سامحني.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سامحني..

قصة قصيرة

  نشر في 08 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 12 يوليوز 2018 .


-1-

. . المرة الأولى التي يشعر فيها الحاج محمد حسين بمثل هذا الارتباك. وقد جر ذلك الارتباك معه الكثير من الذكريات. كانت تلك اللحظة وقتذاك من إحدى اللحظات القليلة التي تجتمع الذكريات في سلة النفس. دائماً ماكان يشعر في مثل تلك اللحظة بالثقة والفخر لكونه يشارك في تحديد مصير الوطن. الحاج محمد يفتخر بمصريته، فنحن سلالة الفراعنة، أصحاب السبعتلاف سنة حضارة. الحاج محمد من شبابه كان نابهاً، بل من طفولته مثالاً للطاعة والحرص على المصلحة العامة، وقد تطور الأمر معه في شبابه فأصبحت مصلحة الوطن عنده فوق كل اعتبار ( حتى أنه كان يتطوع في حل المشكلات بين المتخاصمين، ويسارع في المآتم الكبيرة الفاخرة ليستقبل المعزيين الأغراب، كذلك لم يكن تقبيله لأعضاء مجلس الشعب في أيام الانتخابات من باب النفاق معاذ الله، إنما كونه كان يدرك المسئولية التي تقع على عاتقهم، ومايقومون به لحل مشكلات الدائرة، فالحمل ثقيل، يكن الله في عونهم، كذلك يجب أن نذكر أنه كان شعوره بالمسئولية دفعه بعض مرة في إلقاء خطبة الجمعة في تلك المرات التي تخلف فيها الخطيب عن موعده، حتى أنه كان قد فكر في أن يصبح خطيباً لمسجد القرية، لكنه عاد وأنب نفسه، فكيف يفكر في ذلك وهو لم يتفقه في الدين كثيراً، وهو وإن كان يعظ ويتقدم الناس في الإمامة، وأنه حتى لو ألقى خطبة الجمعة بعض مرة فذلك واجب على كل مسلم أن يمتلك تلك المعلومات الدينية الأساسية التي يملكها الحاج محمد بالطبع.)... لقد استطاع الرجل أن ينتبه إلى تلك المؤامرة التي تحيط بالوطن، فمن خلال ما عرفه في أيام الدراسة عن تاريخ مصرهم المعاصر ورؤيته للأحداث حوله أيقن بأن هناك قوى دولية تتربص بمصر لتسقطها، لذلك كان واجباً الحفاظ على النظام بأكبر قدر ممكن حتى نستطيع المحافظة على عيالنا وعلى حريمنا، فأمريكا وإسرائيل ينتظرون أقرب فرصة لينقضوا عليكم. كان يقول دائماً للعامة : لايغرنكم العلاقات الدبلوماسية ومثل هذا الهراء، إنها علاقات وسياسات دول، لكن الذي في القلب سيظل في القلب، فاليهود أحفاد القردة والخنازير يكرهون الإسلام ومصر، ويحاربونها بكل الإمكانات المتاحة، فإسرائيل أعطتنا بذور قطن فاسدة لتدمر زراعة القطن لدينا، يجب أن نأخذ لك في اعتبارنا ونعلم دسائسهم، إنهم لايعجزون ولايقفون مكتوفي الأيدي، يريدون تدميرنا بالحشيش والبانجوا، أنتم فاكرين إن الموتسيكلات الصيني هذه.. إنها قادمة من إسرائيل علشان شبابنا يعمل بها حوادث ويمت، ويدمرون مصر. هكذا كان يقول دائماً. ومن تلك الذكريات المتداخلة التقط منها المرة الأولى التي استطاع أن يشارك فيها كمواطن مصري يساعد في بناء بلده، كيف كان يسير بخطى ثابتة للجنة الانتخابية في استفتاء1993، كان الاستفتاء حول ولاية الرئيس الثالثة، كان يشعر بالفخر لمشاركته في الاستفتاء، وقد كان يدعو الجميع من أهل بيته والأقارب، والأصدقاء للنزول والمشاركة، من أجل دعم الرئيس ودعم الاستقرار مصر، فالرئيس صاحب أول طلعة جوية في حرب أكتوبر العظيمة، استطاع إعادة مصر للجامعة العربية واسترداد طابا من اليهود، كما أنه يقوم بعمل بالمشروعات التنموية التي ستزهزه الدنيا علينا بعون الله، ذلك قبل سفره للعراق مباشرة طلباً للرزق. هو، أيضاً لايستطيع أن ينسى أيام العراق. هو، دائماً يحكي عنها لأولاده حتى يعرفون المؤامرة على العرب، كيف كانت العراق أيام صدام حسين، كيف كان صدام يعامل المصريين ويحبهم : فالعراق هي، التي فتحت بيوتنا، هو كان حد عارف يعمل حاجة قبل السفر إلى العراق، الناس لم تبنِ بيوتها بالطوب الأحمر هكذا إلا بعدما سافرت إلى العراق، البيوت كلها كانت بالطوب اللبن، وكانت أيام قحط. لذلك فالحاج محمد لفطرته الطيبة لم ينسَ أبداً فضل صدام والعراق عليه، فلولاها ما استطاع أن يبني هذا المنزل الذي يأويه الآن، لما استطاع أن يستبدل السقف المعروش بالخشب والغاب و(المشمع) البلاستيك، بسقف أسمنتي، استطاع أن يعلوا به و فوقه بالدور الثاني والثالث، ويزوج العيال، لذلك وضع صورة كبيرة للزعيم صدام حسين أسد العرب في المضيفة.. في الواجهة حتى يراها كل من يدخل من الباب، ويترحم على الشهيد، أسد العرب. كم نذكر يوم إعدام صدام أسد العرب، نذكر ذلك اليوم بالتحديد، كان يوم العيد، لكن لانذكره لكونه كان يوم العيد، بل بسبب الحاج محمد، كيف كان يبكي على الشهيد صدام حسن أسد العرب، كيف كان يدعو على الأمريكان واليهود أحفاد القردة والخنازير، كيف كان يسبهم، ويقول : حسبي الله ونعم الوكييييل.

-2-

كذلك قفز إلى ذهنه انتخابات العام2005.. أول إنتخابات تعددية في مصر، كان يدعم فيها الرئيس بقوة، فمن غيره رجل المرحلة. هو، رجل الحرب والسلام، صاحب أول طلعة جوية. الذي حافظ على الاستقرار، ولم تدخل مصر في عهده أية حروب. كان يقف أمام اللجنة ويحدث الناس ويحثهم على انتخاب الرئيس، كذلك نذكر أنه زجر أحدهم حين قال بأنه سينتخب الرئيس : علشان ميقطعش عننا المهية. أجل نذكر أن الحاج محمد زجره، أخبره بأنه : عار عليه قول ذلك، فالرئيس لو كان طامعاً في سلطة لما سمح بأول انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ مصر من بعد ثورة يوليو ( ألم نقل أن الحاج محمد كان رجلاً مثقفاً ).. لو أن الرئيس طامع في سلطة لما سمح بأن ينزل أمامه في الانتخابات عشر مرشحين مرة واحدة..

-3-

لكن الوضع اليوم ليس مثل سابقه، الانتخابات اليوم ليست مثل السابق، كل شئ تغير بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير. الناس تفكيرها قد تغير، كل شئ بسبب النت، وفيس بوك وتويتر، ذلك الاختراع الذي أفسد عقول العيال على حد تعبيره. فهو يذكر أن ذلك البتاع المسمى بالنت كان أُس الفساد على العيال، فالنت أول ماسمع عنه، كان مرادفاً للأفلام الإباحية التي يغلي لها الدم في النافوخ، وكان الذي عنده نت في القرية كانت تلاحقه نظرات الريبة والسمعة السيئة، فماذا كنا ننتظر من ذلك الشئ سوى الخراب. هو يتذكر جيداً كيف بدأ الأمر، فقد سمع عن الدعوات المستمرة للتظاهر من أجل إحراق البلد، والتي تحدث عنها أعلامييه المفضليين، الذين يثق في وطنيتهم وإخلاصهم للدولة، لكنه كان متأكد من أن الحكومة ستستطيع إحتواء الموقف، والقضاء على هؤلاء المشاغبين... ثم ماذا، ثم كان في أحد الأيام، ربما هو يوم الخامس والعشرين من يناير، هو لايذكر على وجه الدقة، لكنه يذكر أنه كان ينتظر إذاعة الحلقة من المسلسل التلفزيوني على إحدى قنوات الحكومة، لكن لم يتم إذاعة الحلقة، فقد أعلنوا أن هناك حظر تجول، وأن هناك شغب، ثم تم بث صورة لكوبري فارغ، والتعليقات تنهمر باستمرار والاتصالات على المذيعين في تلفزيون الحكومة. كان مشهداً واحداً في جميع القنوات المصرية، مما اضطره أن يلجأ إلى القناة الخليجية المشكوك في نزاهتها، وهناك رأي البلد وهي تنهار.

أخذ يسب ويلعن : هؤلاء العيال الصيع، بتوع المقاهي، إللي لاوراهم لاشغلة ولامشغلة ويريدون تخريب البلد. أخذ يتابع، ويتابع، ويتابع، حتى خرج الرئيس وألقى خطابه الذي الهب القلوب، وأبكى الجميع، فقد بكى، وبكت زوجته، وبكى ابناءه، وبكى ابناء خالته وبكى ابناء عمومته. لم يكن أحد يصدق أن يفعل أحد هكذا مع الرئيس، أيفعل أحد هكذا مع والده، الذي حافظ على البلد وحارب من أجلها؟.. ماذا فعل بعد ذلك غير سب هؤلاء العيال الصيع، بتوع النت ( ويقصد البورنو)، بتوع الجلوس في المقاهي، إللي مورهمش لاشغلة ولا مشغلة. لم يفعل شئ على الإطلاق غير أنه أخذ يتابع، ويتابع ويتابع..

لم يصدق نفسه بالطبع حين تنحى الرئيس، ولم يصدق نفسه وتلفزيون الحكومة يذيع الأغاني الوطنية في اليوم التالي، لكنه فجأة شعر بأن هناك شئ ما فعلاً قد تغير.. فعلاً فإن البلد كانت منهوبة، وكان الفساد في السنوات الأخيرة أضحى عيني عينك، لقد كان عليه ( أي الرئيس) أن يترك المنصب، كذلك مصر ليست عزبة كي تورث، ويأخذها الابن.. آمن الحاج محمد بأن ماحدث كان فعلاً الصواب، لقد كان عليه (أي الرئيس) الرحيل، لأن كده كفاية عليه، البلد لازم يجري في عروقها دماء جديدة، نقية. وشعر الحاج محمد أن دوره قد أتى الآن، فعليه كمواطن مصري يمتلك سنوات طويلة من الخبرة ومتابعة المشهد السياسي، ورؤيته لسقوط العراق ومايحدث لها بعد صدام أن يقوم بتوعية العامة، عن المخاطر المحيطة بمصر، فأقام مجلساً كل ليلة يجتمع فيه المزارعين والصنايعية من حوله يحدثهم ويحدثوه، ويخبرهم عن المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية، وأنه يجب المحافظة على بلدنا والتفاف حول النظام حتى يعود الأمن لبلدنا وترجع مصر كما كانت.

-4-

طوال عمره والحاج محمد لا يرتاح لهؤلاء الإخوان المسلمون. هم دائماً من عناصر الشغب، حتى أنه مع بداية أحداث الخامس والعشرين من يناير كان مؤمن من أنهم متورطين فيها. هو ربما يكرههم، لكونه متابع للسياسة منذ الشباب؛ فهو يعرف تاريخهم الدموي مع الحكومة، فقد عارضوا عبناصر والسادات، هو يعرف أن هدفهم هو الحكم وخلاص، لكن الإختلاف لايفسد للود قضية، فحين عرف أن العلمانين والليبرالين يريدون كتابة دستور جديد تتخلى فيه مصر عن دينها، وكله إلا الدين، وجد نفسه يتخذ موقف الإخوان ويوافق على التعديلات الدستورية، كان يقف في اللجنة ويشعر بالفخر لكونه هذه المرة بالإضافة إلى مشاركته في بناء مصر والقيام بواجبه الوطني مثل كل مرة كمواطن فهو ايضاً يخدم الإسلام، ويرجو أن يجازيه الله خيراً عن ذلك.. فالإسلام دين ودنيا، الإسلام لم يترك شأن من الشئون إلا وذكره، ولو أن المسلم تدبر الأيات وفكر بها لعرف أن القرآن لم يترك شيئاً، فقد جاءت تلك المعجزة الربانية على المصطفى من أربعة عشر قرن لتحمل بين طياتها كل مايكتشفه علماء الغرب الآن، ولو أنهم قرأوا القرآن وتفحصوه لأغناهم ذلك عن سنوات البحث الطويلة. شعر الحاج محمد أن واجبه تضاعف، وأن من واجبه أن يخدم الدين كما يخدم الوطن، شعر أن عليه ان يوعي العامة بأهمية الاعتصام بحبل الله، وأن نعد العدة من أجل نصرة الإسلام ، وأنه كي نسود الدنيا كما سدناها من قبل ونصبح دولة محترمة ان نرجع إلى ديننا ونجعل منه دستورنا، لابديل عن الإسلام؛ فالإسلام هو الحل.

-5-

شعر الحاج محمد بالخديعة. لقد ضحك عليه الإخوان، كما ضحكوا على ملايين المصريين حتى يتمكنوا من البلد. لقد فشلوا في إدارة مصر؛ فمصر أكبر من الإخوان. هو كان يعلم ذلك منذ البداية، فمنذ أن رأى مرشح الإخوان، شعر بأنه لن يستطيع أن يدير مصر، فمصر دولة كبيرة وعريقة، وهو وإن كان دكتور، لكن ذلك لايعني أنه يستطيع أن يدير شئونها، فمصر تحتاج لرجل حازم، رجل ذي خلفية عسكرية. حتى أنه حين يذكر أنه حين رأى منزل مرشح الإخوان في بلدته، وجده منزلا متواضعاً لازال بالطوب الأحمر، لم يتم حتى تبليطه، أو تغطيته بالملاط من الخارج. يذكر أنه قال لنفسه : ده شكله راجل طيب، وهيضحك عليه، إذا كان قعد العمر ده كله في أمريكا ومعرفش يزبط بيته، هيمسك مصر إزاي؟. لقد كان متأكداً من البداية أنه لن يستطيع إدارة مصر ذلك الإخواني، وقد صدق حدسه، وفشل الإخوان في كل شئ، كما خدعوه، لذلك وجد نفسه ولأول مرة ينساق مع الجماهير لأول مرة في مظاهرة، ويطالب برحيل الرئيس الإخواني، ورحيل هؤلاء، فمصر لن يدمرها أحد أبداً باسم الدين. كان ينتابه شعور لأول مرة بأن مصر تنتزع منه وكان عليه أن يستردها، لقد شعر بأن المصريين جميعهم يشعرون بذلك مثله. المصريون جميعهم على اختلاف طوائفهم يشعرون بأن بلدهم تسرق، وثورتهم تسرق، ولن يسمحوا بذلك أبداً.. أجل لن يسمحوا.

-6-

لقد عادت مصر. ووجد المصريون زعيم يلتفون حوله. وجدوا من يحبهم ويحنوا عليهم، من يصارحهم من البداية، فلا كلام إنشاء معسول، ولاوعود فارغة، بل رجل ينطق بالحقيقة. لم يطلب يوماً سلطة، بل إن المصريين كلفوه وأمروه بأن يقود السفينة لبر الأمان. لقد أحب ذلك الرجل، ودعمه بقوة. طوال حياته لم يجد من هو بذلك الصدق، وتلك المشاعر. هو لم يرى يوماً رئيس يبكي من أجل الشهداء على الهواء مباشرة. والحاج محمد يعلم جيداً أن دموع الرجال غالية وصادقة. ومرت الولاية الأولى للرجل. سنوات عصيبة يمر بها الوطن. الإرهاب الغاشم يضرب بكل قوة وتدعمه قوى إقليمية تريد تدمير مصر، تريد تحويل مصر مثل سوريا والعراق.. واليمن.......... وليبيا. يريدون أن يقتلوا أطفالنا ورجالنا، ويستحيوا نسائنا. كان الأمر مؤلماً كلما تخيل ذلك. كلما تخيل ابناءه وأحفاده يقتلوا، أو يتم تداولهم مثل الرقيق. كان ذلك الألم وذلك الشعور بالمسئولية الوطنية تجاه الدولة، فالحمل ثقيل والحروب في كل اتجاه، هناك اقتصاد تم تدميره طوال ثلاثين عاماً، وهناك مؤامرة دولية بدأت في2011، وهناك الجماعة الإرهابية التي تقتل من أجل الرجوع للكرسي. أبداً مصر لن تركع، هكذا كان الحاج أحمد يردد دائماً، مصر ستحارب وسيستعيد الاقتصاد عافيته مع الاصلاحات التي يتحملها الشرفاء من المصريين، ولايتذمرون مثل هؤلاء الخونة عديمي المسئولية، هؤلاء الذين لايفهمون معنى وطن ومعنى الاستقرار، كل همهم على كروشهم، ماذا سيفيد الطعام بدون أمن، هكذا كان يقول الحاج محمد، وهكذا كان يهاجم بضراوة عديمي المسئولية والإخوان.

ومع الانتخابات الجديدة شعر بأن دوره قد جاء بسبب أزمة المرشحين. لقد شعر بأن هناك مؤامرة من أجل إحراج الرئيس أمام القوى الدولية. يريدون أن يفسدوا علاقات مصر مع العالم، ويظهروا الرئيس على أنه ديكتاتور.. معاذ الله، يستحوذ على السلطة، وأنه ينفرد بالمشهد السياسي وحده، فلا مرشحين، سيكون الأمر وكأنه استفتاء.. حاشى لله. لكنه شعر بالفرحة حين وجد أن هناك من لايقلون عنه وطنية. فالرئيس شعبيته طاغية ولايحتاج لمنافسين. الكل يعلم بأنه سيفوز لامحالة، لكنها الديمقراطية وروتينها. لقد وجد وكأن الجميع يتأمرون على الرئيس. الكل يتصرف بغباء، الكل يدعم الرئيس ولا أحد يدعم المرشح المنافس الذي تدخل في اللحظات الأخيرة وأنقذ المشهد. ستبدو كذلك وكأن القوى غير متكافئة، الكل يدعم الرئيس لأنهم يحبونه، لكن من الحب ماقتل، ولو أن الرئيس أصابه أذى فإن مصر ستضيع. هو أيضاً يحب الرئيس، لذلك يجب أن يساعده، سيدعم المرشح المنافس، كان الحاج محمد يعلم أن ذلك صعب على نفسه، لكنه سيدعم ذلك المرشح من أجل سيادة الرئيس، ومن أجل مصر. قال لنفسه : يجب أن تبدو الانتحابات حقيقية بالفعل، سأفعل ما بوسعي. ومن اليوم التالي وضع يافطة كبيرة على منزله، وكتب عليها :

من أجل مصر، ومن أجل السيد الرئيس، فإننا ندعم المرشح (....) – المنافس – دخوله الانتخابات. تحيا مصر.

تلك هي الذكريات التي اجترتها تلك اللحظة، هو دعم المرشح المنافس من أجل الرئيس، فقد تواصل مع حملته ( أي المرشح المنافس) أخذ يوزع بطاقات عليها صورة المرشح، ليعرفه الناس، ويعلم البعض( وكان يشدد في ذكر كلمة البعض) أنه يجب – مع الأسف – ألا يصوت الجميع للرئيس، وأنه يجب أن يدعم البعض المرشح المنافس، ذلك من أجل مصر ومن أجل الرئيس، إن كانوا يحبونه. هو الآن يجب أن يدخل اللجنة، هو الآن يجب أن يصوت، هو يحب الرئيس ولا يعرف كيف سيصوت لمنافسه، اضطرب قلبه فجأة وهو يتخيل نفسه يدعم منافس للرئيس، كيف يفعل ذلك، كيف؟؟. أخذ يهز رأسه ويحاول تمالك أعصابه، ويقول لنفسه : أجل أجل يجب أن أدعم المنافس، يجب من أجل مصر، ومن أجل الرئيس، سأنتخب المرشح المنافس. زفر مرة أخرى، وكان كلما اقترب من اللجنة يزداد اضطراب قلبه، كانت أول مرة يضطرب هكذا، أول مرة يشعر بأن الاختيار صعب بالنسبة لها، مابين مايقوله القب، ومايمليه العقل يجب أن يختار. وقف أمام الستار، امسك القلب، أخذ ينظر للورقة، يتأمل صورة الرئيس. شعر بغصة في حلقه، اضراب قلبه يزداد، كان يتصبب عرقاً وبدأت يده بالارتعاش. عليه أن يعلم بالقلم وينهي الأمر بسرعة.لايجب أن يتردد، فما سيفعله في مصلحة الرئيس، ومصلحة مصر. ازدرد لعابه، وأغمض جفونه بقوة، ثم ملأ صدره بالهواء وزفر بقوة، وبسرعة قام بعمل علامة صح أمام رمز السيد الرئيس، وبسرعة تحرك، ولطخ إصبعه بالحبر الفسفوري، وخرج من اللجنة بخطى مثقلة، كان قد زرف دمعة، وازرد لعابه وهمس قائلا : سامحني ياريس. ثم انغمس وسط المواطنين، أمام اللجنة. وبدأ بالرقص فرحاً.


  • 1

   نشر في 08 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 12 يوليوز 2018 .

التعليقات

يوسف فليفل منذ 1 أسبوع
ما أروعك .. جميلة جدا حكاية الحاج محمد .. المضحوك عليه فى كل وقت وفى كل حين .. والحقيقة الأكبر التى اتضحت عبر السنوات أن الإعلام مفسدة للعقول .. فهم من شكلوا وصنعوا الحاج محمد.
1
علي عبدالقادر الدسوقي
شكرا جدا، ويارب تكون عجبتك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا