عبد الصمد الديالمي و الإنتقال الجنسي في المغرب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عبد الصمد الديالمي و الإنتقال الجنسي في المغرب

  نشر في 01 يوليوز 2017 .


   قليلة هي الكتب التي تتحدث عن "الجنس" في العالم العربي ، كما يعدون على رؤوس الأصابع المفكرين الذين انتدبوا أنفسهم للدفاع عن الحقوق الجنسية بشكل علمي ، لعل أبرزهم هو عالم الاجتماع المغربي "عبد الصمد الديالمي" الذي يعتبر كتابيه "سوسيولوجية الجنسانية العربية" و "الانتقال الجنسي في المغرب: نحو الحق في الجنس" أحد أهم المراجع التابثة ي هذا التخصص ، و هما حصيلة مشروع علمي ضخم ، دام لأكثر من ثلاثين سنة حول الدين والجنس و الجندرة بالمجتمع العربي عموما و المغربي صوصا ، سنهتم في هذه المراجعة بكتابه الثاني (الانتقال الجنسي في المغرب) الذي أجده بلورة لنظرية حول «الانتقال الجنسي» ، كثاني نظرية سوسيولوجية و علمية حول المجتمع المغربي بعد نظرية المجتمع المزيج للراحل "بول باسكون ".

  يقع الكتاب في 249 صفحة من المستوى الكبير ، يضم 41 حواراً ومقالاً منشورة بين سنوات 2000 و 2015 ، كما يجمع في الآن نفسه بين أربعة مستويات: مقالات نظرية، حوارات صحفية، دراسات ميدانية ثم اعترافات عن تجربة الباحث الاجتماعية و الشخصية و الأكاديمية خلال 30 سنة من البحث و الدراسة و النضال من أجل "مجتمع إسلام" حداثي ديمقراطي وعلماني . رغم تركيز الكاتب على إبراز المعالم الكبرى لمشروعه العلمي حول الجنس والجنسانية بالمجتمع المغربي ، إلا أننا نجد حضوراً قوياً للنقاش حول مستقبل المجتمع المغربي ، أي ربط مصير المجتمع برهان الانخراط في مسلسل المدنية الجنسانية ، الأمر الذي يطرح الكثير من الأسئلة حول العلاقة بين المسألة السوسيولوجية و القضايا السياسية والاجتماعية ضمن النسق الإبستيمولوجي للباحث .

  ينقسم هذا المؤلف إلى ستة أقسام تبرز الخيط الناظم الذي يجمع بين الحوارات والمقالات المكونة له ، يحدد القسم الأول الشخصيات والكتب التي جعلت الديالمي يتخصص في الدراسات الجنسانية ، يتناول القسم الثاني المعطيات المتعلقة بالانفجار الجنسي مثل الاعتقال من أجل قبلة ؛ من طابو العذرية إلى الهوس بغشاء البكارة والإجهاض السري . يأتي القسم الثالث كردٍّ علمي على بعض الفقهاء المغاربة الذين يُنَصِبون أنفسهم مدافعين عن الإسلام وفق خلفياتهم المتمذهبة ، كما يعالج القسم الرابع بؤس العزّاب الجنسي، فمن جهة يمارسون الجنس تلبية لرغباتهم الطبيعية و الإنسانية ، ومن جهة أخرى لا يشعرون بالرضا الكافي من جراء تلك الممارسات نظراً لظروفها اللوجيستية و للشعور بالخوف و الإثم . يقدم القسم الخامس تحليلات عن أدوار الأمهات والآباء في التربية الجندرية والجنسية من أجل مواجهة العنف ضد النساء ومن أجل إعطاء تربية جنسية مبيحة دون أن تكون إباحية (ص 220 ). يعالج القسم السادس والأخير المقومات الثلاثية للمواطنة المعاصرة: فهي سياسية في خدمة الديمقراطية الحقة، ومواطنة ضد العنصرية في خدمة المساواة بين كل الإثنيات ، و علمانية في خدمة المساواة بين كل الأديان داخل المدرسة العمومية (ص 12) .

  يقوم الانتقال الجنسي الذي يعرفه المجتمع المغربي ، منذ فجر الاستقلال ، على التقابل بين المعايير الجنسية من جهة والسلوكات الجنسية من جهة أخرى ، و يتميز بثلاث مراحل: في المرحلة الأولى تتلخص في أن هناك استمرارية لـ« دينية المعايير » الجنسية و « دينية السلوكات » الجنسية ، فهناك تطابق بين الاثنين ، بمعنى أن السلوكات الجنسية في معظمها سلوكات شرعية تقع في إطار الزواج . في المرحلة الثانية ، يبدأ الانكسار بين المعايير الجنسية و السلوكات الجنسية ، تستمر دينية المعايير الجنسية (العمومية/السائدة) ، بالأساس تحريم الجنس خارج إطار الزواج ، لكن السلوكات الجنسية تتجاوز هذا التحريم فيقع "الانفجار الجنسي" ، أي تكاثر السلوكات الجنسية قبل الزواج وخارجه . وهنا يحدث تَعَلمُن سلوكي للجنس من دون تعلمنه المعياري  أو وفق ما سماه الديالمي بـ« العلمنة الصامتة » (ص 168) . أما المرحلة الثالثة فتتميز بالتطابق بين معيار جنسي غير ديني و سلوك جنسي غير ديني ، بمعنى أن كليهما مُعَلمن و يستدمج الجنس كحق طبيعي وإنساني: كما هو الحال في أوروبا وأمريكا على سبيل المثال .

  نظراً إلى حجم و حساسية القضايا التي يعالجها هذا الكتاب ، يمكن اعتباره مدخلاً أساسياً و مرجعاً لا غنى عنه لكل مهتم بقضايا الجنسانية و الجندرة بالوطن العربي ، سواء كانوا متخصصين أو طلبة أو حتى الجمهور العام . ففي غياب تربية جنسية تحمي الأفراد من خطر الأمراض المنقولة جنسياً، ومن الحمل غير المرغوب فيه ، من الإجهاض السري و من معانات الأمهات العازبات (ص 10) ، أصبح لزاماً على الحكومات و الدول العربية و كذا الباحثين الاجتماعيين مقاربة الجنس ضمن هذه المتغيرات الاجتماعية والثقافية و السياسية ، استناداً إلى دراسات ميدانية تهدف إلى تكوين قاعدة بيانات حول واقع الجنسانية بالعالم العربي من جهة ، و دق ناقوس الخطر المحتمل من جهة أخرى ، دون تغافل العودة الإبستيمولوجية إلى الأصول النظرية كسند أساسي لمواجهة أزمة السوسيولوجيا في سياق اللاتكافؤ العالمي من ناحية العلمي في هذا الموضوع .

  الكل يعرف عبد الصمد الديالمي كعالم اجتماع جنس متمرس حامل بتجربة تتجاوز ثلاثين سنة في الميدان ، إلا أن قراءة هذا الكتاب ستبين للقارئ أن الأمر يتعلق بعالم اجتماع ذي اختصاص ثلاثي: اختصاصي في سوسيولوجيا الجنس - و سوسيولوجيا الجندر - و سوسيولوجيا الدين . ربما يكون الديالمي واحداً من علماء الاجتماع القلائل بالوطن العربي الذين سعوا نحو المزاوجة بين منطق التخصص ورهان المعرفة المركبة ؛ عبر الانخراط في النقاش العام حول مستقبل الجنسانية العربية ، وذلك راجع إلى كون الجنس بالمجتمعات العربية يظل ظاهرة مركبة الأبعاد (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية...) من جهة ، و محط تداخل مجموعة من التخصصات (العلوم الطبيعية والإنسانيات والعلوم الاجتماعية) من جهة أخرى .

    وجّه الديالمي منذ سنوات سهام نقده إلى كل الفاعلين في إنتاج المشهد الجنسي داخل المجتمع (فاعلين اجتماعيين، اقتصاديين، اجتماعيين، فقهاء...) بكل التزام موضوعي وعلمي بنّاء ، كما جعل من مشروعه الفكري حول الجنس مشروع حياته وهدفها الأساس ، رغم كون ظروف العمل و المضايقات والتهديدات و الاستفزازات المستمرة لن تمكنه من إنجازه كما تمنى (ص 21) . إذ سعى على نحو مستميت إلى تحرير النص الديني من سلطة و وصاية الفقهاء و رجال الدين، من أجل تقديم إسلام حداثي يحترم و ينظم الحق في الجنس و يحميه . لكن لم يسلم هذا المشروع ، أحياناً من تداخل الذاتي بالموضوعي (الدفاع عن مشروع مجتمعي - جنساني مدني - علماني - ديمقراطي) ، في إطار ربط المعرفة بتغيير العالم الاجتماعي ، و هو ما يفسر الاستبعاد الأكاديمي و السياسي (من الفضاء العام) الذي عاناه الديالمي خلال السنوات الأخيرة .

  يستعرض الديالمي التناقض الحاصل بين القيم والمعايير الدينية والممارسات و السلوكات الاجتماعية ارتباطاً بالنشاط الجنساني العربي ، إذ إنه منذ سبعينيات القرن العشرين أخد النشاط الجنسي العربي يتجه أكثر فأكثر نحو الانفصال عن هدف الزواج ليخضع إلى أهداف أخرى مثل إشباع الرغبة الجنسية ، وتجسيد الحب ، و استهلاك متع الحياة و الحصول على خِدمة ، أوالهجرة و النسيان و تأكيد الذات(ص 65) أو ليصبح هدفاً في حد ذاته (متعة من أجل المتعة) و هو ما يبدأ في سن مبكرة .

    سمح هذا "الانفجار في السلوكات الجنسية" ، خصوصا بسبب ضعف تبني التحريم الإسلامي للنشاط الجنسي قبل الزواجي و ارتفاع نسب ممارسة الجنس قبل الزواج ( 65 بالمئة من الفتيات، و 68 بالمئة من الفتيان) (ص 65) ، ليوضح ذلك الديالمي ببلورة نظرية سوسيولوجية جديدة حول العذرية بالوطن العربي، إذ يميز بين نوعين أساسيين : "عذرية قرآنية [دينية]" و "عذرية توافقية" . المقصود بالعذرية القرآنية غياب تجربة جنسية قبل الزواج بمعنى عذرية كاملة (ص 67) . و تعني العذرية التوافقية أن بعض المجتمعات العربية تسمح عملياً ببعض الممارسات الجنسية بشكل ضمني ، كأن يُسمح للفتاة أن تمارس الجنس بمختلف الأشكال والأنواع شريطة ألّا يحدث الإيلاج في الفرج . يسمح لها مثلاً أن تمارس الجنس الفموي أو الشرجي أو السطحي... الفتاة هنا تظل عذراء بالمفهوم الاجتماعي ، أي محافظة على غشاء لعذرية رغم أنها مفتضة في كل مناطقها المُتْعَوية الأخرى (ص 6) .

   يشير المؤلف إلى أنه رغم كل ما كَتب و ما كَون من طلبة وما عاناه ، بقي صامتاً و صامداً لم يتملق لأحد واستمر في عمله ، شاقاً طريقه إلا أنه لم ينل حقه من الاعتراف العلمي و الإجتماعي بموقعه كعالم اجتماع و دوره كفاعل أساسي في مخططات التنمية البشرية والمستدامة (ص 244 ) . صحيح أن مهمة السوسيولوجي هي الفضح والإزعاج و الشغب (بلغة بيير بروديو) و إفساد الدراما الثقافية للمجتمع ؛ من منطلق الكشف عن علاقات الهيمنة الخفية ، إلا أن انخراط العالِم الاجتماعي في النقاشات الأيديولوجية التي تفرغ العلم من انعكاسيته الإبستيمولوجية و تجعله منتجاً للهيمنة نفسها أو مشرعناً لخطابات الهيمنة باسم سوسيولوجيا العموم ، و بالتالي يظل العلم الاجتماعي نحو المجتمع و ليس من المجتمع .

  في الختام، يظل هذا المؤلف مدخلاً أساسياً لفهم الشروط الاجتماعية والسياسية و الثقافية لإنتاج الانتقال الجنسي في المجتمع المغربي، لكنه يثير في الآن نفسه مجموعة من الأسئلة حول القضية الانعكاسية في البراديغم الإبستيمولوجي للعالِم الاجتماعي . آن الأوان لـ« قطيعة إبستيمولوجية » في إطار سوسيولوجيا الطلب الاجتماعي و السياسي و الخبرة المساعدة و المسيَّجة بأسوار النظام و المؤسسات (ص 249) ، و كذا من أجل تفعيل الإزعاج السوسيولوجي الذي يهدم الأصنام و الأوهام الاجتماعية والمذهبية و السياسية و الدينية . لكي تصبح السوسيولوجيا قادرة على أداء و ظائفها الحيوية داخل المجتمعات العربية ، يجب أن تأخذ مأخذ الجد بُعد المشاركة العمومية ، و لا يتأتى ذلك إلا بالتأسيس الفعلي لسوسيولوجيا المشاركة العامة (العموم) بالعالم العربي ، قادرة على ربط العلمي بالاجتماعي لتتجاوز أزماتها المستمرة .

  أخيرا نتساؤل هل يحسن بنا أن نحرر الممارسة الجنسية ؟ خصوصا في ظل تأخر سن الزواج و تكاثر البطالة وغلاء المهور و ارتفاع ثمن مستزمات التربية و التعليم و السكن و المعيشة ووو ... و غيرها من المركبات الضرورية لإطار الزواج ؟ أم من الأفضل التشبث بتقاليد غبر عنها الزمن تُقيد و تُحجر على حق طبيعي مثل الجنس ؟ أسئلة وغيرها تجسد جدلا لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد ، كما يمكن اعتبارها موضوعا لمناقشة غنية من طرف القراء . 





   نشر في 01 يوليوز 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا