ظل الشجرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ظل الشجرة

  نشر في 28 غشت 2016 .

ظل الشجرة

قد يصادفكم في الرمال يوما كنزا فإما أن تستخرجوه أو تتركوه فحتما سيجده من يقدر قيمته ويحسن استخدامه. تلك هي العبرة من قصة ظل الشجرة. فأجمل الأشجار تلك التي لا تبخل علي الانسان بمنافعها. أجمل الأشجار تلك التي إن أحصينا نوافعها لم

تنته. ذلك الرجل انتقل ذات يوم للعمل في بلدة بعيدة عن محل إقامته. في تلك البلدة لم يكن يوما سعيدا لا بإقامته في المدينة الجديدة ولا بعمله فهو يجد ويجتهد ولكن المقابل ضئيل للغاية حتي أنه لم يكن سعيدا بمن حوله ولم يكن من السهل أن يتعايش

معهم فهم جدا مختلفون. كان يعاني اختلاف اللهجة والعادات والتقاليد المتسلطة, وظل يعاني كثيرا في محاولات غير مجدية أن يكون صداقات جدية تساعده علي تخطي حاجز العزلة التي قد يعاني منها لو استمر لوقت أطول هكذا وحيدا. كانت للمدينة طباعا تختلف كثيراعن مدينته الكبيرة الصاخبة والجاذبة للسكان وكيف وتلك المدينة حيث يعمل كانت طاردة حتي لسكانها وليس فقط للباحثين عن لقمة العيش فيها.

لصعوبة الأمر اضطر أن يتقبلها فليس لديه خيارا آخرا, إمكانياته العلمية والمادية محدودة ولا تؤهله لغير تلك الفرصة. استسلم وتقبل إقامته بالمدينة البعيدة علي أمل أن يحدث الله بعد ذلك أمرا. الطريق من العمل إلي محل السكن لم يكن بالسهل بل كان

طريقا وعرا وليس مأهولا حتي أن مواصلاته سيئة وغير ملائمة لطبيعة عمله ومن الصعب أن يستقل يوميا سيارة خاصة له وحده فالأمر مكلف. لم يكن يري حوله أي جميلا لا في العمل ولا في السكن ذو الامكانيات الأقل من محدودة ولا في البلدة صغيرة المساحة وضعيفة الإمكانيات.

صادف يوما شجرة ذات جمالا ملفتا. لاحظ كم هي عالية وكثيفة الفروع, لفتت نظره بأوراقها المتدلية من جميع الجهات وهي تحمل من الثمرات الكثير. ظل يوميا يمر من ذلك الطريق سيرا علي الأقدام ليمر بشجرته. أصبح مرتبطا فقط برؤية الشجرة وكأنها أصبحت فجأة بمثابة قهوة الصباح فإن لم يرها يوما تعكر صفو يومه. الأكثر من ذلك هو أنه أحس بأن بينه وبين تلك الشجرة ستكون هناك قصة. كان يحوم حول الشجرة وكأنه يدرس ويتأمل تفاصيلها, إنها فعلا جميلة, لها أوراق زاهية اللون ولها أغصان مرتفعة عن الأرض تكاد تلمس السحاب, كانت تفاصيلها جذابة لتلفت انتباه كل من يمر بها. اعتاد أن يمر بها كل يوم, اعتاد علي رؤيتها والاستمتاع بمنظرها, حتي أنه اعتاد أن يجلس في ظل أغصانها ليتمتع بعطر أوراقها. كم من الكتب التي قرأها واستمتع بها تحت ظل الشجرة, وكم من نسمات عذبة داعبت خياله وصافحت ذكرياته, فقد عزف ظل الشجرة بمخيلته ألحان كم أطربت أحلامه وأسعدت أيامه. عاش ماضيه في حضن الشجرة و عشق حاضره بفضل الشجرة. ركن اليها مستمدا منها قوة وصلابة مكنته من مجاهدة نفسه والتغلب علي غربته بل ومواصلة أهداف أقوي من مجرد كسب لقمة العيش لتأخذه بظلها الي ما هو أبعد من ذلك بكثير, فمعها حقق أكثر مما كان يأمل وما كان ليخطر بباله.

لكثرة تردده عليها والجلوس تحت أغصانها ليستظل بها عرف الناس بقصة الشجرة وتسائلوا فيما بينهم عن قصة الرجل والشجرة. فروي لهم قصته معها وكيف عثرعليها بمحض الصدفة, روي لهم الكثير والكثيرعن تلك الشجرة وأنها قد غيرت أخيرا من وجهة نظره حيال تلك المدينة البعيدة وكيف لا وهي بالنسبة له كمن عثر علي كنز جميل فأخيرا عثرعلي شيئا جميلا بتلك البلدة التي ما كانت تمثل له إلا منطقة نائية للعمل وكسب لقمة العيش.

لكثرة رواياته عن الشجرة اتجه عدد من زملائه ليبحث عنها ويكتشف السر الذي غير من زميلهم الجديد وعدل من حالته المزاجية والنفسية. البعض كان يمر ليلقي نظرة علي تلك الشجرة, والبعض وجدها بالفعل مختلفة عن باقي الأشجار فكم هي جميلة ومختلفة, فقد لمحوا فيها تلك الألوان الزاهية والأغصان القوية , تلمسوا فيها شموخ كاد يعانق السماء. أثنوا علي كنزه وشاركوه الرأي بأنها بالفعل نادرة وعليه أن يهتم بها ويحافظ عليها فالكنوز أيضا تضيع لولا الاهتمام.

من هنا بدأت بدأت قصة الشجرة وصديقها الولهان ..... الذي مابات أن أصبح بها مولعا. كان يحكي عن شجرته ويتباهي بما وجده منها من ظل ودفء وجمال غير معهود, كان في كل مجلس يروي عن تلك الراحة النفسية التي ما عاشها قط إلا في ظل تلك الشجرة. الرجل لم يكن ليحكي عن الشجرة فقط إنما أكثرعن ذكاؤه في اكتشاف تلك الشجرة وكيف بدهاء غير معهود عثر عليها, كان يتباهي بنفسه أكثر من كنزه اللذي عثر عليه بمحض الصدفة أو دعونا نقول أنه القدر. فقد كانت الشجرة بالنسبة له هي تلك الهبة التي أهدته إياها الطبيعة لتعوضه عن غربته وبعده عن الأهل والأصدقاء فهذا فقط ما كان يردده بينه وبين نفسه وكأنها الحقيقة التي لا يجب أن يسمعها غيره.

يوما يلو الآخر وبمرور الوقت لاحظ البعض أن الشجرة لم تعد كما كانت بل انطفأ ذلك البريق الذي كان يسلب الانظار, تدلت الأغصان وتدنت من الأرض, بهتت أوراقها وأحترقت أطرافها وكأنها محاطة بالرماد!!!!

نعم كانت محاطة برماد جعلها باهتة وليست بتلك النضارة المعهودة فصديق الشجرة كان السبب !!!!!!, يوما حارا يستظل بها ويوما باردا يشعل تحتها النار لينال الدفأ, وثمارها يتركها في الأرض فهو لا يريدها بل يريد الشجرة, هكذا استطرد في حديثه عن الشجرة وإذا بعلامات الذهول تجتاح وجوه زملائه الذين سارعوا بالاستفسارعما ألم بالشجرة و ما آلت إليه. كيف لك أن تشعل النار لتنال الدفأ, أولا تعلم أنك ستدمرها ولن تنمو لها أغصان وسوف تموت الثمار? فكان رد الأبله أنه لا يريد ثمارا بل يريد الشجرة فهي عنده أهم من الثمار!!!! كان يعلم بمدي قوة الشجرة وأنها ستستمر رغم كل مايقوم بها, كان يردد بينه وبين نفسه أن شجرته لن تتخل عنه ولن تنال منها أفعاله, بل ستظل جميلة وسيستمتع دوما بظلها.

ارتسمت علامات السخط علي وجوه زملائه ونصحوه بأن يتعقل فلا يمكن للانسان أن يدمر شجرة كتلك ومؤكد ستكون الخاسر. لكن الأبله ورغم عشقه للشجرة استمرعلي نفس المنوال فهو يؤمن بأنه وفي أسوأ الأحوال سيجد في حال ماتت شجرته عيرها الكثير من الأشجار الأخري وسينال من الدفأ مايستحق. تلك العقلية المريضة سولت له أن يقتل بيده جمالا قد لا تراه عينه مرة أخري ولن يألفه قلبه أبدا بسهولة. لم تمت الشجرة ولكن أدارت عنه وجهها الجميل ليري منها قبحا لم يعهده. فما كان منها إلا أن ذهب بعيدا باحثا عن ظل آخر يلجأ إليه.

الشجرة ما هي إلا انسان سرعان ما استجمع قوته ليدرك أن الحب نعمة من السماء يتلوث ويقبح إذا مانزل الأرض. هي عاتبت ولامت, انجرحت وصبرت, قاومت لتستمر ولكن وصلت إلي محطة النهاية. كان عليه أن يتوقع ويستوعب أن صبر البعض ليس بضعف وقلة العتاب ليست استسلام هما فقط مجرد إنذار فإذا ماوصلنا إلي محطة النهاية أذنوا لمعذبيهم بالرحيل وكانوا أول من يوصد الباب ولن يفتح مرة أخري ولو بعد حين. هذا هو مبدئها كانسانة: فالمرور من عنق الزجاجة ما كان أبدا باليسير, وتوقفها عن العتاب يعني أنها تعفيه من قسوة سينحني لها ظهره ويموت بعدها قلبها. فلا داعي أن يفرح بصمت ليس من ورائه إشارة سوي أنه مابت لها شيئا.

عفت عنه ليس علي سبيل الرحمة وإنما لن تقتل قلبها مرتين مرة بيده وأخري بيدها فهو قاتل لصرح حب كان له بالأمس ظلا ودفئا. اعترف لهم بحبها وأنا علي ذلك الحب شاهدة والحب والموت كما قال درويش: وعد لا يرد, فقد أخبرته بادئ الأمر بأن يصون قلبها ولا يجرحه فإنه فيه وهو الوحيد ساكنه, تعاهدا وهي علي سحاب الهوي هائمة تعلم بأنها ستغرم به منذ أن قرأت حروف اسمه ...... والآن ها هو قد خان العهد.

تلك الانسانة عهدت في لحظة إلي الانتقام حتي بعد أن جاء الإعتراف منه بالحب صريح إنما علي مسامعها صريع. جاء الاعتراف ليمسح رمادا خلفته قسوة أودت بقلب ماعاد ينوي الرجوع وهوالآن يكتب له فيتأثرغيره. ذهبت معه إلي حافة الجحيم وأرته حجم انتقامها وعادت.....وعاد ...... إنما في طريقين متباعدين لتبقي علي آخر ما تركه لها الزمن..... فقط الذكري. هي ليست من هواة الانتقام وقلبها أبدا لم يسلك له طريقا, والحقيقة أنه ماكان منها الا أن تريه سوء ما اقترف, وأن تدير له ولو لمرة واحدة المرآة ليري حقيقتة التي كم أنكرها.

سأذهب معك إلي آخر ما يسطر قلمي لأرثي حالك, فكما عهدتك مرارا تهوي هجري فما عاد لك مني الا إجتنابك.

قد تسعدكم الطبيعة بجميل تنعم عليكم به إذا هي عنكم راضية, فإن غضبت أذنت بدمار ليس منه نجاة وتمنحكم الحياة كنوز تعتادوا عليها حتي يصل الأمر أن لا تقدروا قيمتها و بإهمالها تموت وليس بعد الموت حياة.



  • 1

  • أميرة أحمد
    طالبة دكتوراة في تخصص اللغة الفرنسية وآدابها
   نشر في 28 غشت 2016 .

التعليقات

Mostafa Abdo منذ 3 شهر
قد تسعدكم الطبيعة بجميل تنعم عليكم به إذا هي عنكم راضية, فإن غضبت أذنت بدمار ليس منه نجاة وتمنحكم الحياة كنوز تعتادوا عليها حتي يصل الأمر أن لا تقدروا قيمتها و بإهمالها تموت وليس بعد الموت حياة.............................................................
مقال جميل ..وتشبيه الشجرة رائع جدا .. لكن الطبيعة لا تنعم علينا ولا ترضى عنا ولا تغضب .. بل الله هو المنعم.. وهو الذي كرمنا وأمرنا بإعمار الأرض وهو الذي يغضب حين نفسد فيها وهو الذي يعطي ويمنع .. يحرم ويمنح ..بيده ملكوت كل شيء..سبحانه وتعالى ... استدراك بسيط ليستقيم المعنى ..
1
أميرة أحمد
اشكرك علي التعليق. ولكني عمدت علي استبعاد لفظ الجلالة من الكتابة سواء في هذا المقال او غيره حفاظا علي قدسيته. واستبداله بالطبيعة ماهو إلا وسيلة لتقريب المعني والحفاظ عليه مع ثقتي بأن القاريء سيعي ما أقصد. احترامي وتحياتي
عمرو يسري منذ 3 شهر
رائع , بالفعل الإنسان كثيرا ما يستهلك ما حوله من اشياء و اشخاص حتى يتسبب في ارهاقهم دون مراعاة لما يحتاجونه .
مزيد من التوفيق .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا