أكذوبة تغيير العادات - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أكذوبة تغيير العادات

لماذا نفشل في التخطيط والتغيير

  نشر في 01 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2019 .

 سنة 2009 كانت أول سنة أحضر فيها لدورة من دورات التنمية الذاتية، موضوع الدورة يمكن إدراجه في عدة مجالات مثل الإدارة والتنظيم كونه كان حول التخطيط، الدورة كانت مع المدرب القدير الدكتور محمد المطيري من تونس، وعنوان الدورة كان :"كيف تخطط لحياتك".

بعد الدورة، شأني كشأن المبتدئين رجعت منها أنا وزوجتي بطاقة كبيرة من الحماس، وكلنا رغبة متقدة في تغيير حياتنا للأفضل، ورغم توصية المدرب بعدم تحديد الكثير من الأهداف الكبيرة والاهتمام أكثر بتحديد الرسالة إلا أنني تناسيت كل ذلك فقمت بوضع قائمة طويلة عريضة بكل الأهداف التي أريد تحقيقها.

في البداية كنت ملتزما نسبيا بتحقيق الأهداف، فمثلا من الأهداف التي سطرتها حفظ القرآن الكريم: فعلا واظبت في البداية على حفظ ما تيسر من كتاب الله بعد صلاة الصبح، ومن جهة أخرى حسَّنَا كثيرا من جودة الأطعمة التي نتناولها في البيت محافظين ما أمكن على عادات صحية طيبة، واستمر الحال لبضعة أشهر. مع توالي الأيام، وبما أن الحياة عبارة عن مسلسل من الاستثناءات تتخللها لحظات عادية، فأنني ضِعت مجددا بين دروبها، وصرت أتخبط مجددا بين الالتزام بالخطط التي أضعها وأراجعها بين الفينة والأخرى، وبين العودة لإيقاع الحياة العادي من إدمان لمشاهدة المسلسلات على الحاسوب، ونهم على متابعة مباريات كرة القدم، وإضاعة أوقات كثيرة في ما لا يفيد.

صحيح أنني أتحدث الآن عن حياتي قبل وبعد 2009، لكن مع رؤية وتحليل محايدين من الخارج ، لا أستطيع ذكر تغيير حقيقي ملموس، على الأقل مما يراه الآخرون: فمن الجانب المادي لا زلت أقبع مع الطبقة المتوسطة بعد أن صرفت كل مدخراتي على مشروع مقاولتي الناشئة التي لم تقلع بعد ثلاث سنوات من النشاط على الورق، ومن الناحية الصحية لست من الأشخاص الذين يفخرون بصحتهم، فبالكاد أستطيع إكمال حصة من التدريب بالنادي على رياضة التايكواندو، هذا التدريب الذي لا ألتزم فيه أيضا والقائمة طويلة من الأشياء التي قد لا تبدو للعيان، دون ذكر باقي الجوانب التي لم تتحسن كثيرا، بعضها تراجع وساء أيضا.

سفر غَيَّر الكثير

لم يكن يخطر ببالي أن سفرا عاديا على متن سيارة أجرة سوف يقدم لي أجمل هدية في سنة 2018، فأثناء هذا السفر من تطوان نحو العرائش، ألصقت سماعات الهاتف بأذني وفتحت تطبيق اليوتيوب، باحثا عن أي شيء يمكنه تسليتي خلال رحلة السفر، من حسن الحظ أنني أجريت بحثا هادفا حول مشكل التشتت الذي بدأت أعاني منه في العمل، فاكتشفت صدفة فيديو حول الانضباط الذاتي مُعَدٌ عبر رسوم بسيطة، واستفدت أهم درس لي في سنة 2018، هذا الدرس هو كالتالي : إذا أردت أن تغير حياتك فابدأ بتغيير عادة واحدة فقط، ولا تضف إليها عادة جديدة حتى تضبط العادة التي قبلها، إلا في حالة إن كانت العادة الجديدة متناغمة مع العادة الأولى ـأو نتيجة حتمية لها، مثل عادة الاستيقاظ باكرا التي تضمن بشكل كبير الذهاب للعمل في المعاد.

الفيديو تحدث عن قصة شخص كان يعيش مع والدته وأخته الصغرى، وكان شخصا غير مبال حتى وجد نفسه فجأة ليس مسؤولا فقط عن نفسه ولكن أيضا عن أخته الصغرى بعد وفاة والدته، فاضطر للبحث عن عمل، وهنا كانت البداية في طريق تغيير حياته للأبد، فقد ركز على هدف واحد فقط وهو عمله المتواضع الذي كان يأخذ منه كل وقته، فكان يعمل طوال اليوم وفي الليل كان يتناول الوجبات السريعة هو وأخته، مع المدة قرر أن يتخلص من الوجبات السريعة وأضاف عادة جديدة وهي إعداد الطعام الصحي له ولأخته في البيت، بعد مدة أكمل دراسته وواظب عل الحضور حتى التخرج، كل هذا وهو محافظ على عمله وعلى إعداد الأكل الصحي كل يوم، بعد تخرجه اشتغل أخيرا في وظائف أكثر راحة وأوفر دخلا من عمله القديم، كما أنه أمَّن لأخته مصاريف الدراسة في الجامعة أيضا.

لو بدأ صاحب القصة في العمل والدراسة وإعداد الأكل الصحي في وقت واحد أكيد كان سيتوقف بعد مدة، ويعود لحالة أسوء من قبل.

حسنات اليوتيوب

من حسنات اليوتيوب خوارزمياته لاقتراح الفيديوهات، بعد مشاهدتي لهذا الفيديو الرائع، بدأ التطبيق يقترح عليَّ فيديوهات حول رفع التركيز والانضباط الذاتي ومحاربة التسويف، بفضلها تعرفت على تقنية البومودورو البسيطة والفعالة التي صرت أعتمدها في كل مرة أشعر بالكسل وعدم الرغبة في القيام بمهام مملة لكنها ضرورية، كما تعرفت أيضا على مبدأ الخمس ثوان (إذا ساورك التردد للقيام بشيء هو في مصلحتك وليس مضرا، فما عليك سوى العد من 1 إلى 5 والقيام به)، ومبدا العادات الصغيرة (إبدأ بعادات صغيرة جدا يسهل عليك المواظبة يوميا عليها)، كما أنني خطوت خطوة مهمة في التحرر من سجن الشبكات الاجتماعية....

صحيح أنني بعد ذلك صرت مدمنا على بعد القنوات مثل قناة Thomas Frank وقناة علي محمد علي، إلا أن فوائدها علي كانت كبيرة والحمد لله،سواء في المجال المهني أو في المجالين الصحي والتطوعي، خاصة أنني أستمع لمحتوى الفيديوهات أثناء قيادتي للسيارة التي تأخذ مني تقريبا ساعة في اليوم.

خلاصة القول

رغم أن موضوع التنمية الذاتية فقد الكثير من هيبته شأنه شأن الخطاب الديني لعدة اعتبارات، إلا أنه يمكن دائما الاستفادة منه في مجال تنظيم الوقت والتخطيط والتحفيز والانضباط الذاتي، وتبقى قواعد ذهبية خالدة عبر الزمن، مثل الإكثار من القراءة والحفاظ على صحة جيدة، ومخالطة الإيجابيين، والتحكم في نزوات النفس فلا نطلق لها الحبل على الغارب لتأخذنا.

طريق التغيير يبدأ بقرار، والتغيير يأتي رويدا رويدا، فكل القصص التي تتخللها وفجأة تغير البطل، هي في الواقع تختزل سنوات ومجهودات للتغير، لا نحب سماعها لأننا ذلك يحملنا مسؤولية تغيير أمورنا، بدل انتظار اليوم الموعود الذي تنزل علينا فكرة خطيرة، أو يحصل شيء يغير حياتنا للأفضل. 


مصدر صورة الغلاف : https://unsplash.com/photos/aOYA7D3fse8


  • 4

  • ضياء الحق الفلوس
    طالب علم في مدرسة الحياة. مهم بالتنمية الذاتية و طالب في الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية. مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. المسؤول الوطني عن المسابقة الوطنية للبرمجة للطلابMCPC مؤسس مشار ...
   نشر في 01 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2019 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 3 شهر
معلومات قيمة أستاذ ضياء الحق ، فعلا أفدت القراء ، دام قلمك سيدي الكريم.
2
ضياء الحق الفلوس
شكرا جزيلا على المرور والتعليق، مقالات مشابهة قادمة إن شاء الله
ما أجمل مقالك هذا.. عزيزي ضياء .. حقا لقد أضاء لنا في كيفية تغيير و لو قليل من عاداتنا.. دمتى بكل خير ضياء يسعدنى القراءة لك
2
ضياء الحق الفلوس
شكرا جزيلا عزيزي، يسعدني أن مقالي نال إعجابكم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا