ما ينبغي أن يدركه شباب اليوم عن هويتهم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما ينبغي أن يدركه شباب اليوم عن هويتهم

  نشر في 11 مارس 2021 .


في عام 2004 نشرت صحيفة الحوار المتمدن عن مذكرة وقع عليها 30 عضو في الكونغرس الأمريكي تفرض على الدول العربية شطب البسملة من المراسلات العامة واستبدالها بالافتتاح باسم الديمقراطية والحرية والإنسانية.

لأن قمة ما يُراد لنا هو انتزاع كل مظهر من مظاهر هويتنا وثقافتنا كأمة إسلامية عريقة لها تاريخها وميزاتها الخاصة، وإن تخلينا عن أي خصوصية تميزنا كشعب أو أمة أو حتى أشخاص هو في حقيقته تخل عن هويتنا الخاصة وتغييب لها.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري:

"والهوية هي حلبة الصراع الحقيقية بيننا وبين العدو"

وأما فقدان الهوية فهو يوازي مصطلح الاغتراب، والاغتراب أمر نسبي أي على درجات من الشدة والضعف؛ لأن الهوية خاصية متعلقة بنفس الإنسان، وليس ببدنه، وعليه فإن النفس تتحول إلى الاغتراب عندما تتحول مما ينبغي أن تكون عليه إلى ما هو كائن بما يصيبها من يأس وإحباط وخضوع للظروف الخارجية.

وبما أن الهوية بحسب عموم المصادر تتكون من مجموع العقيدة واللغة والثقافة، فإن أي فقدان أو تشويه أو انحراف لإحدى هذه المكونات يمثل ضياعا للهوية، إضافة إلى أنها نسق من القيم التي ترأسها الكرامة، كذلك فإن أي نيل من كرامة الإنسان هو نيل من هويته، سواء في ذلك كرامة الفرد والشعب.

وضياع الهوية يكون على صعيدين: صعيد فردي، وآخر مجتمعي، الأول يتمثل بشخص واحد يتعرض لظروف خاصة من غربة أو تحريف فكري أو تشويه نفسي تؤدي به إلى الاغتراب وفقدان الهوية، أما المجتمعي فهو ما تعانيه أمتنا الإسلامية في الوقت الحاضر، ويتمثل في عوامل رئيسة ثلاث: ١- تحريف الدين ٢- تشويه اللغة ٣- ظاهرة العولمة، وسأبين المظاهر التي تندرج تحت كل عامل منها:

أولاً- تحريف الدين:

فهويتنا الإسلامية هوية دينية فكرية، والدين في حقيقته هو شكل نظرتنا لله والحياة والكون والإنسان، فإن أي انحراف أو تغيير لهذه النظرة عن مسارها الصحيح يؤدي إلى ضياع الهوية والاغتراب، والتي ينبثق منها إحدى حالتين: إما التعصب والتطرف والغلو في الدين، وإما التمييع والانسلاخ من الدين، وكلا الحالتين تضرب في جذور الهوية، ويندرج أيضا تحت هذا العامل فكرة القومية والتعصب للعربية واعتبار الدين الإسلامي دينا عربيا، فهذه تناقض أصل من أصول الدين الذي هو رحمة للعالمين، والتاريخ يثبت لنا كيف انصهرت القوميات والمجتمعات على اختلاف أصولها ولغاتها في إطار الهوية الإسلامية.

ثانياً- تشويه اللغة:

كل الشعوب تدرك أن اللغة عامل أساس لتماسك الأمة وحفاظها على هويتها، ونحن على أي حال لسنا متعصبين للغة العربية، إذ ندرك أن هناك شعوب تندرج تحت لواء الهوية الإسلامية وهي لا تتحدث العربية، ولكن على مستوى الأمة فإن تشويه اللغة أو ضياعها يعتبر نقيصة في حقها، فقد كان من الممكن أن ينزل الله سبحانه وتعالى القرآن بأكثر من لغة، ولكن توحيد لغة القرآن هو ميزة خاصة بالأمة تجمعها وتوحدها تحت راية واحدة، ذلك أن اللغة ليست غاية بحد ذاتها إنما هي وسيلة إلى غاية أسمى وهي أن توحد وتمد روابط الصلة والانتماء بينها على اعتبار أنها لغة القرآن، وهو رابط يجب أن يشعرنا بالفخر والاعتزاز.

ومن أسوأ مظاهر تشويه اللغة انتشار العاميات واللهجات، وهو داء قد بدأ منذ عقود طويلة وأصابنا جميعا ونسأل الله العافية منه، والأخطر من هذا اليوم هو تطعيم اللغة، كأن يصبح نصف كلام المتحدث بالعربية ونصفه الآخر بلغة أجنبية قد يكون متقنا لها حقا وقد يكون مجرد تقليد وتفاخر، ونرى في بعض البرامج العربية والتي باتت تعرض مؤخرا على التلفاز أن اللغة العربية في كلامهم أصبحت وكأنها هي اللغة الدخيلة وغيرها هو الأساس، حتى احتاج المشاهد للترجمة لكي يفهم ما الذي يجري، وفي الحقيقة كثير منا أصبح بحاجة إلى تعلم معاني الكثير من الكلمات والمصطلحات الأجنبية التي تواجهنا في مواقع التواصل أو في بعض التعاملات الرسمية، وكأنه أصبح من غير اللباقة ألا تعرفها ولا تتحدث بها، لا شك، من الجيد أن نتعلم اللغات الأخرى ونتقنها ونتحدث بها، ولكن على أن يكون التحدث بها وحدها وللحاجة إليها وليس بالجمع بين أكثر من لغة في حديث واحد، فإن هذا من الخفة والاستخفاف باللغة وبالسامعين.

ثالثاً- ظاهرة العولمة:

تعتبر العولمة من أقوى مظاهر الاغتراب حتى صارت مفهوما مقابلا لمفهوم الهوية، حيث تسعى لفرض ثقافة ذات بعد واحد وسلب الشعوب خصوصياتها وعاداتها التي تشكل هويتها، ففي أوروبا وبعد الثورة على الكنيسة وفصلها عن الدولة تحول حلم الرجل الأوروبي من: (الإنسانية خلقت من أجل الكنيسة) إلى: (الإنسانية خلقت من أجل أوروبا)، وهذه فكرة يتبناها بعض المفكرين العرب دون أن يشعروا، وقد كان لنا أستاذا يقدس الغرب، يتحدث عنهم كما لو أنه يتحدث عن الصحابة رضي الله عنهم، ومقابل ذلك فإنه كان يشعرنا بالدونية تجاههم وكأننا أمة لا قيمة لها أو لم يكن لها أي أثر أو إنجاز على مدى التاريخ، فإذا ما ركب العقلَ هوىً فإنه لا يعبأ بأن يزوّر ويشوه الحقائق ويدلسها، والحقيقة ليست كذلك، فالعولمة تسعى لأن نتبنى هذه الفكرة بالتحديد ولأن نكون معجبين ومنبهرين بالغرب والأمريكان مع الشعور بالضعف والدونية تجاههم، وإلى أن يضعف انتمائنا للهوية الإسلامية بمبادئها وقيمها وثوابتها، وأن نتطلع دائما لتقليد الغرب على مستوى الحضارة المادية فقط، فهؤلاء العرب المتأوربين لا يريدون أن تكون لنا صناعات واختراعات وتقدم حضاري وعلمي وقيمي؛ إنما يريدوننا أن نكون كالغرب من ناحية شكلية فحسب، قال تعالى: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا}.

لابد أن يدرك المسلم اليوم معنى أن يعتز الإنسان بهويته وأن يتمسك بكل مظهر يدل عليها وأن يدرك أثر ذلك على مستوى شخصيته وإيمانه وعلى مستوى الأمة جميعا بما يخلفه عليها من ضعف وقوة، فحالنا اليوم مؤسف ومحزن ومخجل في آنٍ معا، لنراجع أنفسنا ومسارنا وننظر أين وصلنا ونحدد إلى أين نريد الوصول، وما هي غايتنا الكبرى؟

إن الهوية الراسخة والمتماسكة هي التي تدفع أبناءها إلى الإنجاز والتقدم، وأما التبعية المقيتة فلم تؤسس يوماً حضارة ولا مجدا، والتعلق بأذيال المتقدمين والمتحضرين لن يؤتي أُكله ما لم تكن الهوية راسخة والهدف واضح.


  • 3

   نشر في 11 مارس 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا