اجهاض المدنية في ليبيا وعلاقتها بقيادة "اللبوة" ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اجهاض المدنية في ليبيا وعلاقتها بقيادة "اللبوة" !

عن اسطورة: ليبيا دولة مدنية .

  نشر في 13 ماي 2014 .

لا يمكن لليبيا أن تكون دولة مدنية ، دعك من الناشط السمج الذي يصر على مدنيتها واطرح عن ذهنك هتاف المظاهرات المؤكد على تطلّع الجماهير لحكم مدني ! فخريطة ليبيا الديمغرافية هي مجرد تجمعات بشرية تغلب عليها طابع البداوة موزعة على صندوق رملي كبير، بل أن بعضها لا تزال قبائل رحل لم تضف شيئا لنمط حياتها سوى تجارة البشر المربحة من خلال حركة الهجرة غير الشرعية .

ولا أجد هذا أمرا معيبا..ولا أواجه أي مشكلة مع الأمر..مشكلتي الوحيدة هنا هو وصف المدنية الذي يستلزم منطقيا وجود مدن حتى تنتج عنها ثقافة مدنية، وفي حالتنا المعقدة هذه لم تعد ثمة مدينة واحدة فقد وقفت ماكينة التحضر عن العمل قبل أن تضاف عليها تعديلات جذرية ، جعلت مهمتها الوحيدة : تفريغ كلمة المدنية من دلالاتها..لتتحول إلى هراء يضاف في نهاية كل جملة تبدأ بـ (ليبيا دولة..)!

بدأت قصة الآلة المخرِّبة ليبية الصُّنع منذ وقت بعيد..ثم جاء الملك وأقام عليها مملكته المقدسة ثم تركها لشاب مولع بالخيام وعبد الناصر ليحول المملكة المتعثرة إلى جماهيرية بائسة..حدث كل هذا بواسطة آلة التحضر التي سخرها الحكام البدو لقتل المدينة .

وهذه الآلة مؤلفة من الإعلام والمثقفين والخطباء....وبعض الجنود ، يعملون في صورة تروس لا تكل عن الحركة ما دام هناك "زيت" يغذيها !!..هذا ببساطة كل ما يحتاجه الأمر حتى يتوقف العقل المدني عن التفاعل بالشكل الصحيح بعد النجاح في سلب مواطنو المدن من هويتهم القائمة على الفردية والتعددية والإنتاج ، بواسطة الإعلام الملغز وبدونة الثقافة وتسطيح الخطاب واستيطان الجنود في قلب المدينة .

وينتج عن سرقة الهوية المدنية نوع من الهذيان الجمعي، فتجد على سبيل المثال من يهتف بأن "ليبيا قبيلة واحدة" ثم يطالب الشخص نفسه بـ "دولة مدنية موحدة" وهو أمر يثير الحنق إن أردت رأيي .

كما أنتجت سرقة المدنية فراغا موحشا في قلب المجتمع المتمدن ومع تهافت حركات نقد الثقافة والفكر ملأت البداوة المُسيسة فراغ العقل الجمعي باستلابه من بقايا مدنيّته المهترئة ليكون السلوك البدوي الفج مثالا أعلى..ومحط استهواء للمواطن المسلوب ، ففي الأمس القريب فقط..كان صديقي - الذي عاش طوال عمره في المدينة - مستعدا لبيع عضو في جسده كسائر الشباب في جيلنا مقابل قيادة "لبوة" في شوارع طرابلس ، واللبوة هو الاسم المحلي لسيارة تويوتا land cruiser المصنوعة خصيصا للطرق الصحراوية..أي أنها لا تنتمي لشوارع المدينة، ولكن مع الفراغ الثقافي..وجد صديقي المثال الأعلى للرقي والثراء والسلطة في قيادة اللبوة التي كانت حكرا على المقربين من أبناء عمومة العقيد السابق كعلامة على تعصبهم للعشيرة في محاولة لإثبات نظرية ابن خلدون للمرة الألف!

فالذي حدث مع نموذج صديقي المسكين، هو ان الشاب الليبي حين يتطلع لحياة الرفاهية لا يلتفت للمدينة بوصفها مصنعا للموضة والحداثة والمظاهر البراقة بل يتبع حكام الصحراء الذي يجوبون الشوارع بلبؤتهم الفخمة .

هذا التطلع عند أهل الحواضر وتحديدا الشباب منهم ، تحول لغضب بعد أحداث سنة 2011 ليحل الشاب مدني النشأة محل البدوي المُسيس..فيركب اللبؤة بعد أن ينتقم من السباع التي كانت تعبدها وتتبجح بها أمام وجهه !

ولم ينتهي مسلسل الزير سالم الممل ! بل مع بقاء صوت الثقافة محتشما وراء سور المدينة ستستمر البداوة-أقصد النسخة المخرِبة والمُسيسة منها - في القضاء على كل مقاومة تعمل على انعاش التحضر !

إذا وصلنا إلى أن المدنية هي نتاج تفاعل مَديني بحت ، وحتى يتحول بلد صحراوي وعشائري مثل ليبيا لـ "دولة مدنية" نحن بحاجة ملحة لخلق مدن ! تعمل كإطار ثقافي يستقبل من خلاله سكانها تيارات فكرية وثقافية واقتصدية جديدة ، ومع قدوم (الجديد) لا يختفي المكون السابق ..فلا شيء يضيع في المدينة بل تخضع الثقافة باستمرار للتحديث والتوالد بعكس القبيلة التي تعتمد على الموروث وخاصية الانغلاق على نفسها إلى حد ما كأساس للحفاظ على الحياة في البادية أو الصحراء .

ومن هذا المنطلق أعد المدينة مفهوم أنثوي ، لأن في المدينة وحدها نضمن استمرارية خلق الجمال سواء في المعمار أو في زينة الشوارع والمرافق، وحتى الجمال المتمثل في المبالغة في الاعتناء بالمظهر الشخصي..كما تتوفر المدينة على التنوع الثقافي والعرقي وهو ما يدفع المرء لنقد قيم ومبادئ محيطه البشري ويعيد تقييم ذاته كـ(فرد) بالنسبة للمدينة (المجتمع) بقدر كبير من الحرية مقارنة بالمجتمع البدوي ، ومع تطور احتياجات المدنيين يمكن للبحث العلمي القيام بخطوات جدية نحو الاستقلالية والتوطين..يحدث كل هذا بفعل حيوية المدينة، ويمكن أن يحدث كل هذا سريعا..إذا تخلص مجتمعنا من عقدة اللبوة !!


  • 2

   نشر في 13 ماي 2014 .

التعليقات

Ahmed M. Zura منذ 3 سنة
مقال رائع ...
اتفق معك, الا انني اعتقد ان بدونة المدينه ظرف تاريخي وليست سياسه ممنهجه .
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا