لعنةُ السّيميولوجيا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لعنةُ السّيميولوجيا

  نشر في 11 غشت 2016 .

السّيميولوجيا .. لم أكن أدري حين سمعت بهذا الاسم لأوّل مرّة في حياتي أنّه سيكون قدري ولعنتي التي ستلاحقني حتّى الرّمق الأخير من حياتي الأكاديميّة ، إذ بعد أن تورّطت في قراءة روايات دان براون المغموسة في عالم الرّموز والتأويلات والعلامات، تعرّفت على السيميولوجيا في السّنة الأولى جامعي ودرست عنها في السّنة الثانيّة ودرستها في الثّالثة، ثمّ تفصّلت في دراستها خلال السّنة الأولى ماستر وكانت موضوع مذكّرة تخرّجي في السّنة النّهائيّة ، ثمّ وجدتّني متورّطة فيها مرّة أخرى خلال سنوات الصحافة الثلاث، ولولا لطف اللّه لكانت موضوع مذكّرة التخرّج في الصّحافة أيضا !

حينما تُبتلى بالسّميولوجيا كتخصص أو كاهتمام على هذا النّحو من الإمعان فهذا يعني أنّك ستغرق في حمى التأويلات اللا متناهية، ستتقاذفك الإيحاءات الجموحة يُمنة ويسرة، وستعيش مع جحيم احتمالات الدّلالة في بؤس أبديّ، فإذا تلقّفك نصّ وجدتّ نفسك تلقائيا تفتّش عمّا وراء الكلمات، ترفع الأسطر لتطلّ على ما ترسّب بينها وما اختبأ فوقها وتحتها غير عابئ بملل المعنى الأوّل، تمضي بريب بين العبارات وتتفقّدها حرفا حرفا بحثا عن دلالة شاردة شذّت عن سياقها فباحت عن غير قصد بما خفي ، تندسّ بإلحاح بين الحرف وكاتبه حيث يدوّخك الحرف بوجوهه الألف، وستعرف الوجوه الألف رغما عنك ، فأنت بالسيميولوجيا لم تعد سوى مجرّد مفتاح يلج إلى مقصد الكاتب ويخرج منه بلا استئذان محمّلا بذنب التّأويل وخطيئة الفهم وأكوام كبيرة من الأسرار المهرّبة.

مع السّميولوجيا ستثقل كاهل المعاني فتحملها مالا تحتمل ، وبها ستثقلك الإيحاءات بتقافزها المستفزّ، وفيها ستحترق بجحيم الفهم العميق حين تحتار بين رمضاء ونار: أتكتم فتهلك أم تواجه براية المعنى المختبئ فيقمعونك براية المعنى الظاهر؟!

مأساتي الأكبر مع السّيميولوجيا أنّي وجدتّني أنتقل من رؤى ونماذج يلمسليف و وكريستيفا، بيرتو ، بارث، فلوش، إيكو وأودان وغيرهم، ومن سيميولوجيا النصّ والصّورة ، والسيمياء التداولية والسينمائيّة ، إلى نظريّات " الكلام لجارتي والمعنى على كنتي" و "يضرب الراشي يطلع الصحيح" أين أختنق بذكاء التلميح وخُبث التعريض الذي لا يرحم..!

سئمتها..فما عاد يغريني منها بلاغة الأيقونة ولا منطقية المؤشّر ولا حتّى جبروت الرّمز بسحره وغموضه، وماعدت أطيق حشر روحي في مثلث بيرس ولا بسطها على مخطّط ياكوبسون ، ماعاد يهمّني استنطاق الألوان ببوحها المرتبك المتردّد ولا مغازلة الصّور من على مقصلة التّعيين والتّضمين.. سأنسلخ عنها وأكتفي منها بسريالية البوح وجماليّة السريالية.. أمّا عذابات التأويل فلتذهب إلى الجحيم ..!


  • 2

   نشر في 11 غشت 2016 .

التعليقات

أنس القاسم منذ 3 سنة
كلام جميل وفقك الله
1
فاطمة بولعنان
آمين واياكم
عمرو يسري منذ 3 سنة
صحيح الدراسة العلمية تغيّر نظرة الفرد للأشياء , اذكر أول محاضرة لي في الهندسة أخبرنا الدكتور أن نظرتنا ستختلف للأمور بعد ذلك فبدلاً من أن تستمتع بالجمال المعماري للأبنية ستجد نفسك بشكل لا إرادي تفكّر في النظام الإنشائي الذي تم إستخدامه لإنشاء هذا المبنى , و قد كان :)
موضوع شائق , بالتوفيق .
1
فاطمة بولعنان
تماما.. وما أشبه هندسة الأبنية بهندسة المعاني.. هذه من تلك السيميولوجيا ابنة شرعية للبنيوية..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا