استجماتزم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

استجماتزم

  نشر في 10 يوليوز 2016 .

Size: 26.6 KB

. ماذا لوكانت زوجتي حارس مرمى ؟

كم يبدو ذلك رومانسيا وجميلا كطلعة الفجر .. ماذا لوكانت حارسة حياتي من النكبات والأضرار ،ملاكي الحارس بوليصة تأمين . صندوق الأسرار ، العروة الوثيقة لتجمع الأبناء والبنات . سيبدو هذا الكلام إنشائيا وبعيدا عن الواقع بعد ثلاثين من العيش المستمر ومقابلة البوز بالبوز إلا ماندر . إن حجم المشكلة أن المرء يمل من وجهه إذا رآه في اليوم مرات ومرات حتى وإن كان وسيما كدي كابريو أو أحد لاعبي إيطاليا .. فكيف يحتمل وجها آخر يدمن النظر إليه لبقية العمر ؟!

ماذا لو كانت حارس مرمى وقد صدت الكثير من الكرات أو استقبلت الكثير من الأهداف . أظن آن الوقت لأن تعتزل الحراسة وتتفرغ لمهنة مدير فني للأسرة . هذا رأيي أن تدع المهمة لحارسة مرمى نشيطة وذات لياقة وقادرة على القفز والتصدي للكرات ومنع الكرات الطائشة التي قد تسقط فجأة .. ربما ماالفائدة من التعاقد مع حارسة مرمى جديدة إذا كانت أصلا الهجمات المرتدة قليلة وربما يمضي الشهر دون تنفيذ هجوم معاكس ناجح .. كانت تلك الأفكار تدور برأسي أو نوع من الشفقة التي تهبط أحيانا على المرء حين يرى رفيقه يهرم ويعجز عن أداء بعض .. بعض المهام ..وربما هي كل أفكار الذين يلعبون الأشواط الإضافية .

. في بواكير حياتي ، استوطنت ناحية من الديار تسكن بها الجن KKMC . قيل لي : هي موطن للجن والغول وبعض الأعراب . لم أكن أميل إلى تصديق ذلك , أعني سكنى الجن بأعداد كبيرة ، فأنا لا أنكر وجود الجن وإلا لأصبحت كافراً ، ظننت بأن الجن لن تخرج لمثلي ولو اختارت الجن فستختار رجلا يملك مالا أو جمالا أو صحة أو خيالا ليحدث عنهم .

كان القائدthe commander فائز يحب أن يقوم بجولات تفقدية على السكن لمراقبة المعينين الجدد ومعرفة مايفعلون في أوقات فراغهم . جاء به أحد الزملاء ليداهموني في نوبة نوم أو لنقل غيبوبة يعرفها كل من سكن تلك النواحي ، غارقا في نوم هنيء وفتحت عيني على القائد وزميلنا وهما عند رأسي وبادرني القائد : Lieutenant جاءتنا إخبارية بأنك تخبيء كمية من الحشيش ! . صعقت للخبر ونهضت على قدمي ، طبعا كان القائد يمزح معي وجاء لزيارتي وكنت محرجا لعدم مقابلته بالشكل اللائق ، قل لي بربك كيف تقابل بشكل لائق وأنت نائم في نصف هدومك حرفيا وليس بلاغيا .

جمعت نفسي وأصلحت الشاي وطلب القائد كرسي معسل . للإخوة الذين يجهلون ذلك ( انظر كتابي المعسل من الألف إلى الياء ) المنشور في دار أبي الهيثم - الطبعة الرابعة والعشرين لألف وأربعمائة وسبعة وثلاثون خلت من الهجرة .

لم يكن القائد معتادا على المعسل , وفي تلك الأيام لم يكن القصدير يوضع على الرأس . بل كان الجمر يوضع مباشرة على المعسل ، وقضينا ساعة نتبادل ( اللي ) للإخوة الذين يجهلون المسميات انظر كتابي ( تفكيك المعسل من الجمرة إلى المبسم ) والمنشور أيضا في دار أبو هيثم طريق الرياض القصيم .

نزلت من السلم الإسمنتي فقد كنت أسكن بالدور الثالث وكان نظري يسبقني فرأيت المخلوقات الصغيرة التي استطيع أن أخنقها بيدي إذا رغبت لكن الجدل بين الخوف والجرأة يمنعني من أن أسلم رأسي هكذا ببساطة واقتنع برواية الناس عن الجن . فنحن في أواخر القرن العشرين وسنوات وسندخل القرن الواحد والعشرين ويحسب لرجل سريع الغضب مثلي هو إمتلاكي لهدوئي والعودة لنقطة الصفر ، أنا كنت مع القائد وزميلي في حادثة المعسل وعدت خطوات الى الوراء ورتبت الشريط كما ينبغي وصعدت إلى غرفتي مستخدما ذات السلم الإسمنتي وأتجهت فورا إلى المغسلة وفركت وجهي بماء وهمست : لابد أنه كابوس !

مرة أخرى نزلت السلم إلى أسفل وحاولت أن أتماسك وأقرأ المعوذات وألقي بجسدي إلى السرير وأن ما يحدث ليس له دلائل تؤكده من الواقع ومضيت مع اليد الصغيرة التي امتدت لتقودني إلى أسفل . كان فضولي أكبر من خوفي ، مضيت مع المخلوقات ودخلنا غرفة ذات أضواء خافتة وحشد من البشر غريب الأشكال . اتخذت موضعا في هذا الحشد وكأن ما يجري هو ترتيب داخل ذهني وأني متى ما استطعت رفع رأسي سينتهي على كل حال . تماسكت بقوة أكبر ونهضت متجها إلى المغسلة ونظرت في المرآة بكل دهشة : إن لم تستطع قهر ذلك سيشت عقلك ! . نزلت السلم الملعون مرةً أخرى وكلي تصميم على الخروج من عقلي وترتيب الأمور إلى النقطة التي لم يفترض بي أن أتجاوزها . العقبة الكبرى هي الأفكار التي تهاجم عقل خامد يستجيب لأي إشارة ، هذا أوحى لي بفكرة الطيران بدلا من نزول السلم الإسمنتي في كل مرة . اقتناعي لم يكن للشك أن يداخله في مسألة الطيران وهذا ماحدث ، فكنت أطفو خلف المخلوقات الصغيرة حتى لحظة السقوط قبل أن استجمع قواي وأنهض تماما , وأغير جهة راسي ناحية الجدار على الجهة اليسرى وأفتح عيني على القائد فائز : Lieutenant جاءتنا إخبارية بأنك تخبيء كمية من الحشيش .

في اليوم التالي ، بعد الهرولة الشاقة والإفطار قابلت القائد ، سألته : ألم تأت لي بالأمس يا أبا الوليد ؟ . قال : لم يحدث . بعد ذلك عرفت أي لعبة كانت تلعبها الجن الخبيثة معي ليلة البارحة ، وأي إرهاق عانيته في نزول السلالم . وربما لم يكن هناك جن ، فالمرء لا يعرف تأثير الجمر على الراس بدون قصدير … في المنفى .

. في عام 1974 عزمنا على ترك الكويت والإتجاه إلى الوطن . كنت طفلا لم يتجاوز السابعة ، بقلب حي وذاكرة فوتوغرافية ، كان هناك أبشع نظام يقسم البلد إلى بدون وكويتيين ولم تفلح محاولات والدي أن نكسب قوتا في بلد البدون فعيشنا ضنك وبالكاد كنت أعرف الوجبات الثلاث . أما الإختراع الذي يعرفه الكويتيون وهو الدجاج فكنا نراه عند الجيران اللئام أو في أيدي صبيانهم . لم أكن آسفا على مغادرة صيهد العوازم فقد كان مستقبلنا مظلما ورغم أني درست بإسم أحد أبناء عمتي المتجنسين إلا أني كنت غير راضِ عن عيشي . الفقر كان يطحننا طحنا وتسممت من كثرة أكل الخبز الجاف مع الشاي وهي الوجبة شبه المستديمة التي تقدمها لي أمي مع أخواتي .

كان الإتفاق أن يحضر صاحب السيارة جمس حوض ليهرّبنا إلى الحدود مع الوطن الغالي الذي كان يشهد نوعا ما من الإنتعاش الإقتصادي . جمعنا متاعنا القليل ، ميزة الفقراء أن متاعهم قليل ولو نظرت إلى الماضي لرأيت أنه لايلزمنا . أمي كانت ترى أن تلك الصناديق الحديدية وتلك اللحف ( مجموع لحاف ) وبعض المواعين القديمة هي ثروة عظيمة وسنحتاجها في الوطن .

رتبوا المتاع بحيث يكون لنا مكان أنا وأخواتي الكبار ، أما أختي الرضيعة وأبي وأمي ركبوا في الغمارة يعني مع السواق ، فتحوا الشراع من المقدمة وأقفلوه من الخلف حتى لاتسقط الثروة العظيمة من مواعين وصناديق ! . كان يوما من أيام الشتاء والمطر خفيفا يهطل ولففت شماغي على رأسي ودفأت نفسي بثوبين وكوت شرب الدهر عليه وأكل ولعب طاولة . هذا كل ما نملك في هذا البلد ، بقية كرامة نهرب بها قبل أن تهان في بلد البدون .



   نشر في 10 يوليوز 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا