نحن: بين عالمين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نحن: بين عالمين

  نشر في 13 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

فراس حامد نويران الخوالدة*

عندما نتصفح الفيس بوك وتويتر والواتس أب، وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر لنا على الفور ذلك التناقض الكبير والبون الواسع بين عالمنا الحقيقي وعالمنا الافتراضي، ففي هذا العالم نجد مجتمعا" مثاليا" ومبدعا" وعمليا" بكل معنى الكلمة، الجميع يتقيد بقيم الإسلام، الجميع يهتم بمشاعر الآخرين ويسارع إلى مجاملتهم ومشاركتهم آمالهم وآلامهم، الجميع حريص على الشأن العام ويشعر بالغيرة الحارقة تجاهه، الجميع ينهل بحماس من ينابيع الثقافة، وذلك على النقيض تماما"، في أكثر الأحوال، مما عليه الوضع في عالمنا الحقيقي، حيث السلبية واللامبالاة تفرض نفسها على كل شيء، وحيث يسود الحسد والحقد والأنانية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هو السبب وراء هذا التناقض البغيض والمؤلم؟ ألأن طبيعة التفاعل المفتوح عبر تلك المواقع تفرض على كل منا الظهور في أحسن صورة، تماما" مثلما يقوم أحدهم بتصوير (المنسف) العتيد الذي قامت زوجته بإعداده، بينما يتجنب الإشارة إلى (قلاية) البندورة التي تسببت بحرقها عندما نسيتها على النار بعد أن أشغلتها إحدى صولاتها وجولاتها عبر الواتس أب؟ أم لأن إبداء المشاعر النبيلة والمواقف الجريئة عبر الإنترنت لا يكلف صاحبه شيئا"؟ أم لأن في دخيلة كل منا رغبة مدفونة تحت مباذل هذه الدنيا وزخارفها بأن يكون الإنسان مثاليا" كما أراد له ربه عز وجل؟ ويا ترى، ما هو شعور ذلك الشاب الذي يأتي من سهرة ماجنة وينبطح بتثاقل على سريره، ثم يرسل إلى عشرات من الناس خاطرة مؤثرة عن تقوى الله تعالى؟ وما الذي يفكر فيه ذلك الموظف المرتشي وهو يتباكى عبر الفيس بوك على زمن عمر بن الخطاب؟

لكن السؤال الأهم في هذا المقام: إلى أين سينتهي بنا هذا العالم الافتراضي الجميل؟ هل سيبقى افتراضيا" إلى الأبد، بل ويساهم في شيوع ظواهر النفاق والرياء وحب الظهور بين الناس؟ أم سيبث شيئا" من شذاه إلى عالمنا الحقيقي؟ وبعبارة أخرى، هل سيساهم العالم الافتراضي في إصلاح عالمنا الحقيقي، بعد أن دمره الجهل والانحراف عبر أجيال طويلة؟

لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال الكبير تتطلب في البداية دراسة عميقة ومسحا" شاملا"، بأسلوب علمي، لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي؛ لكي نستطيع أن نحدد إن كان استخدام هذه الوسائل يتجه، في مجمله، نحو الإصلاح أم باتجاه المزيد من التحلل الخلقي والتفسخ الاجتماعي، ومن المؤكد أن ذلك سيكون في مقدور أي باحث صبور ونشيط، وذلك اعتمادا" على مصادر بيانات كمية ونوعية، وقد صدرت بالفعل بعض الدراسات حول هذا المجال، غير أن الصعوبة في نهاية الأمر تكمن في معرفة إن كانت هذه الوسائل ستساهم فعلا" في إصلاح الإنسان والمجتمع أم لا؛ لأن تبادل المنشورات عبر الفيس بوك والواتس أب حول بر الوالدين وصلة الأرحام لا يعني أن المجتمع سيصبح حتما" أكثر التزاما" بهاتين الفضيلتين العظيمتين، أضف إلى ذلك أن الإنترنت، بكل ما يوفره من إمكانيات في التربية والتعليم، لا يمكنه وحده أن يكون سببا" وراء إصلاح المجتمع وصناعة الإنسان.

وبالتالي فإن علينا أن ننتظر جيلا" أو جيلين لنعرف التأثير الحقيقي لهذه الوسائل على المسار العام لمجتمعنا، وبانتظار ذلك ينبغي العمل، على صعيد الأفراد والجماعات والمؤسسات، على ضمان أن يكون هذا التأثير إيجابيا" وصالحا".

* ماجستير دراسات السلام وفض النزاعات/ الجامعة الهاشمية/ الأردن. 


  • 1

  • فراس الخوالدة
    موظف حكومي ماجستير دراسات السلام وفض النزاعات بكالوريوس تاريخ
   نشر في 13 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا