النفس الأخير - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النفس الأخير

  نشر في 24 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 25 ديسمبر 2018 .

صداع رهيب ...أنفاسي تتبعثر ...جدراني تتصدع ..

حدثني لازلت أصغي ..

صوت خافت من بعيد يقول ، لقد جفت أقلامك و إمتلأت أوراقك

فلا مجال للبقاء ..

بكلمات متقطعة قلت : تمهل قليلا رأفة بي و بقلبي الصغير و عقلي الذي لازال يحمل بين تجاعيده الكثير من الأحلام و الخطط التي لم تكتمل لحد الآن يزداد الصراخ و تتعالى الصيحات بداخلي ، تهتز الأركان و تتمايل الجدران لحدة تلك اللحظات ..

قفازات و بدلات زرقاء عليها بقع من الدماء ، وخزات إبر و العديد من الثقوب بجسدي ، أصوات كثيرة تتزاحم خارج عالمي ، ضعوا الضمادات أحضروا الكمادات ..حرارتي ترتفع اكثر و اكثر

لقد إندلع حريق ..

أين؟

بذلك الجسد الهزيل تتزاحم ألسنة النار الحارقة ..

شخص واقف هناك بنهاية الممر يقول : هيا أسرعوا إصعدوا به إلى الطابق العلوي ، جهزوا غرفة الانعاش ..

حمالة ، أوكسجين و مزهرية فارغة بجانب الفراش ، لقد أيقنت حينها أني كنت أحترق حقا عندما سمعت صراخ والدتي و هي تقول: ما سر كل هذا الدخان ، ما الذي يحدث لك يا بني ؟ ..

و دموع صديقي العالقة بالأجفان تقول: أتمنى أن تعود إلينا بسلام ، في تلك اللحظة تمنيت حدوث الكثير من الأشياء ، الكثير من المستحيلات التي لم و لن تحدث ..

كان كل جزء من جسدي يبكي ..

لم يفهم الأطباء شيئا عن تلك الحالة ، ظنوا أن جسدي يتعرق ظنوا أنها حمى باردة ، لم تكن حمى و لم يكن عرقا ، كان ذوابانا للجليد بداخلي ، إحتراق للغابات بذاتي ..

كانت دموع الجسد و عبرات القلب ...

جسد يلفظ أحلامه الأخيرة و قلب و حواس مشتتة بين الرحيل و البقاء ، حائرة وسط عتمة الغموض ، قابعة تحت مضلة التساؤلات..

جاء الأجل و لا مفر منه ، تلك الأنثى التي ليس لها مواعيد ، ترديك فوق سريرها مرغما لتغازلك بسكاكينها الحادة ، واحد بالبطن و آخر بالظهر و أخير تغرزه بصدرك مخترقة قلبك الصغير دون أن تمنحك وقتا للتفكير تباغتك و ترحل دون إعتذار دون تبرير ....

لماذا أنا ؟ إنتفاضة أخيرة للجسد ، هو صراخ و صرخة أخيرة للحواس ، لماذا أنا ..؟

ما الذي فعلته ، في ماذا أخطأت يا ترى ؟

أظن أني تماديت في أحلامي و هذا كل ما في الأمر ..

كنت صغيرا و كانت أحلامي صغيرة لا تتجاوز باب منزلي ، كنت أكبر و كانت أحلامي تنمو  و تتفرع أغصانها بداخلي و تزهر ، تراكمت أحلامي و إمتزجت الطفولة بحيوية الشباب ، بقيت أحلم و لم يتحقق شيء منها أظن ان المصباح السحري تعطل و لم يعد صالحا لهذا المكان و لهذا الزمان ..

مرت ثلاثة و عشرون على وجودي ، او بالأحرى لم أكن موجودا أصلا ..لم أفعل شيئا و لم أحقق شيئا ، كنت مثل أسير مثل سجين مقيد بالأصفاد ، يرى في بلوغ تلك النافذة و التحديق خارج تلك الغرفة حلما كبيرا ..

عندما كنت صغيرا ، قالت لي ذات يوم معلمتي ، أن حب الوطن من الإيمان ، تعلمت الكثير عن حب الوطن حفظت الكثير من القصائد و الأشعار و تفننت في رسم ذلك الوطن بكل مكان ، حتى على جدران قلبي ..رغم أني لم أفهم ما ترمي إليه تلك القصائد ، إلا أني كنت أرددها بالصباح و المساء و عند كل زاوية و بكل زقاق .

كبرت و فهمت كل شيء عن ذلك السجن الكبير ، كان حب الوطن فطريا بداخلي ينمو مثل زنبقة برية بضفاف قلبي ، كبرت و صار حب الوطن اليوم  بالنسبة لي دربا من الخيال ، تلك الزنابق بداخل قلبي ذبلت و ماتت و ها أنا اليوم ألحق بها بنفس القطار الذي ركبته بالأمس .

روحي تغادر جسدي ببطء حاملة حقائبها معلنة عن رحيل بلا عودة ، إنفصال و فراق بدون رجعة ..

يمر شريط من اللحظات السعيدة أمامي ، ذلك الطفل الصغير يلعب أمامي ، أمي أصدقائي ، شيء من طفولتي ، و دقائق من الصفاء

صوت متقطع لتلك الاجهزة من حولي ، نفس أخير ..أمي .

أفقد حواسي شيئا فشيئا ، أفقد نبضاتي و أنفاسي ..

ثلاثة وعشرون شتاءا باردا بجليده و صقيعه و ثلوجه ، كلها توضع فوق جسدي ، لم أعد أحس بشيء توقف كل شيء بداخلي ، إلا أنتم لم تتوقفوا عن القراءة ..

لم أترك شيئا ورائي سوى بضعة خربشات و حروف و رسومات حزينة قد لا تعجبكم ، لم أترك إسما لم أكن مشهورا

كنت طيبا مع الجميع ..كنت مثل حبة السكر ..

ولكنني ذبت الآن ..و ذابت معي الكلمات ..رجاءا 

لا تنسوا حضور جنازتي بالمساء ..


  • 4

   نشر في 24 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 25 ديسمبر 2018 .

التعليقات

اقول ابشر بسطوع القمر و هطول الغبطة و رحيل الضجر و اطلالة خير البشر فالقدر كله بيد المقتدر و امسح الدموع و اخرج لصلاة الفجر مبتهجا سعيدا باداء الواجب و التنعم بنعم الرحيم الجبار اما المنية فلما تطرق الباب لن يردها اي ذي كبد رطب و لكن علينا التمتع بالساعات و النسمات فالحياة ليست كما يعتقد البعض حريق مستعر بارك الله فيك
2
Abdelghani moussaoui
و فيك الف بركة ..
أضفت الكثير بمرورك ..بكلماتك المتفائلة المشرقة ..
تلاشى ضباب الحزن بمقالتي ..شكرا جزيلا
صدقت فالحياة ليست كما يعتقد البعض حريق مستعر ...تحياتي
asia 31 منذ 9 شهر
تعجبني كلماتك ، مولعة بحزنك ..
تأخذنا الى عوالمك الجميلة ..سلمت يداك يا مبدع.
4
Abdelghani moussaoui
شكرا جزيلا
مريم منذ 9 شهر
امسح عنك هذا الجزء من التشاؤم ...اجعل قلمك الساحر يسحرنا بمشاعر متفائلة مرهفة...عبد الغني..عد إلينا بالأمل..ارجوك.
5
Abdelghani moussaoui
اشكرك على مرورك الأنيق ..
صدقت في كل كلمة قلتها ...الحزن يسيطر على كتاباتي ..اظن انها الشتاء ..هههه
تحياتي إليك ♡

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا