العدل أساس الملك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العدل أساس الملك

عيد العرش وبيعة المغاربة لأمير المؤمنين

  نشر في 29 يوليوز 2019 .

العدل أساس الملك

يقوم المغرب بالاحتفال بالذكرى العشرين لعيد جلوس ملك البلاد على عرش أسلافه من سلالة العلويين ، ويقوم البرلمانيون وممثلو مختلف الهيآت المهنية والمجتمعية بتجديد البيعة لملك البلاد كأمير المؤمنين ورمز وحدة البلاد ، ويوجه الملك بهذه المناسبة خطابا إلى الشعب يستعرض من خلاله حصيلة ما تم إنجازه خلال السنة الماضية والمشاريع المبرمجة مستقبلا .

خلال العقود الماضية ضعفت الدولة العلوية وأصبحت – كغيرها من الدول العربية والإسلامية – فريسة للاستعمار الغربي الذي فرض عليها " الحماية " وقطع أوصلها وعمل على تكريس إضعافها ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا .

تناول كتب " السياسة السياحية بالمغرب : إشكاليات وتداعيات وبدائل " جانب تدبير الشأن العام بالمغرب وتأثيره على مختلف مجالات حياة البلاد خلال فترة 1956/2020 ، ومما جاء فيه :

" تستند قوة ومناعة الدول إلى العمل بمبادئ شعوبها وتراثها الثقافي لاستغلال ثرواتها البشرية والطبيعية لتحقيق الأمن والرخاء والكرامة والعدالة الاجتماعية للمواطنين. وتبدأ إشكالية تخطي تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية من طبيعة نظام الحكم والقائمين على تدبير الشأن العام ومدى الالتزام بهذه المبادئ ، ودور النخب المجتمعية ، وتفاعل المؤسسات مع حاجات المواطنين وتقديم العون لهم والمساهمة في تقويم مسار مجالات حياتهم.

لم تكن أوضاع المغرب بعد رحيل الاستعمار الفرنسي والاسباني( انطلاقا من النصف الثاني من الخمسينات من القرن الماضي) مختلفة عن أوضاع باقي الـــدول الأخرى الحديثة عهد بالاستقلال، وكان الأمر جليـــا بخصوص هـــذه الأوضاع التي كــــان يعاني مــنها المواطنون: الأمـية والجــــهل، والمــــرض، والبطالة والتخلف بمختلف أشكاله .

عاش المجتمع المغربي بمبادئ متجذرة منذ قرون طويلة قبل أن تضعف البلاد وتخضع للاستعمار الغربي، وكان تجاوز تحديات استغلال الخيرات الطبيعية والمؤهلات البشرية بعد رحيل المستعمرين يكمن في الرجوع إلى قيم المجتمع ومصدر مناعته ، وطرح ذلك منذ البداية إشكالية تكوين سلطة قوية تتوافق عليها جل مكونات القوى الوطنية الفاعلة المناهضة للاستعمار ، تعمل ببرامج هادفة قادرة على تحقيق مختلف مشاريع التنمية لإخراج البلاد من تخلفها. كانت هذه القوى الوطنية، تضم أحزابا وتيارات: محافظة/إسلامية، واشتراكية/تقدمية /شيوعية، وأمازيغية/قبلية ، وأخرى ليبرالية متشبعة بالثقافة الغربية .

اختلــف أعضــاء القوى الوطنية بعد "رحيل" الاستعمار على كعــكعة السلطة وتـــدبير الشأن العام ، وكــــان ذلــــك من أسباب عدم الاستقرار السياسي في البلاد ، فقد كان من بين أعضاء هذه القوى من فضل الاستمرار في مواجهة الاستعمار حتى تحرير باقي أجزاء البلاد ثم الانصراف بعد ذلك إلى تدبير مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وكان منها من أراد الشروع في تحديد طبيعة النظام السياسي وإحداث المؤسسات السياسية والتنظيمية والتشريعية، وإعداد المخططات التنموية، ثم العمل على تحرير باقي أجزاء البلاد بالمفاوضات الدبلوماسية.

احتدم الصراع على السلطة وكان التوافق بين الراغبين فيها صعبا ، ونتج عن ذلك صدامات عنيفة بين أحزاب ومختلف مكونات الحركة الوطنية من جهة ، وبين هذه الأخيرة والقصر من جهة ثانية ، وكانت لها تداعيات على مستقبل الحياة السياسية والخيارات التنموية للبلاد ، وأسفرت ، حسب البعض ، عن تشتيت جهود السياسيين بالبلاد ، وعدم تركيزهم على المشاكل الآنية للمواطنين لمواجهة آفات التخلف وتخطي تحديات التنمية .

في غمرة هذه الأوضاع ، والصراع على السلطة بين فرقاء الحركة الوطنية ، حسم القصر هذا الأمر وأصدر وثيقة دستورية تحدد طبيعة نظام الحكم في البلاد ، ثم جاء قانون الحريات العامة خلال شهر نوفمبر1958 فوضع الإطار القانوني لتأسيس الجمعيات والأحزاب ؛ هذه المبادرة لم تكن تستجيب لتطلعات الشعب ، حسب المعارضة، بقدر ما شكلت استجابة لواقع سياسي غلب عليه النزاع والتهافت على السلطة بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية وجيش التحرير والمقاومة .

خلال نهاية سنة 1962 طرح الملك الحسن الثاني ( تولى الحكم بعد والده محمد الخامس ) مشروع دستور على الاستفتاء، واستأثر القصر من خلاله بجميع السلطات. جاء في هذا الدستور أن النظام السياسي للبلاد هو الملكية الدستورية، وأن دور الأحزاب يتلخص في تنظيم المواطنين وتمثيلهم دون الوصول إلى السلطة، وأن الملك هو أمير المؤمنين ورمز وحدة الأمة، وله الحق في تعيين أو إعفاء الوزير الأول وباقي الوزراء، وليس للوزير الأول أي سلطة تقريرية، وأن شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته، وله حق حل مجلس النواب وخطابه لا يكون موضوع نقاش في البرلمان.

جعل هذا الدستور ( والدساتير التي جاءت بعده ) الملك ينفرد بجميع سلطات الحكم العسكري والمدني والديني ، ولم يغفل أيضا الجانب الاقتصادي والاجتماعي من خلال ترأس الملك للمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط لإعداد مشاريع المخططات التنموية ، ويقوم البرلمان من خلال الأحزاب الموالية للنظام بالمصادقة عليها وعلى السياسة الحكومية .

وهكذا، وكما جاء في بعض الكـــــتابات ، فإنه منذ عام 1960 فـــإن ميزان القوى كــان، إلى حد كبير، لصالح النظام الملكي، إضافة إلى هيئات غير منتخبة واقتصادية ، ناهيك عن أنه في بداية التسعينيات تم إحداث مجلس المستشارين (يتم انتخاب أعضائه بشكل غير مباشر ) في يده سلطة العرقلة ، كما أنشأ القصر الملكي أحزاب إدارية هيمنت على قرارات عمل الحكومة ومجلس النواب خلال الفترة ما بين 1970 و1993 .

بمقتضى نصوص هذه الدساتير استأثر القصر بجميع السلطات وتم إحداث أحزاب موالية للمحافظة على النظام والاستقرار وتدبير الشأن العام ، واختير لذلك أشخاصا مخلصين (لم تكن الكفاءة والأمانة دائما معيارين عند تعيينهم في مهامهم) ، واختار هؤلاء المسئولين مساعديهم يعملون بأمرهم ، وساعد ذلك على زيادة المحسوبية والزبونية وانتشار والفساد ، وانعكس ذلك على الخيارات التنموية وبرامجها ، وأسفر عن تعميق الفوارق بين مختلف شرائح المجتمع : الفقر والحرمان عند جزء كبير مقابل الترف عند فئة قليلة . وحاول بعض المتضررين والغيورين التعبير عن غضبهم بانتفاضات شعبية سنوات 1965و1981 و1984و1990 وغيرها تمت مواجهتها بشتى الوسائل، وعرفت هذه الحقبة حسب البعض ب" بسنوات الجمر والرصاص".

جاء في تقارير أن الملكية الجديدة ( بعد الملك الحسن الثاني ) لم تكن تشعر بأنها مقيدة بعقد لم توقع عليه ، وكانت تريد اختصار قضية التناوب التاريخي بين القصر والمعارضة في عنصره الأول: أي ضمان انتقال سلس للحكم، وكان النزاع بين الحكومة المنتخبة والقصر حقيقة واقعة، ، وبدأ القصر شيئا فشيئا يسحب الملفات من الحكومة ويتجاوز صلاحياتها، وبدأ رجال ثقة الملك يتفادون أي اتصال أو لقاء برئيس الحكومة الاشتراكي ، وأصبح بعض الوزراء المفضلين وسطاء بين الديوان الملكي وبين رئيس الحكومة الاشتراكي المعارض سابقا ، فكان هذا الأخير يتوصل ، من خلال هؤلاء الوزراء ، بالرسائل من أجل الحصول على رأي بشأن موضوع ما أو الإبلاغ بطارئ ما. وأضافت هذه التقارير أنه في شهر أكتوبر 2002 ، وقبل انعقاد المجلس الوزاري برئاسة الملك بمدينة مراكش، أخبر مساعدو الملك الوزير الأول أن الملك سيعين وزير الداخلية خلفا له ، وهو ما يتعارض مع وقع عليه مع الحسن الثاني وغير مفيد لمستقبل ومؤسسات البلاد .

لم تتحسن الأمور كثيرا بعد ذلك وعرفت سياسة البلاد ترديات مهمة وخصوصا في المجالات الاجتماعية كالصحة والتعليم والتشغيل واستفحلت ظاهرة الفساد واقتصاد الريع . ورغبة في مواجهة تظاهرة حركة 20 فبراير 2011 التي نظمتها مختلف الهيآت المجتمعية مطالبة بتغيير الأوضاع والقضاء على الفساد قام الملك محمد السادس ، خلال شهر مارس من نفس السنة، بالإعلان عن تكوين لجنة استشارية لإعداد مشروع دستور جديد تم التصويت عليه خلال شهر نوفمبر من نفس السنة.

أشارت بعض التقارير السياسية إلى أن نصوص دستور2011 هي أحسن من سابقيها فقد تضمنت إصلاحات منها أن الأحزاب أصبحت تشارك في السلطة على أساس التعددية والتناوب بالوسائل الديمقراطية ، وأن شخص الملك لم يعد مقدس ، ولم يعد يعين أعضاء الحكومة ويقيلها بل أصبح ذلك باقتراح من رئيس الحكومة الذي تصدر حزبه انتخابات أعضاء مجلس النواب الخ .

مقابل ذلك يرى البعض أن هذا الدستور جعل من الملك شخص لا تنتهك حرمته ويرأس المجلس الوزاري الذي ينعقد بمبادرة من الملك أو بطلب من رئيس الحكومة ، وللملك أيضا حق حل مجلسي البرلمان أو إحداهما، وأن يخاطب الأمة والبرلمان ولا يكون مضمون الخطاب موضوع أي نقاش.

ويرى أحد الباحثين " أن السلطة الحقيقية ما زالت تتشخصن في يد الملك الذي يمارسها من خلال ظهائره وتعليماته ورسائله، وتكرسها مقتضيات دستور 2011 بحكم نظام البيعة ، وكرست مقتضيات هذا الدستور أيضا سمو المؤسسة الملكية والتجسيد السياسي للملكية التنفيذية الخ. .

وهكذا فحسب البعض يمكن أن ننظر إلى مضامين هذا الدستور بمنظار أسود ونقول أنها لم تأت بجديد، ويمكن أن ننظر إليها بمنظار أبيض ونقول أنها ثورة، فالخطاب (الدستور ) حمال أوجه يمكن أن يؤول إلى ملكية برلمانية كما يمكن أو أن الملكية تنفيذية.

يمكننا وبمناسبة عيد العرش أن نقيم حصيلة العمل خلال السنوات الأخيرة ويمكننا القول أن الأمور لم تتحسن كثيرا كما تشهد على ذلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومختلف الدراسات والتقارير الوطنية والهيآت الدولية ، وكذلك حتى من خلال ما جاء في الخطب الملكية في بعض المناسبات ... وتبدو الأمور صعبة... ولكنها سهلة إذا نحن التزمنا بتحقيق العدالة في كل الأمور ... والعدالة هي أساس الملك والطمأنينة والاستقرار ... والله سبحانه في كتابه العزيز يحث عباده المسلمين على العدل والإصلاح والإحسان في كل شيء ولا يحب الفساد والمفسدين ويقول سبحانه " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا." ويقول " وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ "

نسأل الله لسادتنا وكبراءنا الحكمة والسداد حتى لا نهلك في الدنيا ونكون من الخاسرين بسكوتنا على الظلم . والحمد لله رب العالمين .

إسماعيل عمران 



   نشر في 29 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا