تذاكر إلى الكابوس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تذاكر إلى الكابوس

ما فيهم واحد شايب..... كلن بالخمس وعشرين

  نشر في 25 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 شتنبر 2019 .

ملاحظة: القصص التي تم ذكرها عن الضحايا والناجين العرب من غرق التايتنك هي  قصص حقيقية وليست من وحي الخيال.

حجز "آدم" تذكرتين واحدة له وأخرى لزوجته "سارة" للسفر إلى "نيويورك" عبر المحيط الأطلسي، وهذه السفرة هدية "آدم" لسارة بمناسبة الذكرى الأولى لزواجهم.

صعد "آدم" و"سارة" على متن الباخرة في السادس من نيسان وبعد أخذهم قسط من الراحة صعدا على سطح الباخرة ليستمتعوا بمنظر المحيط، كان قلب "سارة" يؤلمها منذ لحظة صعودها على متن السفينة، وذلك بسبب شعور الفقدان الذي أصابها وتخلل بين ثنايا قلبها ولكنها لم تظهر شيء لآدم، أثناء جلوسها معه وضعت رأسها على كتفه لتجلب ذبذبات الطمأنينة إليها ثم دار بينهم الحوار التالي:

"آدم": هل تعلمين يا "سارة" أن سفينة (التايتنك) كانت وجهتها من "لندن" إلى "نيويورك" مثل سفينتنا تماماً وعبرت هذه المياه أيضاً.

"سارة": حقاً، ظننت أنها غرقت في المحيط الهادي، أي أنه في قعر هذا المحيط العديد من التذاكر الغارقة... يا ترى هل كان هناك عرب في (التايتنك).

"آدم": نعم... نعم يا جميلتي هناك بما لا يقل عن مئتين عربي و أغلبهم كانوا في الدرجة الثالثة بالسفينة، قصص العرب بالتايتنك تؤلم القلب يا "سارة".

"سارة": لم أكن أعلم أن "التايتنك" كان بها عرب، لماذا لم يُلقى الضوء عليهم.

"آدم" : بلى، كان أغلبهم من اللبنانيون والسوريون، وقد وثقت اسماؤهم في اللائحة الرسمية للركاب، أما قصصهم قد رواها أحفادهم وبعض الناجين من الكارثة، كما وهناك بعض الكتب تحدثت عنهم، ومن أبرزهم كتاب (اللبنانيون على التايتنك) للصحافي "ميشيل كرم" وكتاب (الحلم فالكابوس) لامرأة أمريكية سورية الأصل تدعى "ليلى سلوم إلياس" ورواية باسم (تذكرة على متن التايتنك) لصحفية مصرية تدعى "ياسمين سعد".

"سارة": حدثني عنهم يا "آدم".

"آدم": حسناً يا عزيزتي سأحدثك ولكن إذا رأيت دموعك تفر منك سأتوقف عن الكلام، لا أريد لهذا الوجه الملائكي أن يحزن.

"سارة": موافقة.

أطفأ "آدم" سيجارته وألقاها في المحيط ثم قال: غرق "التايتنك" أسوء كارثة عرفتها بحار القرن الماضي، معظم من فقدوا حياتهم كانوا من الدرجة الثالثة، منهم من مات غرقاً ومنهم من توفي نتيجة إطلاق النار عليه من ضباط السفينة، ومنهم من مات بسبب برودة مياه المحيط، كانت درجة الحرارة في ذاك اليوم اثنين تحت الصفر.

حجزوا تذاكر للذهاب إلى أحلامهم ولم يخطر على بالهم أنهم على موعد مع الكابوس، هناك العديد من القصص التي وصفت حال الضحايا والناجين ولكن سأروي لك يا ""سارة "ما علق بذاكرتي منها.

من أبرز الضحايا شاباً من بيروت، كان وسيم الوجه طويل القامة أنيق المظهر يسمى "فارس شهاب"، وكان فارس أميراً لبنانياً لا يتجاوز التاسعة والعشرين من العمر، وسبب سفره إلى أمريكا هو الهروب من اليأس والحزن، فقبيل سفره بأيام قليلة اكتشف خيانة زوجته له فطلقها ثم طلق وطنه، وبعدها بعدة أيام حجز تذكرة على متن "التايتنك" ليهرب إلى عالم آخر ولكنه لم يعلم أنها ستكون سفرته الأخيرة، وعندما بدأت السفينة بالغرق قال الأمير "فارس شهاب" لمن حوله: (شدّوا الهمة يا شباب! عيب نموت بدون دبكة)، ثم أخذ هو في العزف على العود بينما اصطف الآخرون ليرقصوا الدبكة في مشهد يجمع الفرح والحزن ليودعوا من خلاله الحياة.

ومن الضحايا أيضاً شاب يسمى "ضاهر شديد" لم يتجاوز التاسعة عشر من العمر، وكان السبب في سفره هو الهروب من العقاب، فقبيل سفره كان يلعب ببندقيته في قريته اللبنانية "عبرين"، ثم خرجت من البندقية رصاصة بالخطأ وللأسف قتلت هذه الرصاصة الطائشة فتاة من القرية، شعر "ضاهر" بخوف شديد من أهل الفتاة، عندما علم عمه المغترب بالأمر، بعث له مبلغ مناسب وطلب منه أن يغادر "لبنان" ويأتي إلى "بنسلفانيا" حيثُ يقيم، ثم سافر "ضاهر" سريعاً إلى "فرنسا"، ومنها بالقطار إلى ميناء "شيربورغ" الذي كان اللبنانيون يبحرون منه إلى بلاد الاغتراب، وفيه صعد إلى "التايتنك"، حين رست هناك لتقيلهم قبل أن تعود ثانية الى مرفأ بالجنوب البريطاني لتتوجه منه إلى "نيويورك"، وللأسف بعد الكارثة التي أصابت السفينة عثروا على "ضاهر" جثة طافية مهترئة.

أما أكثر الضحايا كانوا من قرية لبنانية تدعى "حردين"، وأشهرهم شاب يدعى "طوني يزبك" وزوجته "سيلانة" وقد سافروا إلى "نيويورك" لقضاء شهر العسل، وأثناء غرق "التايتنك" صعدت "سيلانة" إلى قارب النجاة، أما زوجها لم يسمحوا له بالصعود وذلك بسبب قوانين الملاحة التي تنص على إنقاذ النساء والأطفال أولاً، غرق "طوني" ونجت "سيلانة" التي بكت على زوجها لسنوات طويلة، أما "زهيّة" صديقة "سيلانة" رفضت الصعود إلى القارب والنجاة بمفردها دون زوجها "بطرس"، غرقا معاً، والناجي الشاب الوحيد من قرية "حردين" يُسمى "مبارك حنا" والسبب في نجاته هو اختباءه تحت ثوب فضفاض لامرأة أجنبية وقد قيل تزوجها عند نجاتهم من الكارثة، ونقلا بالتواتر عمن نجا من اللبنانيين الذين كانوا على متنها: إن 11 من أبناء قرية "حردين" تجمعوا في ركن بالسفينة عندما تأكدوا أن الموت في طريقه لينال منهم، ثم راحوا يرددون أبياتا ارتجلها أحدهم بأسلوب الشعر الشعبي اللبناني، المعروف باسم "الزجل"، وقالوا وهم يغرقون:

ابكي ونوحي يا حردين.....علىالشباب الغرقانين

غرق منك حدعشر شاب..... بسن الخمسة وعشرين

منهم سبعة عزابي.....والبقية مزوجين

ما فيهم واحد شايب..... كلن بالخمس وعشرين

ومن العرب الذين نجوا أيضاً فتاة تدعى "آديل نجيب قيامة" من بلدة "الشوير" لا تتجاوز سن الرابعة عشر، كان والدها يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية وعندما علم الأب بسفر قريبة له تدعى "لطيفة" إلى أمريكا طلب منها اصطحاب "آديل" معها وقبيل غرق "التايتنك" بقليل صعدت "آديل" على قارب النجاة مع "لطيفة" وأثناء صعودها تذكرت ليراتها الذهبية التي نسيتها في غرفتها، فخرجت من القارب باتجاه غرفتها التي كانت في قعر السفينة ثم أخذت أموالها وأمتعتها وعادت إلى مكان القارب بسرعة وحينما عادت وجدت القارب قد امتلئ، بكت وصرخت إلا أن قام أحد الضباط بالإشفاق عليها، أخذ جميع أمتعتها وألقاهم في المحيط ثم قال لها: اقفزي إلى هذا القارب القريب من الباخرة لعلكِ تنقذين نفسك من الموت.

نظر "آدم" إلى "سارة" أثناء كلامه، وجد دموعها تقف على طرف أهدابها تكاد أن تتفلت فقال لها: أنا أراقبك يا "سارة" إذا هطلت هذه الدموع لن أكمل الحديث.

قالت له "سارة": لا تخف هي تحت السيطرة أكمل.

أكمل "آدم" كلامه قائلاً: الدرجة الأولى في "التايتنك" كانت تشمل النبلاء فاحشين الثراء من مختلف الجنسيات الأوروبية وكان من بينهم رجل عربي واحد فقط وهو مصري الجنسية يسمى "حمد حسب" يلقبونه بالرجل الغريب لأنه قليل الكلام مع من في السفينة، وسفرته إلى "التايتنك" كانت هدية من صديق له يدعى "هنري هاربر" الذي تعرف عليه من خلال عمله كمترجم سياحي في مصر، وقد تعلم "حمد" اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وأثناء عمله كون صداقة قوية مع الزوجين الأمريكيين "هنرى هاربر" و"ميرا"، وقد استضافهم أكثر من مرة فى القاهرة، ثم قرر "هنري هاربر" أن يردَ له الجميل، فأرسلوا له دعوة للتنزه على ظهر السفينة "تاتنيك"، وقبيل غرق السفينة بقليل سمع "حمد" صوت اتصال لاسلكي صادر من غرفة القيادة يؤكد وجود كارثة، أسرع وأحضر القارب رقم 3 وحمل فيه صديقيه "هنري" و"ميرا" وعند صعودهم القارب نسيَ هنري قبعته فهم لجلبها من السفينة ولكن زوجته لم تدعه يعود، ثم تحرك "حمد" يحارب أمواج البحر، وكان عمره في ذاك الوقت 27 سنة، وقد نجا لبر

الأمان، قيل أن "حمد" فقد الذاكرة بسبب صعوبة الحادث وتفاصيله، وما عاشه من أهوال ومخاطر، وقد استضافته أسرة لبنانية، وبعد ثلاثة سنوات تماثل للشفاء وعاد لعائلته .

أنهى "آدم" كلامه بقوله: "التايتنك" السفينة التي قالوا عنها لا تغرق ولا تحرق أصبحت في قعر المحيط.

وضعت "سارة" يدها على قلبها ثم أغمضت عينيها بخوف، قال لها "آدم": ما بك يا حبيبتي هل أنتِ بخير، قالت له: نعم لا تقلق ثم أمسكت يده ووضعتها على بطنها وقالت له أنا حامل يا "آدم".

فرح "آدم" كثيراً بل الدنيا لم تسعه من الفرحة.

في صباح اليوم التالي وهو آخر يوم لهم في الباخرة استيقظ "آدم" باكراً ولم يجد "سارة" بجانبه، بحث عنها في كل مكان إلا أن وجدها على سطح السفينة، اقترب منها وقال لها: "سارة" لماذا لم توقظيني معكِ ، التفتت إليه "سارة" وعيونها مليئة بالدموع .

شعر "آدم" بالتوتر وقال لها ما بكِ يا "سارة" ما سبب هذا الحزن في عينيكِ، قالت له وهي تنظر إلى المحيط: حاولت الحفاظ على التذكرة حاولت... ثم قال لها: لم أفهم عليكِ يا حبيبتي ماذا تريدين القول، قالت له: أشعر بصداع قوي يا "آدم" أرجوك أجلب لي مسكناً لأتناوله ويفضل أن يكون من النوع الخفيف لكي لا يؤثر على الجنين.

ذهب "آدم" إلى الطابق الأول حيث غرفتهما هو و"سارة" ليجلب لزوجته مسكناً، ثم طلب من النادلة وجبة فطور خفيفة لزوجته لكي لا تتناول المسكن على معدة فارغة وأثناء كلامه مع النادلة سمع صوت انفجار عظيم على سطح الباخرة، صعد بأعلى سرعته ليرى ما جرى على سطح السفينة وإذ به لم يستطع الصعود بسبب النار الكثيفة التي اشتعلت نتيجة الانفجار.

بعد محاولات الإطفاء والسيطرة على الوضع كشفت التحقيقات وجود رجل من الجماعات المتطرفة قام بتفجير نفسه على سطح السفينة وقد مات كل من كان بجواره.

بدأ "آدم" يبحث كالمجنون عن "سارة" ويسأل عنها كل من يراه أمامه حتى أنه سأل الجدران والمقاعد، ولكن جميع محاولاته في البحث قد باءت في الفشل.

قال له ضابط بريطاني: لم لا تبحث عنها بين ضحايا التفجير.

قام آ"دم" في صفعه والصراخ عليه دون وعي، لم يستطع "آدم" البحث عنها بين الضحايا لكي لا يتأكد من موتها لأنه يعلم أن تلك اللحظة لن تمر عليه.

رست السفينة على الميناء وعند نزول "آدم" منها جلس على ركبتيه. وقد تملكه الفقدان من جميع الاتجاهات ولم يعد له القوة على الحراك، منهك ، كأنه دخل زمناً بالخطأ أفقده نفسه وساء اللطف به وجعل من كيانه متناثر، كما تسبب في تعكير صفوه وجعل من وجهه شاحباً، ثم شعر بوجود بركان داخله يحرق كل خلية في قلبه.

بدأ "آدم" يكلم نفسه ويقول ما الذي حدث بحق السماء، ألم أوصيك بالحفاظ على تذكرتك يا "سارة" !! أم روحك علقت بتفاصيل الأمير "فارس شهاب"، و"ضاهر شديد"، و"زهية"، و"طوني" ثم امتزجت تذكرتك بتذاكرهم الغارقة المنسية.

كان هذا أكبر مطب في حياته أوقع به من سابع سماء إلى سابع أرض، وظل على هذه الحالة إلى أن رأتهُ امرأة مسنة تمشي وتتكئ على عصاتها المهترئة، وقد شعرت هذه المرأة بكمية الحزن الذي يشعر بها "آدم"، جلست بجانبه وقالت له: هكذا هي الدنيا يا بني لا يوجد بها سعادة كاملة ولا سكينة عارمة، ستقتلك نوبات الحنين بين الحين والآخر، ربما تظن أن هذه اللحظة هي حطامك الأخير ... ولكن لا لا يا ولدي ستتعافى منها، ومرور الأيام سينجيك من هذا المرار كما سينجيك من العواصف التي تسللت إلى حياتك بكل خبث، سيبدلها الله بنسيم معطر، القدر سوف ينصفك وترحل هذه اللحظات إلى هاوية البؤس وحذافيرها، ثم مدت يدها لتمسك بيد "آدم" وتساعده بإكمال مسيره


  • 8

  • سهام سايح
    ‏كاتبة‏ لدى ‏Mawdoo3.com - موضوع .كوم‏،، وكاتبة‎‏ لدى mqqal.com،،،،،،،، درست ‏‎Business Administration‎‏ نشرت لي العديد من القصص القصيرة
   نشر في 25 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 شتنبر 2019 .

التعليقات

BAKEER منذ 3 شهر
للامانة هذه معلومات جديدة علي(ملاحظة: القصص التي تم ذكرها عن الضحايا والناجين العرب من غرق التايتنك هي قصص حقيقية وليست من وحي الخيال.)...الله يعطيك العافية ...ابدعت اختي
0
سهام سايح
شكرا كتير
BAKEER
تحياتي اختي..حفظك الله
كم منا من يحتاج الى من يمد يده ليساعدنا لنكمل الحياة التي امامنا ، شكرا يا سهام على تسليط الضوء على اللبنانيين الشباب في عمر 25 رحمة الله على المؤمنين .
1
سهام سايح
العفوا...... ما الحياة دون أمل
محمود بشارة
الأمل نوعان:أمل محمود ( يعني انا ههه ) استغفر الله ، وأمل مذموم
الأمل المحمود: هو العمل مع اليقين
قال رسول اللهﷺ:الأمل رحمةٌ لأمتي.
والأمل المذموم:هو الكسل مع الغفلة
قال علي رضي الله عنه : الأمل
سلطان الشياطين على قلوب الغافلين.
Menna Mohamed منذ 4 شهر
مؤلمة جدا يا سهام قطعتي قلبي معها ابدعتي كعادتك عزيزتي جميلة جدا حبيبتي تملكين حسآ فنيآ انسانيآ عاليآ حبيبتي ❤ موفقة ❤
2
سهام سايح
شكرا لك جميلتي وانا ايضا عند كتابتها تأثرت جدا لانها قصص حدثت بالفعل
lama منذ 5 شهر
لم أكن أعلم شيء عن التايتنك سوى قصة جاك وروز .... قصص العرب جميلة وحزينة أكثر سلمت يداكي على هذا البحث يا سهام بانتظار الجزء الثاني
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا