* حول ماهيّة المثاليّة فلسفياً وربطها بالواقعيّ الحقيقيّ: - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

* حول ماهيّة المثاليّة فلسفياً وربطها بالواقعيّ الحقيقيّ:

  نشر في 18 أكتوبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 18 أكتوبر 2020 .

كثيراً ما يتبادر إلى أذهاننا مصطلح المثاليّة "Idealism" وربط معناه بعالم ورديّ مزخرفٍ بالوهم والخيال، أوَ حسب تعبيرِ البعض هو النفس البشرية في أعلى درجات نشوتها ودونيّتها -وهي معلومة مغلوطة أصلاً- وهذا بالشيء الطبيعيّ في مِلِلٍ ومجتمعاتٍ باتت فيها صياغةُ أبسطَ مفاهيمِ المنطق أشبهَ بالمستحيل.

ذُكِر هذا المصطلح بوضوح تأريخياً في عهد الفلاسفة الإغريق وبالأخصّ في حقبةِ سقراط في مأدبةٍ فكريّة جمعت طالبيه الفذّين -أفلاطون وأرسطو- صاغت بمضمونها مفهومين جديدين للفكر الإنساني عامةً وللفكر الفلسفيّ على وجهِ الخصوص وهما ( مثاليّة أفلاطون وماديّة أرسطو ) وأصبح من المتعارف عليه في الأزمان التي تلت هذه الحقبة الفكرية بأنّ المنطقَ هو ما تداوله أرسطو فقط بفكره التحليلي والتجريدي للوقائع والأحداث مقترنةً هذه الفكرة بحُجَّةِ انتصاراتٍ وأمجادٍ خُلِّدتْ في التاريخ لطالب أرسطو الفذّ آنذاك "الإسكندر المقدوني".

بالعودة قليلاً ألى ما يذكره التاريخ: أليس الإسكندر الكبير نفسه وهو في أوجّ انتصاراته وعظمته من طلب من خدمه وحاشيته إحضارَ عرَّافةٍ تقصُّ عليه الحكايا وقِصصَ القدَرِ والخيال وإلا سيقتلها ؟! أما كان الإسكندر الكبير في وقته آنذاك هو الأجدر والأكثر كفاءةً بتطبيق مقولة ديكارت الشهيرة  "أنا أفكر إذن أنا موجود"  فقد كان المَلِكُ والفارسُ والشجاعُ، فما كانت حاجته لعرّافة جلّ معرفتها قصصُ ما قبل النوم وحكايا الأطفال؟ أفليسَ حالُهُ حالَ شعوبٍ برمتّها اليوم وأخصُّ بالذكر هنا شعوبَ الشرق ذوي عراقة وأمجاد الماضي فقط دون الحاضر -الحالمون البائسون- ، ألم تكن نزعة الشيوعيين في حقبة القرن الماضي وتجريدهم الشعوب من رداءهِ الصوفيّ كما سمّوه وتصديرها للديكتاتوريات أمثال ماو و ستالين لدفّة الحكم كفيلةً بإرجاع الشعوب عشرات الخطوات نحو الوراء، ألم يصبح واضحاً أنّ مفاهيم مرموقة كالانتماء للإنسانية بدايةًوأساساً ومفهوم المواطنة حسب الغرب المتحضّر هي عتبة الأساس لفعاليّة دور الفرد في بناء هيكلية و منظومة الدولة ، فما هي حاجة الشعوب إذن ؟

الجوابُ طبعآ يكمن في جزئية الأنا العليا أو كما سمّاها الطبيب النمساوي سيغموند فرويد (superigo) هذه الجزئية الأفلاطونية في صورة الذات الكليّة متضمنّة المثلَ والقيم والأخلاق هي ما تُعطي لصبغتنا الوجودية جمّالية البنيان والهيكل والمظهر، هذه الجزئية بتنسيقها السويّ مع جزئيات الذات الأخرى ( الأنا والهو ) دون أرجاح كفّة إحداها على أخرى تُعطي صورة مثاليّة لقوام ذاتنا الكليّ وهو ما أوضحه الفيلسوف هيغل في كتابه "ظاهريات الروح" عام ١٨٠٧م والتي اعتبرت من أهم إنجازات الفكر في القرن التاسع عشر موضحاً أثر هذا التنسيق في منهجهه الجدلي وكيفيّة الانتقال من العالم النوميني وإسقاطه على العالم الظاهري الوجودي مع إزالة الحاجز الوهمي بينهما والذي ظلّ بالأمر المستعصي منذ بدايات الفلسفة حتى عهد كانط وأنّ استمرارية هذا التنسيق بشكله المثاليّ هو بالنتيجة المطلق الكليّ الذي تحدثّ عنه،  وعلى نفس المنوال أسردَ الفيلسوف نيتشه في كتابه "هكذا تكلم زردشت" عام ١٨٨٥م موقف ملّة زرادشت التهجّمي والهمجيّ تجاه حكيمهم ومفكرهم ونعته بالمجنون حينما حاول إبداء دور هذه الجزئية المهمّة وتنسيقها في الذات الكلية بعد عزلته الطويلة.

نتيجةً لما ذُكِر أعلاه، المنطق بأصفى صوره الذهنية ( انطلاقاً من التصورات الحسية البدئية حتى إدراكه المتناهي الدقة والمتناسق للذات الإنسانية )  هي ما تُسمّى فكرياً بالمثاليّة - وهو الحقيقيّ والواقعيّ - ، فما فائدة البذرة الحسنة البنيان والقوام دون تربةٍ خصبة تضمن استمراريتها؟ ما فائدة الفكر التحليلي والتجريدي الفذّ إن لم تُكَلّل بقيمٍ ومثلٍ أخلاقية؟


  • 1

   نشر في 18 أكتوبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 18 أكتوبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا