل يعتمد الميزات النسبية والتنافسية لضمان الجودة، وتوفير اسواق عالمية للمنتجات وعقد الاتفاقيات التجارية التبادلية ومتابعتها بصورة مستمرة للتأكد من تطبيقها على الوجه الصحيح.

ولا أريد التعدي على دور خبراء الاقتصاد فلست أدعي الفهم في ما ليس من اختصاصي، فهم بذلك أدرى وأقدر وأعلم، ولكن هناك حاجة لمن يبادر منهم في تعليق الجرس وبدء العمل بصورة جدية وبخطط ابداعية مبتكرة لا تعتمد التقليد في كليتها وتعمل ضمن استراتيجيات محسوبة بكل درجاتها.



  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 16 يوليوز 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا