مجنون - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مجنون

ثم تسأل نفسك .. ماذا تعني الكرامة حقاً؟! .. هل هي فقط الحد الفاصل بين أن تشعر بالذل أو ألا تشعر به .. ولماذا يقررون من عليه أن يشرب القهوة .. أو هل عليك أن تحتسي الشاي فقط ..

  نشر في 18 يونيو 2018 .

من يعتقد بأنه يمكن أن ينمحي كل شيء بلحظة، أن يباغتك التغير فتعود شخصا لم يكن له وجود، متى ولدت من أين أتيت وكيف؟

أنت أيها المجنون .. لم تكن يوما سوى ظلا أسودا، منذ متى وخلق كل هذا التمرد بك، اختفيت وعدت فجأة تواجه كل هذا الألم بقوة، سيعتقدون بأنه حدث يعرفونه هو من ساقك إلى هذا، لكن الحقيقة هي أنك لست المجنون فأنت أكثرهم عقلانية لكنك ما تزال تتمتع بالقدرة على المسامحة!

في ذلك اليوم الذي استيقظت فيه وابتسمت للعالم وقررت أن أبدأ يومي ككل شخص طبيعي، خرجت من الحمام متنشطاً حضرت قهوتي وأردت أن أكون كأي مثقف عابس يبدأ يومه بمطالعة الجريدة .. لكنني لم أكن طبيعياً ولا حتى مثقفاً بائساً، وربما هذا ما دفعهم لاعتقالي لمدة طويلة .. 

يسألني الضابط ذو الرتبة الأعلى وهو يحاول عصر كتفي بقبضته الضخمة لوضعي تحت ضغط الوجع .. 

- ليش بهاد اليوم تحديداً قررت تشرب قهوة الصبح وتقرا جريدة؟

ضحكت لا بل تقهقرت بصوت مرتفع وكان ذلك مستفزاً، لابد وأنه كان حيث أنه قام بصفعي بكل قوة على وجهي حتى راح الدم ينفر من كل فتحة في وجهي. ثم أعاد من تعديل وضعيتي وسألني ذات السؤال ..

- كنت حابب كون شخص طبيعي، أشرب قهوة الصبح وحس أني حدا متلي متل هالعالم، أما الجريدة يا سيدي .. فصدقني أنا قرايتي ع قدا .. أنا شقفة بياع يانصيب لا بيقدم ولا بيأخر يا سيدي .. بس يمكن حلمت حلم أكبر مني!

ركلني يومها على ظهري وهو يصرخ بي ..

- يا ابن الحرام بياع يانصيب وحالتك ع قدك .. ليش عم تعمل شي أكبر منك!

كنت أود أن أقول له بأنني لم أكن أعرف أنه من غير القانوني أن تشرب قهوة الصباح وتقلب بالجريدة، أن هذا الفعل حكر على الأناس العاديين وليس على الذين يعيشون ضمن حدود رؤيتكم، لكنني فضلت أن أحصل على خصم بسيط من التعذيب، وفعلاً كان لصمتي وقع جيد فهذه المرة لم يصفعني أحد على وجهي.

عندما خرجت في ذلك اليوم الأيلولي الضبابي شعرت أن الشارع كله يتحدث بقصتي، عندما مررت من أمام جيراني كان الجميع يتهامسون علي، يستوقفني "أبو فؤاد" الدكنجي ويسألني وهو يتحسس الجروح التي على وجهي ..

- لك يا سمرة كم مرة قلتلك عن السياسة بعد .. أنت شو بدك بهالشغلة!

- لك سياسة شو يا أبو فؤاد .. أنا ليش شو دخلني بالسياسة .. 

- يلا سيدي المهم نقضت ع خير .. وبلالك ياها هي الجريدة وما جريدة، من طول عمرك بتشرب متة الصبح شو إجى ع بالك تشرب قهوة ماني عرفان ..

- ليش شرب القهوة صار جريمة يعني؟

- لا حول ولا قوة إلا بالله .. روح عمي روح اتحمم كول لقمة ونام وبكرة منجي منطمن عليك ..

ودعته والدموع تغص في عيني، دخلت إلى منزلي وكانت فوضى التفتيش ما تزال تعم فيه، كان ما يزال فنجان القهوة قابعاً في مكانه عليه بقع عفن، والجريدة التي تمزقت أطرافها. كان هناك عنوان بارز في أحد الصحف التي سقطت على الأرض " الكرامة حق المواطن الذي لا يمكن لأحد أن يساومه عليها". ابتسمت .. ثم وجدت نفسي أضحك، كانت رائحة القهوة تمر في أنفاسي توجهت نحو الموقد لأعد فنجان من القهوة، جلست كما يجلس المثقفون وهم يضعون قدماً على قدم وحملت الصحيفة الممزقة .. 

خطر في بالي سؤال لم أجد له جواباً، وهو ما تعريف الكرامة ؟! .. يقولون لك أن الحب ينتهي عند الكرامة، ويقولون لك حارب من أجل من تحب فلا يوجد في الحب كرامة .. ثم يسألك الضابط لماذا تشرب القهوة، ويسألك جارك لماذا تقرأ الجريدة .. وأنا أسأل نفسي ما هي الكرامة؟!

في اليوم التالي مررت بالقرب من دكان "أبو فؤاد" كان يجلس وحيداً على الباب يحستي كوباً من الشاي، اقتربت منه دعاني للجلوس لكنني سألته فقط بنبرة حادة ..

- أبو فؤاد شو تعريف الكرامة؟

- شو شو تعريف الكرامة .. كرامة!

- أي شو يعني كرامة ..

- امممممم .. يعني عكس الذل!

- طيب شي مرة أنت ذليت حالك مشان تحفظ كرامتك؟

- ما فهمت شو قصدك؟

- قصدي كم مرة بحياتك دعست برجلك ع كرامتك وأنت عم تكابر وادعيت أنك عملت هي بدافع الكرامة، كم مرة حسيت أنك بلا كرامة بس طمنت حالك أنو لسى عندك كرامة لأنو ما حدا عرف بالقصة، كم مرة صارت معك وتجاوزت كرامتك بس حتى ما تنذل .. وحتى بينك وبين حالك ما سميت حالك ذل؟! .. 

- لك يا سمرة المجنون الله يرضى عليك روح ع بسطتك بيع هالكم ورقة الي معك استرزق فيون وبلا هالحكي الي آخرتو وخمة .. 

- رايح .. بس بدي قلك شغلة قبل ما روح، الكرامة هي خدعة، هي عنوان، شو يعني واحد يقلك لا تسرق واشتغل بكرامتك، واذا اشتغل بكرامتك زبال أو بياع يانصيب، أو شي مو من مستوى العالم الراقي بيكون أكبر وصمة ذل عليك بالتاريخ، بس إذا سرقت وصرت صاحب مال وجاه .. ساعتا فيك تدوس ع أكبر كرامة بالعالم وتذل أمة الله بمصاريك .. يعني بالأخير ذل بذل .. فشو فارقة معون إذا شربنا شاي ولا قهوة ولا متة .. ولا القصة بس قصة قوانين ومصطلحات ؟!

قلت له ثم سرت في طريقي، أستمتع بطعم القهوة التي ما تزال تعبق رائحتها في أنفي ،ما تزال نكهتها معلقة بين شفتاي. لقد كانت تلك الكمشة الصغيرة من القهوة التي حصل عليها ذلك اليوم الحد الأولى والأخيرة بالنسبة لي، أنا لن أشرب القهوة بعد هذا ليس حفاظاً على كرامتي، بل درءاً للمذلة!


  • 1

   نشر في 18 يونيو 2018 .

التعليقات

Alaa Bobaly منذ 1 سنة
أبدعتِ ، بالتوفيق ❤
0
Rim atassi
كل الشكر لك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا