سؤال وَقِح! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سؤال وَقِح!

  نشر في 29 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 أبريل 2016 .

سألني أحدهم يوماً ما سؤالا، وقال لي: يارا، ما هي أحلامكم في قطاع غزة من وجهة نظر شبابية – كجيلٍ صاعد -؟!

لقد كان سؤالاً “مبهراً”، مثيراً للضحك.. للحزن، للشفقةِ والاشفاقِ، للغرابة.. وللصّمت!

أُنظر سيّدي، سأخبرك “من وجهة نظر شبابيةّ غزيّة” كما تشاء! في البدء لابد أنْ نفهم جيداً بأننا سنأخذ بعين الاعتبار جيل ما بعد منتصف الثمانيّنات والتسعينيّات وما بعدهما، وأني تحديداً من ذوي فترة بداية التسعينيات؛ حيث دخول السُّلطة الوطنية الفلسطينية (س.و.ف) لقطاع غزة للعام 1994، وهذا بالشكل العام هو الجيل الذي يعتبر نفسه في قطاع غزة بأنَّه “وجد الهَمّ بالدَّم وليس الملاعق”!

نحن الذين منذ نعومة “مخالبنا” عشنا أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية للعام 2000، حيث محمد الدرّة وفارس عودة وإيمان حجُّو ،و”وين الملايين”،و “الحلم العربي – أجيال ورا أجيال” ، “وعِلِي صوت الغضب”.. و “لبيكِ يا أمِّي لبيكِ”.

ومما لابدّ منه أنْ يُفهَم جيداً معنى وتبعيّات كلمة “انتفاضة” لجيلِ يُحاول أنْ يكبر كما الآخرون!

لقد عشنا – عشنا: فعل ماضي- “هنا” في غزة زمن السّلطة الوطنية الفلسطينية حينما كانت الحياة “تبدو” جميلة لحدٍّ لا بأسَ به. حياة فيها الكهرباء والماء وحرية السَّفر والراتب “المحترَم!”، ووظائف جيّدة، ومعبر رفح بيد” إسرائيل”، ولقد عشنا زمن حاجز عظيم، يُسمّى “حاجز أبو هولي”. فدعني أخبرك عنه جيداً!

هذا الحاجز الإسرائيلي هو الذي يَفصل مدن قطاع غزة عن بعضها البعض ما بين الشمال والجنوب..وهو الحاجز الذي عادةً ما كان يُسبِّب لنا “طعم الوطن” في كل وَجبَاتِ حياتنا!

في العملِ والدراسةِ والزيارات والأفراح والأحزان، والمناسبات الاجتماعية والتَّنقل بشكلهِ العام.. لقد كان هناك العديد من المُوظفّين يأتون من رفح (الجنوب) إلى غزة (الشمال) كي يقوموا بآداءِ عملهم المهنيّ، وكان هذا الحاجز كثيراً ما يُغلَق أو يُتأخَّر فتحه بساعاتٍ طوال قد تمتَّد لأكثر من 10 ساعات كاملة في اليوم الواحد.. يقف فيه الناس ينتظرون وينتظرون وينتظرون..! يتوزّعون ما بين جالسٍ في سيارة الأُجرة التي تنقله ليرتقب فتحه في أي لحظة، أو يأكل أو يتحدث أو يتأفّف كثيراً أو يذكر الله – إنْ كان الله يُذكَر في ذاك الزمان!!- أو يستمع للراديو أو الطرب – إنْ توافر ذلك دون عَطل-، وما بين مَنْ يخرج من السيارة مثله مثل الكثير حوله كيّ يستنشق الهواء خارجاً ويُشاطر “طعم الوطن” مع الآخرين حوله ومَن مثله مِن المنتظرِين!

يا سيّدي عليكَ أنْ تعلم بأنه مجرّد توسيع دائرة الخَيال لديك حول مشهدٍ كهذا سيُخبرك جيداً “أيُّ جيلٍ نحنْ”، وماذا يعني ذلك كله. ماذا يعني أنْ ترى الانتظار – بكافةِ أشكاله سواء لوظيفةٍ تحتاج الذهاب إليها، أو أهلٍ تحتاج زيارتهم أو ابنٍ مريض لك تحتاج إسعافه عاجلاً أو والدٍ توفّى وتحتاج أنْ تجد أسرع وقتٍ ممكن كيّ تودّعه “الوداع الأخير” وما “قبل الدّفن المرير”، أوترقّب الإفراج عن رجالٍ وشباب أوقفهم الاحتلال الإسرائيلي أثناء التفتيش عبر الحاجز ، أوغير ذلك الكثير الكثير ..

كيف لكلّ هذا الانتظار أنْ يأخذ مَنْحَى “الوطن” و “الاحتلال ” في كل شيء!

تسأل أيّ جيلٍ نحن؟! نحن!، نحن الذين عشنا زمن “ابن المسجد يتلقَّط”!، وابن السُّلطة يُخلّد! أنا أذكر ذلك جيداً.. ومن المساجد خرجت “حماس”!

كذلك كانت البدءِ من الرواية – لا تستعجل عزيزي، فللقصة بقية، والصورة ليست كما يبدو “لحدِّ اللحظة” حول تلك النقطة تحديداً.. فانتظِر!

نحن الذين عشنا زمن هو ما يُشبه لحدٍّ كبير ما يعيشه إخواننا في “شطر الوطن” الآخَر في الضفة الغربية في مِثل هذه الأوقات “تقريباً”.. إنه القبوع تحت سُلطة وطنية فلسطينية خادمة للاحتلال الإسرائيلي والتنسيق الأمني “رعاهُ الله- الشيطان !”..

ولكنْ ما حدث أنْ تغيّرت محاور حياتنا في قطاع غزة، وتبلورت أحداثٌ ضخمة بحقّنا في القطاع؛ حيث كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي “أرييل شارون” خطة حول الانسحاب الإسرائيلي من القطاع في ( 18 ديسمبر للعام 2003 ) فيما يُسمّى “بخطة فك الارتباط الأحادية الإسرائيلية عن غزة” ، وفي (20 فبراير للعام 2005) صوّتت الحكومة الإسرائيلية بغالبيةٍ كبيرة على إخلاءِ قطاع غزة من المستوطنات، وأقرّت تعديلاً لترسيم الجدار الفاصل في الضفة الغربية، وفي الشهر نفسه تمّ اتفاق مصري-إسرائيلي لنشر (750) جندي مصري على الحدود مع غزة.

لقد تمّ فعلياً في صيف العام 2005 بتنفيذ خطة “فك الارتباط” مع غزة وإخلاء المستوطنات الإسرائيلية ومعسكرات الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة بالإضافةِ إلى 4 مستوطنات أخرى متفرّقة في شمال الضفة الغربية.

ومن ثمّ وفي مطلع العام 2006 حدثت ثاني الانتخابات التشريعية الفلسطينية، والتي انتخَب الشَّعب فيها ولأول مرة “حركة المقاومة الإسلامية حماس” بنسبة الغالبية، على آمالٍ من أنّها الحَركة التي سُتخلّصه من براثنِ الاحتلال وأنّها مَنْ أنشدَت له:

“حُلم العودة”،

وشعارات “الإسلام هو الحل”،

و ” أن عدونا لا يفهم إلا لغة واحدة هي لغة الحِراب”،

و “أملي أن يرضى الله عني”،

“ومنّا الجند ومنّا القادة، ونحن عشّاق الشهادة”..

وأنّها هي التي ألْحقَت بنا زمناً “مزلزلاً” من الوطنية والمقاومة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي، فعاصَرنا زمن أحمد ياسين ( 22 مارس 2004)، وصلاح شحادة (23 يوليو 2002 )، وعبد العزيز الرنتيسي( 17 أبريل 2004 )، وإسماعيل أبو شنب ( 21 أغسطس 2003 ) ، والجَماليْن- جمال منصور وجمال سليم (31 يوليو 2001 )، وإبراهيم المقادمة (8 مارس2003) ، ويحيى عيّاش(5 يناير 1996)، وغيرهم الكثير.

عاصرنا زمن “مولوتوفي ..رشّاشي..وسلاحي الله أكبر”، زمن “أطياف الاستشهاد 1″، زمن أناشيد “أبو راتب” و “أبو مالك” ..

عايشنا زمن تفجير كْفَار داروم عام 2000، وتفجير مركز نتانيا وتفجير كيسوفيم وتفجير دوجيت للعام 2001، و زمن عملية “حاجز ايريز” أو ما يُسمّى بـ”عملية القسّاميّة ريم ريَّاشي”- 14 يناير 2004 الساعة 9:37 صباحاً في معبر ايريز.

وزمن عبد العزيز الرنتيسي حينما قال: “لو شُفت سقف الباص- الإسرائيلي- طاير اعرف انو العملية لحماس..!”

ولأجلِ ذلك كلّه.. نعم، لأجل ذلك..اكتسحت حماس أصوات أغلب الجمهور الفلسطيني لانتخابها!

وأمّا عمّا بعد..

في المنتصف من شهر مايو حتى 14 من شهر يونيو للعام 2007، قرّرت حماس أنْ تقدّم للشعب آداءً “تطهيريا” حاسماً في قطاع غزة – كما يُسمّيه عناصرها ويُعرف بـ “الحسم العسكريّ” -، وكما يُسمّيه الطّرف الآخر ضد حماس ويُعرف بـ “الانقلاب العسكري” أو “الفلتان الأمني”؛ ومن مجرّد أنْ يذكر لكَ أي مواطن هنا في غزة ما يُمكن أنْ يُطلقه من تسميَات على هذه الأحداث، بمجردّ ذلك فحسب يُمكن لك تصنيفه أَحماسٌ هو أمْ فتح!

مدهش يا رجل، لَكَمْ يكون انتقاءنا أو اختيارنا للمصطلحات “مصيرياً” أحياناً!

فإنْ وصَفَ لك الفلسطيني هنا ما حدث في العام 2007 بأنه “حسم عسكري” أو تطهير عسكري، اعلَم “على طول” بأنه (حماس) بلا شك!، وبمجرّد أنْ يعبر عنه بأنه “انقلاب عسكري” أو “فلتان أمني” فاعلَم و “على طول” أيضاً بأنه (فتح)! وهذا التصنيف هو نفسه الذي دار حوله خلافات حادة رآها الشعب الفلسطيني بأكمله على شاشات التَّلفزة ما بين قناتيّ (فلسطين) التابعة لحركة وفكر فتح، و(الأقصى) التابعة لحركة وفكر حماس.. وما بين “فلسطين والأقصى” أيضاً بإمكانك تصنيف المؤسسة أو الشركة أو المركز أو الأناس الذين أنت في محلّ زيارة أو عمل أو مَهمّة ما لديهم تصنيفهم أَحماسٌ هم أم فتح، لأنه باختصار “ابن حماس” لا يمكن له متابعة القناة العميلة والعلمانية والفاسدة والمُنْحلَّة والـ “استغفر الله العظيم ” واسمها (قناة فلسطين) ،و”ابن فتح” لا يمكن له متابعة قناة المتطرفين والإرهابيين والعبثيين و الإنقلابيين والدَّمويين والميلشيات و الـ”أستغفر الله العظيم “، واسمها (قناة الأقصى) !!

وبهذا الشكل، لقد أصبحت قضيتنا الفلسطينية تأخذ أساساً لا انفصالَ فيه ذو شكل هزليّ للغاية من مسرحية اسمها (الوطن: ما بين “وَلْدنة” فتح وحماس!)

آثار (مهزلة) الانقسام الفلسطينيّ / صراع العام 2007

لا يمكن لفلسطيني في قطاع غزة عايش العام 2007م أن ينسى ما جرى فيه من أحداثٍ مصيرية ومُجلجلة للغاية قلبت كيان الصراع الفلسطيني- الفلسطيني، والفلسطيني- الإسرائيلي ، والفلسطيني-العربي، والإسرائيلي- العربي، رأساً على عقب!

فلقد أصبح قطاع غزة بعد ذلك بأكمله ضمن سيطرة ما يُسمى بحكومة المقاومة الإسلامية “حماس”، وأصبحت الضفة الغربية بانفصالٍ تام وتقبع تحت سيطرة ما يُسمى بـ حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية أيّ “فتح”. وأصبحنا نمتلك بدلاً من الحكومة الواحدة، حكومتيْن، واحدة مقرّها غزة، والأخرى مقرّها رام الله في الضفة الغربية. وأصبح على حكومة حماس أنْ تتحمّل كافة المسؤوليات السُلطوية والحاكمة في قطاع غزة بمعزلٍ عن السلطة في رام الله ” سلطة فتح”، حيث ليس فحسب إسرائيل كانت ترغب في “رمي غزة في البحر”، بل سُلطة فتح أيضاً ترغب بذلك بوضوحٍ شديد على مبدأ “طز”! وذلك – وليس فحسب- لأنّ حماس قامت بالسيطرة على غزة وسفك دم الفتحاويين الأنجاس (كما تعتبرهم هي) و (تطهير) غزة منهم، وكان مصير البقية ممَّن (نجُوا) في تلك الأحداث من أتباع سُلطة وحركة فتح أنْ يهرب فارّاً للضفة الغربية أو مصر أو غيره!

وعليه، وبلا أدنى شك ستلقى غزة وشعبها -المحاصر منذ حوالي تسع سنوات لحد اللحظة – من ممثِّلها الوطني والشرعي الوحيد “أمام العالَم” ألا وهو السّلطة الوطنية الفلسطينية فتح .. (طزّاً كبيراً)، بل وبَصقة حادّة أيضاً!

فغَزة لَمْ تعد بالمُطلق في عِداد حُكم سُلطة رام الله كي تتحمل الأخيرة جيداً (وبِزمَّة وضمير!) ولو جزءاً بسيطاً وأساسياً من مسؤوليات إدخال الكهرباء والماء والأدوات والمواد الغذائية والغاز والسولار، وتوفير الرواتب للموظفين و فتح معبر رفح، وغيره الكثير الكثير ..! لقد تغيّرت العديد من (قواعد اللعبة) بالقضية الفلسطينية بسبب أنّ غزَّة أصبحت تقع تحت سيطرة “حماس” ألا وهو العدو اللُّدود الشديد لفتح.

وحماس بدورها تُعانِد على أنْ يبقى قطاع غزة “رأس حربها” الأقوى والوحيد، ربما!، وعلى ألا يُشاركها فيه أحد، وأنْ تكون كامل السيادة في قطاع غزة لها وحدها باستفرادٍ كامل.

ماذا عن الشعب!؟

– لا يَهُم! هو صراع الكبار فحسب، وعلى الشّعب أنْ يَختار دور المتفرِّج، فالمسرحية (الوضيعة) التي اختار فيها كل سياسيّ في (كلا الحزبيْن) أنْ يلعب دوراً بارزاً فيها لَمْ تختار لأي فردٍ من الشّعب أنْ يكون جزءاً منها ولو بصوتهِ أو رأيه حتى، هو فحسب قادمٌ لسينما “الوطن” ليُشاهد، لا ليصرخ ويعترض ويُوَلْوِل ويناشد و”يُزعبل!”.. وهو في كل الأحوال دفَع ثمن (قراره) بأنْ يشاهد تلك المسرحية، وأنْ يجلس متفرِّجا هادئاً و(مؤدباً) – بلغة السياسيين-، ولقد كان ومازال هذا الثمن باهظاً للغاية، ومختلِف الأشكال من ماله ودمه وروحه وعقله وجسده ودينه ووطنيّته وحريته وآماله وطموحاته، وحتى إنسانيته!

إنه يدفع ثمناً باهظاً لحد اللحظة، ولكيّ يبقى “ما لحماس لحماس، وما لفتح لفتح”.. في مسرحية طالت كثيراً، وملَّ المشاهدون فيها وتعبوا، وما تَعِب الممثلون أو استكانوا!!

إنْ اخترتم أنْ تكونوا قطيعاً أحمقاً في حظيرةِ الوطن، وأغناماً “مسكينة” لذئابٍ شرسة.. عليكم أنْ تدفعوا ثمن ذلك جيداً، ولَن تنسوا!

الجيل الصّاعد وبذور الانقسام في تربةِ “المهازل”:

لَمْ يكن من السّهل على أيّ أحد في قطاع غزة تحديداً استيعاب إلى أيّ مدى يمكن لكل تلك المُجريات من الأحداث الوطنية والسياسية أنْ تتغلغل في حياتِه على كافة الأصعدة، بدءًا من من قضايا التوظيف والاقتصاد والسّفر- بما يتعلق بقضية معبر رفح- ، والتعليم، والاجتماعيات -بما يتعلّق بقضية الأسرة والأصدقاء والزملاء والجيران والمعارف- وليس انتهاءً من حتَّى قضايا الزواج منها يا رَجُل!

لقد تغلغل الانقسام في كل شيء، كل شيء! لقد كان ومازال هذا مريباً للغاية! إنه شيء مروّع فعلاً، إنه كابوس وربّ الكعبة!

أصبح كل شيء في حياتنا قابلاً للتصنيف، بل ويُستوجَب فيه التصنيف أحياناً! و”كلُّ حِزبٍ بما لَدَيْهِم فَرِحُونَ”! أتباع الحركة المعيّنة كذا لابدّ من توظيفهم هم، ومنحهم المعونات التي تأتي لهم هم، ومُصاحبتهم هم دون غيرهم، وإضافتهم على الفيس والتوتير ومواقع التواصل الاجتماعي هم دون غيرهم، و الحديث معهم هم وحدهم، و الزواج منهم هم، والعمل معهم هم ، والأكل والشرب والصلاة والخروج والضحك و و و و.. معهم هم.. هم وحدهم.. دون غيرهم من أولئك الآخرين في الحركة الأخرى أو الحزب اللعين المُضاد!

وبهذا الشّكل “الايجازيّ بشدة” كله.. يمكن لنا أنْ نتصوّر كيف أصبحت حياتنا “جحيماً سياسياً” بحت! كيف أصبحت حياتنا في قطاع غزة تؤول إلى صوتٍ عالٍ من الصراخ واللعنات بعد كل تلك السنوات من التمزّق والتشتت والحروب والانتكسات والانقسام والتشققات في كل شيء.. بأنْ يكفي.. ويكفي، ويكفي!

ولكن، للأسف “يكفي” تلك.. طالت، واحتدّ صوتها على فراغٍ كبير، فالجميع هنا “خُرس” أمام حفنةٍ من مالٍ وسُلطة وكرسيٍّ دافئ، ومحاسباتٍ سُياسية دنيئة ومعقدة للغاية.. معقدة بجنون، معقدة لحد أنْ حلّها يبدو خيالياً أو خرافياً -لحدٍّ كبير!

ما المتوقّع إذن من جيلٍ نَمَى على كل تلك التعقيدات الرّهيبة في حياته على كافة الأصعدة بلا استثناء؟! لجيلٍ عاش 3 حروب إسرائيلية طاحنة، فيها الموت كان متربِّصاً لكل نَفَسٍ على أرضنا في قطاع غزة، وكان الخوف والذُعر والكوابيس والدمار والخراب والبكاء والرثاء والهجاء.. في كل وقتٍ وكل حين – ومازال!؟

كان الوطن حينها يبدو مُضحكاً للغاية، وباكياً أكثر! كان المشهد “تراجيدي حدّ الثمالة”!

الأكثر تراجيدية في المشهد كله أننا كنا -ولحدّ اللحظة- نخرج من كل حرب لنقول بعينٍ بحدةِ “عصفور مخيف” انتصرنا انتصرنا! وفي المقابل كان لسانُ القوة الإسرائيلية والعالمية ضدنا يَخرج باتجاهنا متهكّمين علينا، واضعين قدماً على قدم.. وحديث عقلهم: (إذهبوا إلى الجحيم يا أيها الضعفاء الحمقى.. الذين ما أنْ خرج لديكم “شوية عضل” حتى حسِبتم أنفسكم “سوبر مان عصركم الوطنيّ الفدائي”!)

ما المتوقّع إذن من جيلٍ أصبح يحصر أقصى الاهتمامات والمساعِي لديه بـ “فيه خبر وملح.. فيه رضى!”، من جيلٍ أصبح يحصر أقصى أمنياته بـِ “سفِّرني على أيِّ بلد.. واتركني، وانساني!”

من جيلٍ أصبح يرى عمره يُدفَن أمامه وهو مجرّد “جسد يهذي” في كل مكانٍ ووقت!

من جيلٍ أصبح يرى كل الأشياءِ المَرجوَّة أمامه محطّمة، ومهشّمة، ومستبَادة، وصوت زياد رحباني يعلو بشدّة أكثر حينما يقول:

” كل المحاولات لتصليح هذا البلد باءت بالفشل.. وبائة الفشل أرخص من بائة البئدونس..!”

ما المتوقَّع من جيلٍ إنْ لَمْ يجد صراعاتٍ شرسة للغاية في طحنِه وسحقِه وفرمه من عدوّه “الإسرائيلي” وجدها بين أبناءِ جلده، ومن أنفسهم بأنفسهم وضد أنفسهم!

أتريد فعلاً أنْ تعرف الآن ما هي أحلامنا في قطاع غزة من وجهة نظر “شبابية” -كجيلٍ صاعد!؟

– صدِّقني سيدي، ستكون “وقحاً للغاية” لو كرَرت هذا السؤال مجدّداً بعد ذلك كلّه!

---------------------------------------------------------------------------------------------

لقد تمّ كتابة هذا المقال بواسطة:

يارا صبحي العفيفي

yara.elafifi@gmail.com


  • 8

  • Yara S. Alafifi
    فلسطينيةُ المولدِ والهَوى، مواليد 1993، وإنسانةٌ "بجناحيْن من العِلم والسّلم" تُحاول أنْ تَطير وتُحلِّق، وبين ربوع معارك الحياة الطّاحنة تقف وتُناضل، وتنسج الأحلام كقبسٍ متين من نص: (قِف على ناصيةِ الحلم، وقاتِل).
   نشر في 29 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 أبريل 2016 .

التعليقات

ZohoOr Ismail منذ 8 شهر
جداا مقال جميل و رائع و يصف واقع الحياة في غزة الحبيبة استمري الى الامام
0
Wasel Alharithy منذ 9 شهر
يا اختاه هنيئا لك بصنع أحلامك في ارض صنعت لها الشهادة تاريخ و حفرت لها مجد الشجعان ، ترياق قلمك زادها جمالا ..
0
ابو البراء منذ 9 شهر
لم تتركي سطرا للتعليق مقال رائع
1
Aisha Emad منذ 9 شهر
احسنتى
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا