زهرة صفراء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زهرة صفراء

  نشر في 27 نونبر 2018 .

أشم رائحة المطر المختلطة بالأرض والحشائش، فهي تمطر بغزارة هذه الأيام، فتحيلني الرائحة دوما، دوماً صدقّيني الى طفولتي في صحراء الخليج. فبرغم ندرة الأمطار هناك، إلّا أنّه في سنة ما، هطلت الأمطار دون توقف لمدة أسبوع كامل، كانت الرمال تشرب وتنكر، والجبال وكأنها أطفالاً تحتمل تقريع السماء وتوبيخها الممطر بالكاد، فبعد يومين أو ثلاث انفجر هؤلاء الأطفال في بكاء محموم في هيئة سيول عارمة تفيض من القمم، فأطاحت بالطرق والأسفلت والمباني التي في طريقها. ويوما ما صعدنا جبل من الباكيين هؤلاء أنا وأبي وأخي، نتحرى دروب الصعود وتجاورنا شلالات السيل. كانت رائحة اختلاط المطر بالتراب واضحة تماماً. يمتزج المشهد بالرائحة، وبنبتة صبّار صغيرة، رأيتها بجوار الشلاّل يومها. نبتة صبار جميلة جداّ، في أعلاها زهرة صفراء. تحيلني الرائحة حتى الآن الى ذلك المشهد. بكاء الجبل الجبار، صبارة وزهرة.

ولكن، ولكي أكون صادقاً، أنا لست متيقناً تماماً من وجود تلك الزهرة!

الماضي لا يموت، يتوازى معنا، يعيش فينا، يثبت حيويته بتلك الوسائل، رائحة تعيدك لمكان ما، أو أغنية تنقلك لزمن آخر سمعتها فيها. يضحك الماضي من إنكارنا إياه، فيقذفنا بين دروبه بإستهانة ليثبت جبروته.

آثارك في أشياء كثيرة، صورة لنا في جاليري المحمول، هدية لك كنت أدخّرها في دولابي لوقت مناسب، أو كتاب أهديتني إياه. لايكتفي الماضي ببعث نفسه بإستخدام الآثار، ولكن المخيلة تتحد معه أيضا وتدخل في اللعبة بحماس طفولي.

(أنا وأنت متجاورين في المطبخ، أمامنا رخامة تبعثرت فيها ألوان الخُضَر، تأمريني بصرامة أن ألتزام بدروسك التعليمية في التقطيع وانا أضحك واقول "حاضر.. حاضر" صاغراً. وراء ظهورنا كلب صغير يروح ويجيئ فنرمي له بإهمال قطع من الطعام)

تلك الصورة الأقوى، تلك الاستعارة الخيالية الحاضرة في ذهني دوماً. لم تحدث، ولكنها تجري كل يوم في عقلي.

يحذرنا ميلان كونديرا في روايته (كائن لا تحتمل خفته) من خطورة الاستعارات. قضت (تريزا) ليلتها عند (توماس) بسبب إصابتها بالحمى، ليلة واحدة فقط بجواره، وفي الصباح رأى توماس تورد وجهها، قبضة كف يدها على أصبعه الأصغر، فأطلقت الفتاة، دون قصد، خيال توماس من عقاله، فرآها توماس، وقال في نفسه (هي ليست عشيقة ولا زوجة، بل طفل أخرجته ووضعته على حافة سريري) .. الاستعارات شئ خطير، لا يمكننا ان نمزح مع الاستعارات، فالحب قد يولد من استعارة واحدة!

هكذا هي قوة الخيال.. فمبالِك بمزجه مع ماضٍ مازال يتنفّس؟

ديفيد هيوم، ذلك الفيلسوف الانجليزي الذي زلزل مفهومي للذات، ضرب أصالة تصوراتنا في مقتل، كل تصوراتنا. عندما تتصورين سوبر مان يا عزيزتي، فذلك محض تركيب، خبرتك من الماضي تدرك معنى الطيور ومعنى الرجل، فتدمجهم سوياً لخلق تلك الصورة. كل تصور، هو ماض مازال يعيش ومخيلة تدمج.

وقفتنا سوياً ونحن نطبخ، كلبنا الذي يلعب خلفنا، هو مشهد قد رأيته في فيلم ما ربما، ودمجته معك أنت، "حاضر حاضر" التي قلتلها صاغراً تشبه ما أقوله لكِ عندما تشددين عليّ للإنتباه ونحن نعبر الشارع سوياً. وتلك لُعبة خطيرة، لعبة الدمج، وجميلة أيضاً. وتجعلني أفتقدك أكثر وأكثر.

(أنا وأنت نطهو حساءاً دافئا في شتاء العالم البارد ومعنا كلبنا) تلك استعارة ليست خطيرة فقط يا جميلة، إنها تقتل!

أما بقية الخيال يا عزيزتي فيتوالى، ويستمر الدمج، يتوالى من قصصك أنت، من معاناتك، مما رأيتيه في عالم قسى عليك فيه كثيرون، فيخرج خيالي متحداً مع ماضي الحكاية نفسها، فأرى نفسي في قصة أدافع عنك ضد قريب قاس، ممسكاً قبضة يده قبل أن تمتد على وجنتيك، تارة أرى نفسي أصرخ في وجه موظفة متنعتة كنتي تريدين ختم منها لتخريجك من ضائقة مالية ما. أرى نفسي أهزم كل هذا الشر، وأنير تلك العتمة. سوبرمان يخصّك أنت وحدك.

من يومين كنت أتحدث مع صديقتي، ألعن لها الخيال، أقول أنه يمد الخطوط لنهاياتها، من خط لهيب الفقد يخلق جحيماً لا يطاق، فتقول وكذلك يخلق جنة، أقول لا ريد جنة الآن، أريد حماية من النار. ثم أهدأ، وأتذكر وأنا سائر في الطريق ورائحة التراب مختلطة بالمطر، أني أفضّل وجود الزهرة الصفراء في المشهد، حتى ولو كانت تلك الزهرة خيالاً مدّ خط الجمال على استقامته.


  • 3

   نشر في 27 نونبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا