هل فعلا مات القائد الصالح ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل فعلا مات القائد الصالح ؟

سميرة بيطام

  نشر في 26 ديسمبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 27 ديسمبر 2019 .

اسم على مسمى ،الفريق أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الجزائري في ذمة الله يوم الثالث و العشرون ديسمبر 2019، تاريخ لن ينساه الجزائريون و هم يشيعون جنازته في مرافقة له يوم الأربعاء 25 ديسمبر 2019 ، كان علينا أن ننتبه الى اسم لم يكن عاديا ، ولد في منطقة فجرت ثورة ضد المستعر الغاشم ، و ترعرع في وسط شعبه المتواضع و السخي ، كان لا يمثل القوة و الشموخ فقط بل الإنسانية أيضا ملتفة حولها كلمات الحب لشعبه الذي وعد بأن يرافقه في أصعب محنة مرت بها الجزائر نحو التغيير السلمي ، لمدة عشرة أشهر و الرجل يجول ربوع الوطن في رسالة نبيلة يتفقد جنود الجزائر و يتحدث اليهم في تحفيز لهم من أن الوطن الذي لا ثمن له ،و لا أحد انتبه أن الرجل في جولاته كان في رحلة مودع لوطنه و لأبنائه من علمهم كيف يحفظوا اسم الجزائر قلبا و قالبا و قد دربهم على الاستعداد و الوثوب في أي لحظة يتهدد فيها صرح الجزائر الذي سقاه الشهداء بالأمس بالدماء ، و قد حرص المرحوم أن يفي بوعهده الذي أسداه لشعبه بأنه لن يسمح باسالة قطرة دم واحدة و قد فعلها بتوفيق من الله و بصحوة شعبية التفت هي الأخرى لتشييع الفقيد الى مثواه الأخير، في مرافقة شبيهة بمرافقة الأبناء لوالدهم الذي رباهم .

قال كلاما مثقلا بالأمانة و المسؤولية في عمر قل ما يبقى فيه الرجال في مناصب المسؤولية ، الا أن المرحوم الشهيد كتب الله له أن ينتقل الى جواره بعد أن يوصل سفينة الجزائر الى بر الأمان و قد كان عند وعده في قيادة ربان ماهر و ذكي ، صفات و خصال توفرت في القائد الصالح و امتزجت بالصرامة و الانسانية و قلما تجتمع هاتين الصفتين في قائد وعد فأوفى ، أي كلمات ستفي حق هذا الرجل بعد أن قدم نفسه فداءا لوطنه و لم يخش في ذلك لا رصاصة و لا غدر و لا خطر قد يفتك بحياته ، هو الشرف من يجعل هذا الرجل يمشي بخطى كلها ثقة و اخلاص و تطلع لجزائر جديدة ، في الوقت الذي يعتبر السياسيون أن مرحلة الانتقال نحو التغيير هي من أصعب المراحل و التي عادة ما تصاحبها نظرية الصدمة الذي يحدثونها في شعوبهم ليعرفوا حجم المشكلة أو المعضلة في البلد أو يلجئون لقمع شعوبهم لإسكات صوت التغيير ، لكن القائد الصالح لم يصدم شعبه بل رافقهم كأب يتابع خطى أولاده و يحرص على أن لا يمسهم سوء أو ضرر.

فدائما رسالة الشرفاء تحمل في طياتها الوعد و أحرفها تكتب بماء الذهب و مضمونها يترجم بلغة واحدة هي لغة الوفاء ، و قد عاهد فأوفى ، في الوقت الذي تستبد فيه القادة على شعوبها و تشربهم ماءا جافا للديمقراطية و للحرية ، لم يكن للجزائر أن تعرف هذا التحول لولا حنكة و ذكاء و شرف الشخصية التي حباها الله بالحماية و التأييد ،و انه لمن أصعب المهام أن يشرف رئيس الأركان السيد الفريق أحمد قائد صالح رحمه الله على قيادة  القوات العسكرية برا و جوا و بحرا في حراسة يقظة لحدود عروس البحر الأبيض المتوسط ، ليست الحكمة تعطى لأي كان بل لمن كبر في وسط الشعب و أكل من صحن واحد و بملعقة يتداول على الأكل بها جنود النضال ، هي صفة من خصال الرجل من حرص على بناء مدرسة قرآنية و دشنها بنفسه لتبقى تعطي له من الحسنات و الأجر ما سيؤنسه في قبره الآن ، الشرفاء وحدهم من يحرصون على دينهم فلا تلهيهم سلطة و لا تغريهم كماليات و لا أبهة بذلة عسكر، كل ما في الأمر أنه كان مجاهدا حقا يحرص على دفن أصدقائه من توفوا في ميدان الشرف بيديه ابان الاستدمار الغاشم ، و للرجل مناقب كثيرة و كثيرة قد يكون بعضها مخفي ليتركها في سريرته بينه و بين ربه .

طيلة عشرة أشهر و الرجل يتعرض لحملة شرسة من الداخل و من الخارج لكنه كان غير آبه بها و لا حتى مستمع جيد ، بل كان مركزا على هدف واحدا و هو اخراج الجزائر من مرحلة عصيبة كانت بمثابة مخاض عسير تحمل فيه القائد الصالح الكثير من المتاعب في سن كان من المفروض أن يرتاح بعد مشوار ثقيل من المسؤوليات في سبيل الوطن رغم نصيحة الأطباء له بضرورة الراحة ، الا أنه عرف حجم الخطر بالجزائر فأكمل الوعد الى أن سلم الأمانة للرئيس المنتخب ، ثم تقلد وسام الصدر ليذهب الى بيته الذي توفي فيه ثم ينتقل الى جوار ربه حتى يرتاح الجسد الذي جاب الوطن و قال خطابات مطمئنة لشعبه  من أجل أن  تستمر رحلة التغيير في سلمية و رفق كبيرين ، فهل نستطيع الآن أن نقول أن القائد الصالح مات فعلا ؟.

رحل جسد و لم ترحل أفكار ، رحل جسد ولم ترحل سيرة محملة بالعطاء و التضحية ، رحل جسد و لم ترحل أسطورة رجل قدم للجزائر ما وعد به و رافق شعبه الى بر الأمان ثم ترجل فرسه ، رحل جسد و لم ترحل كلمات من بينها أن الوطن ليس له ثمن ، رحل جسد و لم ترحل وصايا سيحملها أشبال الأمة مشعلا لإكمال المشوار، و في عقولهم و دمائهم تسري عبارات حب الوطن و التضحية من أجله .

هكذا يجب أن يكبر الرجال حقيقة و ليس الذكور و هكذا يفي الوطنيون حقا و ليس الخائنون ، هكذا تمشي الأسود على تراب أوطانها حرصا و حماية لوطن وشعب و دولة ، و ليس كمن يبيع الوطن بأرخص الأثمان ليرضي عدو الله و عدو الإنسانية .

لم يمت القائد الصالح ، هو حي في عقولنا و قلوبنا ، لم يمت القائد الصالح ، فصلاح أعماله أنهتها حسن خاتمة و أعطتنا درسا واحدا كأنه يقوله لنا بعد موته :

من أجل الجزائر يهون كل شيء لتنطلق الابتسامة المريحة لجسد منهك بالمسؤوليات و القلب و الضمير مرتاحين لأن الشهيد لم يخن و لم يبع الوطن ،بل مات في سبيل تحرير الوطن و ميلاد الجمهورية الجديدة فيه .

رحم الله الشهيد الفريق أحمد قائد صالح

رحم الله شهدائنا الأبرار

المجلد و الخلود لهم، عاشت الجزائر حرة مستقلة

و على الدرب سائرون بإذن الله 


  • 5

   نشر في 26 ديسمبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 27 ديسمبر 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا