الجوهرة الكريمة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الجوهرة الكريمة

  نشر في 20 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 22 يونيو 2019 .

إلى روح خالتي الطيبة ....

الجوهرة الكريمة

تقف بين الأحزان والجوع و الفقر و الحرمان ، مشرئبة العنق عالية الهامة مرفوعة الرأس تتجاوز المحن و تراوغ الصعاب و تنير الدروب.

وقفت دائما حاملة آلام أسرة وعائلة ووطن ، تجرعت الأوجاع و كابدت الصعاب و مشت حافية القدمين على الشوك و الجراح و الحاجة ، غير عابئة بالألم و لا الحرمان و لا الدم و لا الآهات.

جاهدت و قاتلت لأجل قوت اليوم و العام ، و تحملت أعاصير ضيق الحال وزلازل المرض و أهوال الجوع و الخوف و الذعر من المجهول ، دون أن ترتكز على قلب قريب أو سند ثابت بل المولى القهار كان الرفيق الوحيد ، و الضمان المتين بعدما انغمست في الوحدة مبكرا بعد رحيل صاحب الدار و البيت و شريك الحياة وهي في عنفوان الشباب ، فتجشمت عناء القوت و دأبت على حماية الصغار و على حسن تأديبهم و تكوينهم على مجابهة العسير، و تطعيمهم بلقاح الشرف تماما كما حملت هي تاج الطهارة و العفاف و الحياء.

هي التي جرت على أصابعها وأناملها الروائح الزكية لولائم الأعراس و المناسبات العائلية ، هي التي رسمت البسمة على قلوب الحضور و الغياب بطرائفها و مواقفها و حيويتها ، فتذوق البدو و الحضر في البادية و المدينة حلاوة أطباقها و احتموا بقوة حضورها و حكمة آرائها.

فكل من يستعرض السنوات و الأعوام الخوالي من الأهل و المعارف ، سيلمح لا محالة تلك التي عصفت بحياتها و بشبابها و بأيامها الرياح الهوجاء العاتية القادمة من كل مكان ، فلانت لقوتها و حافظت على رطوبتها و جعلت من أغصانها التي تتمايل إلى كل جانب صامدة فلا تنكسر في عز الأزمة، بل و تبقى شامخة مدرسة العالم أن السقوط ما بعده إلا الهمة العالية ، و أن استخلاص الرسائل يجعل من الضربات التي لا تقسم الظهر ينبوعا للقوة و الإباء.

في الحقيقة كانت الوطن الذي جمع المحبين و الأهل و سكان الديار ، كانت الكتاب الذي حمل رواية أجيال على الرغم من تفكك أوراقه المبعثرة ، فلا يستيقظ البيت و لا الأسرة و لا العائلة و لا الأهل و لا يجلو الظلام و الحزن ، إلا لما تستيقظ وتشرع في استقبال شكاوى الأخت و العمة و الخالة و الزوجة مانحة للجميع حق اللجوء.

الواقع الذي يتكرر معنا دائما هو أننا لا نتذوق الطعم إلا بعد الفراق والرحيل ، و لا تزهو الأعين بتوهج الجوهرة الكريمة و اللؤلؤة المصونة إلا بعد أفول النجوم ، فتدرك ساعتها أن الكبار ينيرون الليالي الدهماء بالشمعة المقدسة حتى و إن ضاق الأفق ، و اختزلت المساحات فيتسلحون بالكرامة و العفة و الشرف ملهمين الصغار و الكبار و قراء التاريخ.

عليك رحمات الله يا خالتي زواوية ، يا جنة الله في أرضه ، و يا عود المسك الذي كلما أحرقته صعاب الأيام فاح شذاه ، و يا الشجرة التي غطت الغابة معطية من دون انتظار المقابل ، فبقدر ما أراك دائما و أتلمس طيبتك من خلال دموع أمي كلما طفت الصورة للسطح في أوقات الانكسار والحنين ، بقدر ما تحتفظ ذاكرتي بصورة المقاتلة التي لا تتراجع أبدا ، التي أبهجت و أفرحت وساندت بكل بساطة لأنها من المعدن النفيس الثمين النادر.

محمد بن سنوسي

19-06-2019



  • 1

  • بن سنوسي محمد
    مدون حر اطرح افكاري و اسعى للمشاركة في اصلاح المجتمع
   نشر في 20 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 22 يونيو 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا