جاري البحث عن زوجة.......... رقم 7 غانية من جبل لمكو - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جاري البحث عن زوجة.......... رقم 7 غانية من جبل لمكو

قصة قصيرة

  نشر في 31 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

جاري البحث عن زوجة.......... رقم 7

غانية من جبل لمكو

قبل غروب الشمس، حينها ما زالت تباشير الغلس التي تلقي عباءتها على ربوع ذالك الجبل الصامد أمام تحديات الطقس، وارتجال قرارات الكراسي الوثيرة...

أين مني تلك الربوع التي تخبر عن سنة غنية بالعطاء، أستنشق ذلك الهواء النقي الدافئ الذي يملأ رئتي، فأشعر بالحياة تدب في كل جسدي، فلا أستنشق إلا هواء حارا يحرق خياشيمي، قبل أن يصل إلى رئتي. ألتمس تغريد الطيور فلا أسمع زقزقة تزيد من وحشة المكان. نباح الكلاب الذي كان في ذكرياتي مبعث تخيلاتي، أصبح مـُُقـضّا لمضجعي. ثغاء الأغنام الذي يهدهد أوقات فراغي، صار ضوضاء مملة. لا شيء احتفظ بكينونته، كل شيء تغير إلى الأذى، أو هكذا تخيل إلي. إذ أن التغير اكتنفني قبل أن أشعر بردائه في هاته الربوع...

يوم صاهد، أشق سبيلي إيابا، محمولا على بغلة عمي الربوح، لقرية تاغناشت بجبل لمكو، ضواحي ايمنتانوت. ذالك التجمع السكني، أكثر من القرية وأقل من المدينة، المصلوب على قدم الجبال، ومهدد بفيضانات وجبروت أوركوس...

كان اليوم، يوم الاثنين، موعدا للسوق الأسبوعي، يحجه حجيج من البودراريين، قاطني ومستغوري الجبال..

بغلتي، تضاهي السيارات الألمانية الصنع، 4*4، المتعددة الاستعمالات، فهاته الآلات رغم ضخامتها ومتانتها تعجز عن تسلق الفجاج ووعرة المسالك. لن تستطيع عبور أخاديد وأودية هجرتها المياه، سريرها امتلأ بالأحجار والأتربة...

كانت ترافقني أينما حللت وارتحلت. أقتحم معها عالم المجهول والمغامرة... قمم شاهقة، صخور صلدة مسننة، حقول الدوم والسدر على مرمى البصر، أشجار كثيفة تشي بأسرار غامضة... كان نبوغي دليلي في الأدغال والأحراش. كان سلاحي سفودا معقوفا بمقبض من خشب الكركاع. لا ينفلت من رميتي وحش راكض أو طائر. تعلمت تقصي الآثار. كنت أعرف أمكنة الوحش واتجاهاته وأنواعه. أميز بين الأرنب والثعلب والسنجاب والشيهم، بين الذكر والأنثى، بين الحجل والسمان والدراج والرخم... لا يفوتني من ذالك شيء من حالات الطرائد وأحوالها كالحمل والولادة والإخصاب... الخ.

بغلة عرف سكانها حجم تضحياتها من أجل رغيف خبز أسود في وطن ظل يردد أسطوانة مشروخة، شعار أغنيتها فك العزلة عن العالم القروي... لا مجال لمقارنة عملها أمام دواب أخرى... فالحمير صبورة كأبناء الجبل، لكن حمولتها وقصر قامتها لا تشفع لوعرة الطريق. أما الحصان فهو عديم الفائدة، إلا للتزين والنزهة بين فجاجها البتول. عذرية أركانها تخبل العين قبل القلب... جنة في جحيم الإهمال.

تزمـّلتُ بغلتي بالوراثة. سالكا "أغراس أو ماشو" طريق القط. أتذكر أحلامي العاطلة عن العمل والحب... تستوقفني عند كل خنزير بري لأتأمل ضخامته. عند مرور ثعبان يحبو على سرير الممر، أو عقرب هارب من لفحات الشمس. ريش الدجاج المتناثر ينم على وجبة الثعالب الليلية. طيور الباز تلوح فرحة بعودتي...

أدندن، وشلال العرق يتصبب، أغنية أمازيغية تحت سياط أشعة الشمس. تزمّلتُ بمنديل على رأسي من شدة اللـّهبان فأضحى كالرّمض. وجهي صار كالمضْـبُوح. نغمات حشرة تصيح من وطئ الحر، لا تراها الأعين، مختبئة وسط الحجارة وحقول الدوم، تصاحب خطى البغلة الزاملة للمتاع والطعام. طالبة غيث السماء... كما يـُخال لعامة البودراريين...

ارتجلت مقطع أغنية بالأمازيغية مطلعها "تـَمـَتـَمْ زْ دامْ تـَمـْتـَمْ... أو شـْنا يـَبـيـنْ وايا... أري تـَرْكازْ بومحندْ... أ سُغْريطْ ن توطـْفينْ..." (تـَمـَتـَمْ زْ دامْ تـَمـْتـَمْ... الذئب يعض أخوه... والقنفذ يرقص... والنمل يزغرد...). حكاية وشمت ذاكرة شعب ينقرض ببطء، ترددها الجدات للأحفاد احتفالا بفصل الربيع مع مطلع قوس قزح بين قمم جبالها...

في زخم الصمت، إلا من الحشرات المغنية وحبالي الصوتية التي تقطع شرود السناجب. استوقفتني بصوتها الأزمل:

وا سي سعيد.. ألم تلاحظ، ولمكر الصدف، أنك في عالم الحيوانات العذري... وحيدا، في هذا القفار الصعب... الكل هنا مِلكٌ للحيوان، أسماء، طرق، مناطق... تزمـّلت على ظهري فوق هودج من الحصير محشو بالتبن، وأنت في طريق يحمل اسم قط. الحشرات تصدح المكان. تغني للذئب والنمل والقنفذ، تسبب ضجيجا للسناجب، يحرسك باز قل نظيره في عالمك المتحضر... جباله صالحة لرعي المعز والشياه... أوَ لا تخجل من نفسك لمّا تطالب المسؤولين بفك العزلة على الجبل... إلى أين سنذهب؟...

ضحكت بسرور طفل. ثم أجبتها: ومن أنت؟ حتى تملين عليّ ما أفعل؟

أجابتني بثقة العارف بأحوالي ومتطلباتي اليومية: أنا حيوان ثديي من آكلات الأعشاب، أشبه أبي إلى حد ما في أذنيه الطويلتين، وعرفه القصير وذيله الذي توجد به خصلة شعر طويلة أهش بها على الذباب والأوباش التي تقع في مؤخرتي... أرث عن الحمار صغر رأسه ودقة قوائمه وصغر حوافره... أشبه أمي في قوتها وضخامة جسمها ولون شكلها...أعمر طويلا في هاته البلاد. أقتسم الجنسية معك. قليلة التشكي، والتعرض للأمراض. أمتاز بقوة ببصري ليل نهار، أزاول أعمالا شاقة تعجز عنها الدواب...خالي هو الفرس الذي تتباهى بجماله داخل معارضك ومهرجاناتك... صوتي السّحيل عذب المخارج... عقيمة لا ألد. أحب العلاقات العابرة... لا أنتظر زواجا منك ومن أمثالك...

سعيد تركيت

الخميسات - المغرب - 30 / 03 / 2015 



   نشر في 31 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا