عقلية الكومبارس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عقلية الكومبارس

  نشر في 09 أكتوبر 2018 .

أتذكر قبل سنوات شعور وانفعالات (م.ب) وهو يستعرض صوراً لمشاركته ككومبارس بإحدى الأفلام الأجنبية المصورة بمدينة ورزازات؛ انبهاره بالممثلين الأجانب واستحسان لظروف العمل معهم، وأمنيات بالهجرة لأوروبا، تقدّم مرات ومرات ولم يوفق، قبل ان يساعده أحد أفراد العائلة، ليلتحق بإيطاليا، تم بفرنسا أجيرا، كخباز مبتدئ بلا توقيت محدد ليل نهارا مع إجازة قصيرة كل عام. هذه الايام عاد بعد غياب طويل نسبيا، انشغل بمشاريعه بباريس، أرفق هذه العودة باستعراض لعضلاته من سيارته الجديدة وتلويحه بكارط فيزيت في وجوه مستقبليه، ليظهر كمن يلعب دوراً يصعب عليه إتقانه، أضحك في سري فأقول، "عقلية الكومبارس" لم تفارقه !

تذكرت أخر أيامه قبل الوداع لأول مرة صوب طنجة قبل حوالي عشر سنوات، فكثيرة هي الهواجس التي تحوم بذهنه قبل المغادرة صوب ما وراء الأطلسي، لقد كانت الفكرة تؤرقه؛ بمبرر عائلته التي سيتركها ومنطلق صعوبة الاندماج ببلد المهجر، غير أن عوامل أخرى تغريه. وفي مكالمات مطولة بعد وصوله، كلها استفسارات وحنين واشواق الى البلد، وتعجب واستغراب من مقدار الاختلافات بيننا وبين الاوروبيين. وكان همه الاساسي في بداية كل مكالمة الاستفسار عن حجم التحولات بالبلد وعهدي به ان يسأل عن المواليد ويعلم بكل الوفيات، وقد لقبته سرا سيارة الاسعاف، إذ ان اخبار الوفيات تنقل اليه، فيوزعها في مكالمات عاجلة على افراد العائلة.

(م.ب) من مواليد برج العذراء، وان كنت ثقافتي بالأبراج قليلة بها، فقد وجدت خصائص لمواليده، فيعتبرون متوترون وقلقون، وسفسطائيين بالفطرة، ويميلون للتمسك بالعادات والتقاليد وكثيرو النقد، قد لا تنطبق كل هذه الصفات على مواليد البرج، الا انها تقدم صورة عامة عنه وتنطبق عليه، فكما تفسر كل تصرفاته، أجزم انها تلخص اصراره على اتقان دور الكومبارس.

في كل صيف، تسبقه اخبار رحلة عودته، أما هو فيتصنع مفاجأتنا، لمحته بداية الصيف قادما، هيئته لم تتغير، طول قامته لم تكسرها سنوات الغربة، وإن تغيرت ملامح وجهه قليلا، أما ملابسه فكما هي شأنها شأن عادته ومشيته، يقترب ببطء، وللمفاجأة، حتى كلماته وابتسامته المتقطعة لم تتغير، كما نصائحه ومواعظه الدينية، والتي ترتبط بتلك السنوات التي قضاها بكتاب بلدته في طفولته ، قبل هروبه من استكمال حفظه للقران بحثا عن فرصة عمل بإحدى المدن. تلك الهواجس والتخوفات السابقة تبخرت، فها هو اليوم قد تغير بشهادة الجميع، كبيرهم كما الصغار، فغروره زاد عن حده، وانتقاداته لكل صغيرة وكبيرة في بلده ومجتمعه صارت هاجسه الوحيد، وامتحاناته اللغوية تضاعفت، وسخريته السمجة تعمقت.

كنا نسلك طريقا مختصرة لأقرب مقهى، وكانت أحاديثه القديمة الجديدة تتوالى وتساؤلاته تتكاثر عن أخبار العائلة مستفسرا عن كل صغيرة وكبيرة. وفي المقهى، التحق بنا صديق مشترك، والاسئلة تتواصل كعادته، وكي اقطع ماكينة الأسئلة، انتقلت للسؤال عن الاوضاع بفرنسا وبأوروبا بعد وصول ماكرون للحكم ومعاداة المهاجرين بعد النقاش الأوربي حول الهجرة بالمتوسطي وصعود اليمين المتطرف، واستمر النقاش المتبادل على عموميته.

وعن احواله، يؤكد لنا أن وضعيته تحسنت، فقد طوّر مشروعا تجاريا مع بعض رفاقه، وسيؤهله ذلك لإمكانية إرسال تأشيرة الهجرة بضمانته، وهي النقطة التي استغلها مُقدما وعودا بالتسفير لبعض أفراد عائلته. وتجاذبنا أطراف الحديث حوال طبيعة مشروعه وتقدمه، وانطلق يُعدد مزايا العمل والأجر المرتفع والنظام والعمل الجاد والمتقن ... ليختتم كلامه بما لا يدع مجالا للشك بجملة إعتراضية، لا ازال مندهشا من توقيتها ومغزاها، فحواها أن الاستقرار بأرض الوطن فرصة يحسدنا عليها، ونعمة لا تقدر بثمن، وكنصيحة مجانية يؤكد لنا ان الاستثمار والبقاء ببلدنا أفضل، لان اوروبا لم تعد كما كانت، ربما بالنسبة لنا، إذ في معرضه حديثه، يفصح لنا عن نيته إلحاق عائلته به، وأسفه لقصر عطلته الصيفية!

وانا استمع لحججه ودفاعه، لا زلت أقف عاجزا عن فهم عقلية هذا المهاجر العائد، إذ تتغير نبرات كلامه كلما فاتحناه في موضوع الالتحاق به ونية الهجرة، وتتواتر في ألسنة كل العائدين مع استثناءات قليلة سمفونية واحدة محورها تخويف من الهجرة، وتفسيري الوحيد لهذه الكلمات أنها ربما ترتبط بتخوفات من الارتقاء المادي والمنافسة ببلد الهجرة، أو بتخوف من كشف حقيقتهم ببلدان الغربة وحقيقة حياتهم هناك.

كانت أخر الأسئلة من صديقنا المشترك عن باريس الثقافية والسياسية، وكنت متيقنا أنه لا يملك أجوبة لها، فكيف سيحدثه عن مدينة يسكنها جسدا لا روحا، وعن مجتمع لم يندمج في منظومته، وعن ثقافة وسياسة لا يعيها ولا يصدقها. فكل أيامه تختزل في العمل ومشاكله، وفضاءات عربية داخل العمل وسط محيط مغاربي بلغة عربية. وكما توقعت، فقد تراوحت أجوبته بين كليشيهات متناقلة عن الحياة الباريسية وبين ما ينقله الاعلام عنها أو ما نعرفه عنها. فبين رؤيته المتحفظة والمحتفظة بأحاديث لا طائل من ورائها، ومن حيث لا يدري فهذا الغزل لباريس يجعله يبدو بمظهر الغبي، إنه يتجاهل أن التكنولوجيا قربت الكثير، حتى غذونا نعرف عنها أكثر ما يعرف، كما أن وسائل التواصل تنقل العالم بين ايدينا.

نتحرك عائدين لمنازلنا، سيستعرض صديقنا إحدى أوراقه، سيتكلف بدفع فاتورة جرعات القهوة التي احتسيناها، تم سيعقب بورقة تلية سيعرض توصيله مجانية على سيارته التي تحمل ترقيما فرنسيا، أكيد أنه اختار هذه السيارة بانتقائية شديدة لاستعراض عضلاته.

أعتقد وأتمنى أن أكون مخطئا، أن شخصية العائد شخصية مركبة يصعب استيعابها؛ فأفكاره مزيج من الانبهار بالثقافة الغربية ضدا على ثقافة بلده، لكنه ما يلبث أن يحكم على الأولى بالخراب مستحضرا ثقافة بلده، ومن جهة ثانية، يتحرك بمشروعية الأخلاق والنصائح والكلام الموزون، وصفها أحدهم بأنها بمثابة "صكوك غفران" يوزعها يمنة ويسرة. وأخيرا، محظوظ من يُوفق في امتحانه اللغوي، عن مسميات الأشياء المستعصية بالفرنسية (شجرة أركان، الرحى، الفروسية ... )، هذا الامتحان يؤهله ليتباهى بلغته الفرنسية، وإن كان لا يحسن نطق كلماتها وصياغة جملة سليمة بها، هذا الامتحان اللغوي جاء ليعوض امتحاناته السابقة قبل هجرته للأطفال باستعراض سورة الكافرون.

وانا مستغرق في تأمل حكايته، فقد استحضرت حكاية جدي والتي تلخص حصيلة المسارات النهائية للعائدين ومكاسبهم من المهجر، وتصنف الحكاية العائدين لثلاثة أصناف: عاد الجيل الأول وفي جعبته العملة الصعبة فانطلق بمشاريع واستثمارات ببلده، أما الجيل الثاني، فكان حظه أقل بكثير، ويعود بسيارات محملة بملابس وأواني وتقنيات الكترونية ...، أما الجيل الثالث، فانخفضت رساميله، وكل ما كسبه في رحلة عودته؛ العادات والتقاليد الاوروبية، حكاية ظلت عالقة بذهني، قالها جدي مند سنوات وودع هذه الحياة، ولم يُكتب له أن يعايش الجيل الرابع، فحصيلته هزيلة لا تتعدى كلامه عن الأمجاد وحكاية أوروبا الدولة والمجتمع، ولوم كثير لبلده. صديقنا يصنف في الجيل الأخير، فلا ريب أن تختزل عائداته في كلمات وأمجاد وحكايات أوروبا ولوم كثير لأبناء بلاده.

أتسأل مستغربا، هل هي نقمة أم نعمة تلك العادات التي ينقلها صديقنا من بلد المهجر، سيارته الفخمة مقابل سفرياته القليلة، لباسه الأوروبي مقبل سذاجته في تنسيقها، هداياه المنتقاة شكولاطه وفستق وقارورة عطر الريفدورالباريسية التي لا تُودّع منازلنا لسنوات، تُمنح هدية من العائد وتهمل في زاوية ببساطة لتُلحق بها قارورة اخرى في السنة المقبلة، ببساطة لأن لا أحد يستعملها، وما سر نقمة العائد من حياته السابقة ومسيرته قبل الهجرة، واستغرابه لمسيرة بلدته وأهلها، وعن وعي هذا المهاجر بالتخريب الذي يقوم به بتحطيمه لأحلام الأطفال والشباب بسخريته واستهزائه بتعليمهم ومستواهم ومستقبلهم.

لست في معرض التعميم، إذ ثمة نماذج أخرى من المهاجرين العائدين، نفتخر بهجرتهم كما بعودتهم، أما صديقنا، فيتخبط في محاولاته لإتقان دوره، وبينما هو يؤدي أخر حركاته، نسمع صوتا شديا يصدح من مذياع سيارته؛ انت إيه...؟، سؤال المطربة يلخص كل الحكاية.



   نشر في 09 أكتوبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا