النزعة المثالية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النزعة المثالية

"فإما حياة وإما ممات"

  نشر في 28 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 18 أبريل 2019 .

المثالية تعني تقصي الأمور والسعي لكمال مزعوم أو الوصول لمراتب موهومة لا توجد إلا في الذهن ويتعذر إقامتها في الخارج , والمشكلة أن آثار المثالية السيئة لا تنحصر في المثالي بل تتجاوزه لمن حوله بل وإلى المجتمع حيث يحملهم هذا المثالي على الشطط والانكسار إذ أنهم يعجزون عن بلوغ ما يصبو إليه المثالي من خيال عريض وعاطفة مشبوبة.

ولهذه النزعة وجود في التاريخ ولها تمثلات في أعمل بعض الفلاسفة والكتاب , وكأن هؤلاء مع نفاذ عقولهم لا يرون الواقع أو لا يرون من الواقع إلا ما يحدثون به أنفسهم أنه منطلق لإقامة هذه المدينة الفاضلة حيث يقومون بعملية فصل بين الواقع وبين العلاقات الاجتماعية والمؤثرات التي تحف بهذا الواقع والمحددات السابقة مما يؤثر على أحكامهم وفهمهم لهذا الواقع والسبل المعقولة للارتقاء به , ولعل إغراقهم في النقد وعنايتهم بالشأن العام مع عدم مماستهم للناس وظروف عيشهم وبعدهم عن آثار النبؤات والتي تحفظ للناظر في أحوال المجتمعات فهمه وحكمه بحيث يراعي النقص والضعف والعجلة التي مُني بها البشر كحال لازمة وفي كل عصر , وهذا هو الذي ينحى بهم لمثل هذه التصورات الجزئية , مع أن المتعين هو السعي الحثيث في تطلب المصالح التي تتشوف إليها الشريعة ولو مازجها شيء من المفاسد اليسيرة والتي لا تكاد تعكر صفو هذه المصلحة العظيمة وأما ما ترجحت مفسدته فما أنزلت الكتب ولا أرسلت الرسل إلا لإغلاق الأبواب بإحكام أمام ما يفسد دين الناس ودنياهم والقيَّم على ذلك هم الربانيون من كبار الشيوخ لا آحاد المتعلمين وأنصاف المتثقفين , بينما النزعة المثالية لا تنحوا إلا إلى نور لا ظلمة معه وهذا يصعب في هذه الأزمان , وهذا النور بغية كل طالب وقد يتمحض مع النية الخالصة واستفراغ الوسع إلى خير الخيرين , وكذلك تعذر شيء من هذا في سنوات الإسلام الأولى وإن كانت النموذج الذي يؤكد لنا إمكانية التطبيق العملي لهذا الدين ومع ذلك نراعي أنها كانت سنوات معدودة يشرف عليها نبي معصوم يتلقي الوحي من السماء وتركزت في المدينة ولم تخلوا من كبيرة وصغائر بل وردَّة , وللأسف فالبعض يظن أن التحذير من النزعة المثالية دعوة للانفلات بينما من رُزق العلم الواسع والعقل الراجح يعلم أنه دعوة للاستقامة الممكنة والتقوى المستطاعة والتي درج على تقريرها أئمة الإسلام.

وهاهي المدينة الفاضلة لأفلاطون ومدينة الله لأوغسطين ومدينة الفارابي وكتاب اليوتوبيا لتوماس مور حيث تخيلوا مدن فاضلة يسودها العدل وتتكفل لقطانها بالسعادة والوئام , وسبب نشؤ هذه المدن في المخيال الفلسفي هو قصور النظر على الواقع المعاش وعدم ربط المجتمع بالتاريخ الإنساني العام وعلل تطور المجتمعات وأسباب سقوطها وكذلك الميل إلى تصور المجتمع ككتلة واحدة قابلة للسكب في قالب واحد كبير يصوغها في مسار يوتوبي محكم ولم يتمكن هؤلاء الحالمون من الجمع بين النظر للمجتمع كوحدة جامعة وبين كل فرد من أفراده ككيان مستقل يحمل أفكار وأشواق ونقاط ضعف ونقاط قوة , وكذلك ضعف البصيرة بسنن الله في المجتمعات وفحوى الرسالات الإلهية والتي حملها أنبياء لهم بصر بطباع الناس وتحولاتهم الفكرية والمعيشية ولذلك كانوا يأكلون الطعام ويماسون الناس ويعرفونهم عن كثب لا عن كتب كحال الفلاسفة.

إن صاحب النزعة المثالية شغوف بنفسه , وهو لم يقل هلك الناس إلا لأنه أَهلكهم فهو مزهو بحاله يرى لنفسه على الناس فضل وبهذا يَهلك وهو كذلك يُهلكهم لأنه يزرع في قلوبهم اليأس من صلاح الحال وأن من المحال تغير الحال , بينما الأجدر بالمرء أن يحيي في نفسه جذوة النشاط والإقبال ويحرك مكامن الايجابية في نفوس من حوله كي يتعاونوا على البر والتقوى.

وللنزعة المثالية أسباب منها قلة المعلومات ونقص التجارب وضعف العقل فصاحب المعلومات الكثيرة عن الناس والمجتمعات وصاحب الخبرات العريضة والعقل الكامل المدرك للمعاني العميقة يكون لديه من السعة واحتواء الناس وتقبل ما جبلوا عليه أكثر من غيره فيرتاح ويرتاح الناس من حوله , أما حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام فهؤلاء تتوزعهم المشارب ما بين غلاة ومفرطون بسبب النزعة المثالية فالغالي يُركب الناس المراكب الصعبة والمفرِّط لم يفرِّط إلا بعدما يئس من نفسه ومن مجتمعه فراح لا يلوي على شيء إلا إشباع حواسه الخمس مما حل وحرم قبل فوات الآوان كما يُخيل إليه أنه كاسب وهو خاسر في حال مثاليته وفي حال تفريطه , ومن أسباب ذلك أيضاً الخطاب وحملة الخطاب فقد مر بالأمة ردحاً من الزمن صار المعول فيه على مخاطبة العاطفة على يد مجاميع من الخطباء الصادقين المفوهين ولكن الخطاب الملتهب لا يكفي والخطاب العاطفي لا يكفي ومعرفة سنن الله في الآفاق والأنفس ليست ترفاً بل واجب العصر والمجدد الحقيقي هو من يجمع بين خطاب العقل وهتاف العاطفة ويعرف الحق ويعرف ماذا يقول من الحق ولمن يقول ومتى وأين وكيف!



   نشر في 28 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 18 أبريل 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا