بين عيدي العمال و الشهداء علي ... العامل الشهيد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين عيدي العمال و الشهداء علي ... العامل الشهيد

  نشر في 02 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .


حديث مع علي الدعاس

منذ سنتين ونصف السنة تقريباً ، بعد غيابك يا أبا حسين ، عاركتُ نفسي التي ألحَّت عليَّ بالكتابة عنك ، وكنتُ أقمعها وأقول لها لستُ أنا من يكتبُ ليتحدث في غيبتك ، ليس لأن حديثي عنك شهادة مجروحة فقط ، وليس لأن معظم الذين يُغيبهم الموت في عُرفنا يحملون أساطيرَ وبطولات وكرامات لم تكن فيهم يوما ً ... بعكس ما كنت عليه يا علي ... ،

لكنني وبحدسي انتظرتك لتتحدث أنت... كنتُ متأكدا ً من ذلك ... ألستَ حيا ً ... والأحياء يا ابن عم يتحدثون.

رأيتك أربع مرات في منامي ، كل المرات السابقة لم يدر حديث بيننا ، في المرتين الأولى والثانية رأيتك في مزرعة خضراء ماؤها كثير ، وزرعها من كل الأشكال والأصناف ــ أعلم جيدا ً أنك تحب هذه الحياة ــ لكنني افتقدتُ تلك الطيور التي عشقتَ ، والحيوانات الأليفة التي كنت تربيها... ربما وضعتها في مكان آخر ... هكذا كنت تفعل بين (الكرم ) في وادي الزيدي ، ومزرعتك في النعيمة ... و في الخمان ...

المرة الثالثة رأيتك تركب سيارتك /البيك أب/ التي كنت تمتطيها كما الخيال لمهرته ، وقفتَ بجانبي في حارتنا ... فرحتُ لرؤيتك ... طلبتَ مني الركوب ... وركبتُ ... قلتَ لي حينها أنك لم تمت ، وأن موتك خدعة لغاية في نفسك ... لا أعرف لماذا دخلنا معا ًوبطلب منك إلى منزل عمنا أبي فيصل رحمه الله ...

البارحة جئتني في المنام ... يملؤ النور وجهك... أخذتني بالحضن ... وكنتَ قد أطلت الغيبة ... وفي هذه المرة حصل ما كنتُ أنتظره ... أخيراً تحادثنا...

بصوت جهوري رنان قال لي :

ما هكذا كنتُ أريد ... كل هذه الدماء في بلدي والله حرام ... أتذْكر يا ابن عمي كم كنتُ قلقا ً ومتوترا ًعندما سقط حسام ومحمود يوم 18 آذار ........ لمتُ نفسي يومها ، وأحسستُ بالذَّنب ... سألتُ الشيوخ والعلماء وأصحاب الرأي ... هل أنا مذنب؟ جميعهم نفوا ذلك وقالوا : بالعكس أنت من ساقك الله لتبدأ رحلة خلاصنا... هل حال بلدنا اليوم هو خلاصنا يا ابن عمي ؟

قالها غاضباً واضعا ً كلتا يديه على رأسه ... آه يا ليتني لم أصرخ يومها ... يا ليتني لم أفعل ... يا ليت أصحاب السلطة أدركوا ما يُحاك لنا ولهم ولبلدنا الحبيب ... لكانوا جنّبونا ما حصل ... كنا نريد حقوقا ً أسوة بباقي البشر ... أردنا حياةً حرةً وعيشا ً كريماً ... هل كان كثير علينا أن نعيش بكرامة ...

أقسم أنني لم أكن أريد هذا التوحش الذي ضرب مجتمعنا ... لم أستطع أن أتخيل يوما استسهال كل هذا القتل والخطف والنهب والترويع من قبل أهلي وأبناء وطني ...

كم حفظتُ لكل أبناء وطني ممن عرفتُ الود والمحبة ... لمصلحة من يحصل كل هذا في سورية؟ ... ولأجل ماذا هذه الحرب العبثية؟ ... ومن أين أتى كل هؤلاء الحثالة تجار الحروب والأزمات والبشر؟!!

ولماذا كل هذه الفرقة والتشرذم والولاءات العمياء والعمالة والتبعية والإجرام ... أين ذهبت تلك الأخلاق الحميدة والقيم العليا والطيبة والسماحة والشهامة والرجولة المجبولة فينا ؟

من منا يا ترى يملك الحقيقة ؟ ومن منا يُحسن صنعا ً؟

يبدو أنها قسوة الحرب وطبائعها ...

إنها الأحقاد تشعل اليوم تحت قدور النفوس نيراناً ... الله وحده أعلم متى تنطفيء...

تمتم بآية من القرأن ـ ( " ومن عفى وأصلح فأجره على الله " ) ...

وألحقها بقوله ما أعظم أجرك يا ربي ...

دار حديث في أمور خاصة بيننا ... وعدته أن أكتب عنه ... طمأنني عن حاله وعن أبي النمر وعن حال شهداء الوطن المظلومين ... كل شهداء الوطن...

متأسفا ً على حالنا ودعني وانصرف...

ما أجمل أن ينتسب المرء بالقربى لشخص مثلك يا علي ... ما أجمل زمانك يا أبا حسين

كنت في حياتك مثالا للشاب العامل العصامي المكافح من أجل لقمة العيش ، و أضحيت بعد استشهادك رمزا للبطولة والفداء والتضحية والعفو والتسامح ،

ومنحت أحبابك أوسمة يزرعونها بفخر على الصدور ... يا شهيد حوران ...


حديث مع علي الدعاس 2

بعد حديثنا السابق يا أبا حسين مررتَ علي مرات عديدة ، لكنك في كل مرة تنظر إلي صامتا ً عابساً يحمل وجهك علامات الحزن والغضب وكأنك تحمل على كاهلك هموم الدنيا ... ثم تدير ظهرك ناظرا ً إلى الأفق مبتسما ً للذين تتوجه إليهم تتركني وحيداً وتذهب ... أنادي عليك أصرخ بأعلى صوتي لكنك لا تكلف نفسك حتى الالتفات إلي ...

تتركني غارقا ً في أحزاني التي ليس أولها فقدك وإخوانك الشهداء ... وليس آخرها فقد الوطن ... هكذا ببساطة تتركني أواجه حملا ً ثقيلا ً يضنيني ...

يضربني اليأس والقنوت ... إلا من رحمة الله ... كما كنت توصيني يا علي.

للحديث معك طعم آخر ... وللشكوى إليك مفعول آخر أيضا ً ... أشكو إليك يا علي وضعنا المهترئ ... أشكو اليك فرقتنا وضعفنا وهواننا وعنترياتنا ... كما أشكو إليك الفتاوى الجهنمية ... ومحاكم التفتيش ... وعن ماذا أحدثك أم ماذا ...

أتذكرُ هؤلاء الصبية الصغار في حيِّنا ، أعرف أنك تذكرهم جيدا ً، ... إنهم الآن يحكمون ويرسمون ويقررون وقد يأخذون الأرواح بإذن الله طبعا ، ويمنعون عن الناس أرزاقهم ويحرمون ويُجرمون ... هل تصدق يا علي ؟ .... لقد فعلوا يا ابن عمي لقد فعلوا...

أتذكرُ الدكتور خليل بيضون ، طبيب الأطفال الأشهر في درعا ، ذلك الجار الهادئ الودود الوادع الرائع الذكي المتميز الذي نذر نفسه لخدمة أطفالنا وعلاجهم ... لم أعرف خليل بداية إلا في مضافتك يا علي كنت أعتقد أن خليل وأهله يرتبطون بصلات قربى لنا لا أعرف لماذا ؟ هكذا كنت أشعر ربما بسبب حجم الود الهائل الذي حملوه لنا جميعا ً كعائلة ...

لقد خطفوه من عيادته جهارا ً نهارا ً ولم يجده بعدها أحد ... وأظن أن لا أحد أراد أن يجده بصدق ... هذه هي الحقيقة يا علي ... ولو حصلت هذه لوحدها لكفتهم يا علي ... أي ظلم ثُرتَ ضده يا ابن عمي ... أبعد ظًلم ظَلمنا ... ظَلمنا وطغينا ... والله ُ كما تعرف لا يُحب الظالمين ...

واحسرتاه يا ابن عمي على تلك الدماء التي دُفعت ثمنا ً للاشيء ... بل أكثر من ذلك ... إننا نغرق في الفوضى يا علي ... والجميع مغرقون وماضون إلى الهاوية التي يرونها بوضوح ... لكنها تعمى القلوب التي في الصدور ... أعرف أنك لا تقبل بذلك ولكن ماذا بيدي ويدك ... إنها الأوامر يا علي ... الأوامر وهم ينفذون ...


  • 1

   نشر في 02 ماي 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا