علم اجتماع العواطف : علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم اجتماع العواطف : علم الاجتماع الجديد

نحو إدارة العواطف

  نشر في 01 ديسمبر 2016 .

كنت قد عرضت مقالين سابقين عن فرعين من فروع علم الاجتماع الجديد ( النسوي و الجسد ) الذي بات في قضاياه يشغل بال السوسيولوجيين الجدد و المعاصرين على حد سواء ، و لقد ارتأيت أن أقدمه عبر سلسلة تدخل كلها في كنف عنوان : علم الاجتماع الجديد ، و هو الامر الذي أعادني لتعديل عنواني المقالين السابقين على النحو الذي به يتماشى مع هدف هذه المقالات ، و يمكنني أن أنبه هنا أن هذه المقالات هي في حقيقتها مبادأة مني كمدخل أو مقدمة عامة فقط لمحاولة فهم و فك اللبس عن هذه الموضوعات الجديدة التي تم ادراجها ضمن المنهاج الجديد لمادة النظرية المعاصرة في علم الاجتماع لطلبة السنة الثالثة علم الاجتماع ، و تبسيط فهمها لدى القرّاء و الباحثين و الطلاب ..

إذن ، علم الاجتماع العواطف ، هو كذلك انبثق عن تلك الموجة التغييرية التي أصابت النظرية السوسيولوجيّة سنوات الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي حينما انتفضت سوسيولوجيا الفِعل ضد سوسيولوجيا البناء لتعلن ولادة الفاعل الاجتماعي الحر و المبدع ، فكانت إسهامات ارفنغ جوفمان في التفاعلية الرمزية محاولة هامة في تلك الحقبة حاول من خلالها أن يصيغ الموقف الحياتي وفق منظور المسرح و الذي يلعب فيه الفاعلون أدوارا تمثيلية يحاولون من خلالها إقناع الآخرين بها ، انطلاقا من الجسد و العاطفة ! مركزا في تحليلاته على مشاعر الخجل و الارتباك ، و رغم أنه قدم إسهاما في التفاعلية الرمزية يستفاد منه في تأسيس علم اجتماع العواطف إلا أنها تعتبر مساهمة محتشمة مقارنة بما قدمته أرلي رسل هوشيلد ..

فعلم الاجتماع العواطف كسوسيولوجيا جادة و عميقة لفهم العلاقة بين العواطف و التفاعل الاجتماعي قد انبثق من رحم التفاعلية الرمزية على يد عالمة الاجتماع ( أرلي رسل هوشيلد ) - تماما كما انبثقت من رحمها أيضا محاولات أخرى للدفع بالنظرية النسوية قدما نحو الأمام مع عالمة الاجتماع باتريشيا هيل كولينز - ، فإسهامات أرلي رسل هوشيلد في سوسيولوجيا العواطف تعد وجها من أوجه توسيع آفاق السوسيولوجيا التفاعلية في أمريكا فيما بعد ، إذ أنه مع سنوات التسعينيات جاءت الدعوة الملحة لإنهاء ذلك التشرذم النظري المتعلق بالثنائيات و الالتفاف حول علم اجتماع جديد يبحث في القضايا الجديدة و المشكلات الراهنة بعيدا عن إشكالية الذات و الموضوع التي سيطرت سنين طوال على علم الاجتماع ، و لعل أن كتاب (ديريك لايدر ) حول فهم النظرية الاجتماعية سنة 1994 هو من الإسهامات الجليلة التي خرجت بِنَا الى علم اجتماع جديد تجاوز الثنائيات نحو الربط و التوفيق بينها و هو الأمر الذي وصفه جيدنز بتحطيم السجون النظرية ( يقصد سجن الذات و الموضوع ) ، و كان علم اجتماع العواطف ضمن هذه الإسهامات الجديدة التي أدخلت رؤية جديدة لعلاقة التفاعل بين الأفراد ، أساسها و نتاجها العواطف و الأحاسيس و المشاعر .

حيث ركزت التفاعلية الرمزية الجديدة مع أرلي رسل هوشيلد على الربط بين العواطف (Emotions) و التفاعل الاجتماعي أي أن الفعل الاجتماعي في سياقه التفاعلي هو مرتبط بالمشاعر و الأحاسيس و العواطف التي تحدده و تضفي عليه معانٍ ذاتية ، كما أن العواطف ليست فقط ذات دوافع عضوية و إنما مردها أيضا الى الأبعاد الإجتماعية حيث أكدت التفاعلية الرمزية الجديدة أن التفاعل بين الأفراد هو الذي ينشىء العواطف و يحرك المشاعر و الأحاسيس صوب الفعل الاجتماعي .. و هي الأفكار التي استقتها ممن سبقوها في خوض غمار العواطف أمثال ديوي و جوفمان و فرويد .. و لقد صاغت رؤيتها الخاصة حول هذا الحقل في كتبها مثل ( القلب المروض : الاتجار بالمشاعر الانسانية ) 1983 و الذي يعتبر الإسهام الذي قدمت خلاله نظريتها الجديدة حول العمل العاطفي و التي تجسدت فيما بعد في علم اجتماع العواطف ، ثم كتابها الآخر الأكثر حداثة و هو ( الإتجار بالحياة الحميمية ) سنة 2003 ، و الذي كان من دون شك إظافة علمية صقلت من خلاله رؤاها و أفكارها بهذا الشأن . فنظريتها تعتبر أكثر جدية في علم اجتماع العواطف باعتبار أنها تناولت المدى الشامل و الواسع للعمل العاطفي ( الكآبة ، الحزن ، الفرح ، الحب  ، الخوف ، العار ، الخجل ، الشفقة ، الحسد ، الغيرة ، الاحباط ، الْخِزْي ، الغضب ، القلق ، الألم ، الارتباك ، الذنب ، اليأس ..) مقارنة بعلماء اجتماع كانوا قد تناولوا موضوع العواطف من قبل في جانبه الضيق مثل جوفمان الذي ركز فقط على مشاعر الارتباك و الخجل ، و نوربرت الياس من خلال دراسته للحضارات القديمة فاستنبط منها آداب السلوك و التمثلات الجسدية المرتبطة بالعواطف المختلفة فكان بذلك أحد المساهمين في الربط بين سوسيولوجيا العواطف و سوسيولوجيا الجسد ، أما عن المحاولات الأكثر حداثة فنجد راندال كولينز الذي ربط بين ( السمات الشخصية و العاطفية و النفسية ) و ( القوة ) باعتبارها مصدرا مهما من مصادر القوة التي يتصارع حولها الناس ، لتبرز هوشيلد بعملها الجدي في تأسيس علم اجتماع العواطف كفرع اجتماعي بتركيزها على مفهوم جوهري جديد و هو : ( العمل العاطفي )، بمعنى إدارة المشاعر Management of Emotions ، فتقول أن العمل العاطفي هو إدارة المشاعر من أجل خلق عرض للجسد و الوجه بحيث يكون ملاحظا و باديا للعيان ، و أن العمل العاطفي هو سلعة تباع بثمن ، و له قيمة تبادلية . . و سأوضح ما تقصده هوشيلد هنا ، إذ هي ترى أن الواقعة الاجتماعية يتدخل في تشكيلها العواطف و التي يقوم الأفراد بإدارتها تماما كما يتم إدارة رؤوس الأموال من أجل تحقيق مصلحة ربحية معينة ، فكذلك المشاعر حينما تدخل حيّز الواقع الاجتماعي في تشكيله و صياغته فإنها تصبح عملا سلعي يباع للآخرين ، و يقبض ثمنه ، في علائقية تضفي عليه قيمة تبادلية . و من العمل العاطفي الذي عنت بدراسته هوشيلد هو العمل العاطفي لمظيفة الطيران .. و في ذات السياق أضرب مثالا آخرا للعمل العاطفي و هو ما تبديه بائعات الهوى كظاهرة اجتماعية من عواطف محددة مثل ( الحب ، السعادة ، الرضا ، النشوة ..) تستخدمها في الموقف التفاعلي كسلعة تباع و يقبض ثمنها . و يمكنني اختزال نظرية هوشيلد في علم اجتماع العواطف في ثالوث المفاهيم الأساسية الآتية : العمل العاطفي - التشتت العاطفي - إدارة المشاعر . ففي تحليلها لإدارة العاطفة لدى مضيفات الطائرة( نساء) و لدى محصلوا الفواتير ( رجال ) وجدت أن هناك فرقا في العمل العاطفي بين الاثنين إذ يترتب على المظيفة العمل بعواطف معينة مثل ( البهجة ، السرور ، التعاطف ..) في حين أن رجل الفواتير نجده يعمل بمشاعر اخرى مغايرة مثل ( الشدة ، اللامبالاة ، القلق ..) ، و المظيفة التي ينحصر مجال عملها في بيع العواطف للركاب هي تتفاعل مع الأفراد ركاب الطائرة فيصنعون موقفا اجتماعيا تفاعليا يكون أساسه العواطف التي تنطبع على الجسد و الوجه تحديدا ، فتصبح بذلك تلك العواطف و المشاعر مثل ( عطف ، اطمئنان ، ثقة ، بهجة ، تفاؤل ) سلعة لابد لها من حسن إدارتها حتى توفق في نجاح العلاقة التفاعلية تلك . و يحدث التشتت العاطفي حسب هوشيلد عندما تكون العاطفة المضمورة هي عكس ما يظهر على الجسد ( الوجه تحديدا ) ، فمثلا مظيفة الطيران أثناء أدائها للعمل العاطفي قد تقع في مشكلة أن تتظاهر بالبهجة في حين أنها في الحقيقة تشعر بالخوف نظرا لانقلاب جوي مثلا ، فهنا يحدث التشتت العاطفي بين ما هو ظاهر و ما هو كامن ، و ترى هوشيلد أن هذه الحالة من التشتت العاطفي تستوجب ما أسمته بإدارة العواطف ، بحيث تكون المظيفة أمام حلين لإحداث التوازن و هما إما تغيير مشاعر الخوف لتتوافق العاطفة مع ما هو ظاهر أو تغيير الظاهر ليبدو بنفس حالة المشاعر المستضمرة .

و يبقى علم الاجتماع العواطف في نظري فرع فتي لازال يحتاج الكثير من أجل فهم العلاقة بين العواطف و الأبنية الاجتماعية و الفعل الاجتماعي ، فنظرية أرلي رسل هوشيلد حول العمل العاطفي لا يمكننا حصر علم اجتماع العواطف فيها ، فالمجال واسع و يحتاج جهود مضنية لاقتحام المساحات المضلمة فيه لكشف النقاب عن العلائقية بين العواطف ، الفعل ، البناء الاجتماعي ، الثقافة ، التاريخ .. تماما كما هو الحال بالنسبة لسوسيولوجيا الجسد او سوسيولوجيا الجندر ( النسوية) . 

د / لبنى لطيف



  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 01 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا