تسعة من عشرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تسعة من عشرة

قصة قصيرة

  نشر في 25 أكتوبر 2018 .

"لقد سئمتُ منه" قالت خلود بغضب.

أطلقتْ طريفة تنهيدة حارة وقالت: "وأنا أيضا. لم يعد باستطاعتي تحمّل طلباته. لكن أتمنى أن يوافق هذه المرة. لقد تعبنا"

خرج نجاح من الحمام.. نظر إلى وجهيْ أختيْه العجوزتين ثم قال: "ماذا هناك, هل كنتما تتحدّثان عني؟"

قالت طريفة بسرعة: "لا لا يا حبيبي. كنّا نتحدّث عن الفتاة التي رأيناها لك اليوم."

أنزل نجاح أكمام قميصه التي رفعها للوضوء ثم قال: "لحظة, سأصلي المغرب أولا ثم تحدّثانني عنها."

وبينما كان يصلي, أتت الأم من المطبخ وهي تحمل صحنا من الفوشار. وضعته على الطاولة ثم عادت لتحضر كأس الحليب بالعسل الذي يحبه نجاح. كانت الحاجة أم نجاح امرأة مسنة في الثامنة والسبعين من عمرها, لا تحب في هذه الدنيا أحدا أكثر من نجاح الذي لم تُرزق بذَكرٍ غيره. إنّ تلبية رغباته قبل أن ينطقها لسانه والإفراط في تدليله هما شغلها الدائم, والويل كل الويل لأختيه إن اعترضتا على رأيه أو قصرّتا في مساعدته. صحيح أنهما يكبرانه بسنوات عدة, وصحيح أيضا أنهما قد أصبحتا جدّتين, لكنهما تقفان أمام نجاح وأمهما كما يقف الطالب الذي لم يحل واجبه أمام أستاذه.

دنت خلود من أذن أختها وهمست: "لقد أصبح عمره واحدا وخمسين عاما وما زال يأكل الفوشار ويشرب الحليب بالعسل, تماما كما كان يفعل وهو طفل صغير."

"إنّها أمي سامحها الله, فهي من أفسدته بدلالها الزائد." قالت طريفة بصوت منخفض.

بعد قليل كانت الأسرة تجلس في الشرفة وهم يستمتعون بهواء نيسان الربيعي. بدأت خلود الحديث قائلة: "هذه الفتاة من عائلة محترمة. عمرها خمسة وثلاثون عاما. مازالت آنسة ولم تتزوج. متدينة. طويلة. وسمراء البشرة."

أضافت أختها: "عندما تحدّثنا معها عرفنا بأنها ماهرة جدا في الطبخ والأعمال اليدوية كالتطريز والحياكة. بصراحة إنها مدبرة منزل رائعة وستكون زوجة مثالية لك يا أخي."

قالت الأم بصوتها الواهن: "ولكن لماذا لم تتزوج إلى الآن؟ لا بدّ أنّ فيها عيبا ما."

قالت خلود: "ليس فيها عيب يا أمي. مسألة نصيب فقط."

"لا أريد أن يتزوج ابني شيخ الشباب من فتاة قد قلّت فرصها بالإنجاب." قالت الأم وهي تضع وشاحا على كتفي نجاح لتدفئته.

بدا على خلود الامتعاض فقالت في نفسها: "شيخ الشباب!؟ لقد شاب شعره وخرج كرشه شبرين إلى الأمام."

"حسنٌ. هل هي جميلة؟" سأل نجاح وهو يعبّ الفوشار في فمه.

أجابت طريفة: "بالحقيقة إنها متوسطة الجمال."

شفط من كأس الحليب شفطة كبيرة ثم قال: "يعني كم تعطينها من عشرة؟"

قالت خلود في نفسها: "وهل البنات أوراق امتحان لنقيّمهن من عشرة!؟ كم أتمنى لو أرمي صحن الفوشار هذا على رأسك!"

أجابتْ طريفة بتردد: "أعطيها ستة يا أخي."

لوى نجاح شفتيه ثم قال: "قليل. قلت لكما ألف مرة بأني أريد واحدة جمالها يساوي تسعة من عشرة."

قالت خلود وقد أوشك صبرها على النفاد: "ولماذا تسعة يا أخي؟ فعشرة من عشرة أفضل. أليس كذلك؟"

صاحت الأم بابنتها: "بنت! ما هذا الهراء الذي تقولينه. لا أحد في الدنيا يأخذ عشرة من عشرة."

أضاف نجاح مؤيدا كلام أمه: "نعم فالكمال لله وحده."

بصوت يائس قالت طريفة: "لكن يا أمي لقد تعبنا ونحن نبحث له عن عروس. إنّ لدينا أزواجا وبيوتا ومسؤوليات. ونجاح أخي -يحفظه الله- له شروط صعبة."

أضافت خلود: "نعم يا أمي. فليبحث بنفسه, فهو على ما يبدو لا يستلطف اختياراتنا."

هنا, صرخت الوالدة بصوت حاد, لا يجدر به أن يخرج من عجوزٍ في مثل عمرها: "هل تُرِيدان أنّ يحلّ غضبي عليكما؟"

قالتا بصوت واحد: "لا. عفوك يا أمي."

اتكأتْ على يد نجاح لتقف, ثمّ أشارت بيدها إلى باب المنزل قائلة: "اخرجا من بيتي. ولا تدوسا عتبته قبل أن تجدا عروسا لأخيكُما تكون نسبة جمالها تسعة من عشرة. وخلال أسبوع واحد فقط."

خلال أسبوع زارت الأختان كل بيت سمعا عنه في حارتهم وفي الحارات المجاورة, في محاولة يائسة لإيجاد فتاة شابة بنسبة جمال تساوي تسعة من عشرة, كما يريد نجاح وأمه! كانت عملية البحث والتنقيب شاقة حتى أنهما خسرا من وزنهما وهما تدوران بين البيوت.

إنّ نجاح في داخل عقله, ما زال مقتنعا بأنّه شاب في الثلاثين وأنّ كل الفتيات يتهافتن عليه. وحتى إن شكّ لحظة في شبابه وجماله الزائف, فإنّ والدتهم مستمرة في حشْي رأسه بفكرة أنّه فتى الفتيان وسارق قلوب العذارى.

وفي اليوم الأخير للمهلة, عثرتا أخيرا على شابة جميلة جدا في التاسعة والعشرين من عمرها, وموافقة على الزواج بأخيهما رغم فارق السن. أسرعن الخطى لوالدتهن لزفّ الخبر السعيد إليها قبل انتهاء اليوم الأخير من المهلة. في الطريق قالت طريفة: "لكن يا خلود هذه الفتاة سمراء جدا. ألم تريْ الفرق بين لون يديها ولون وجهها المغطى بطبقات من المبيضات ومساحيق التجميل؟ ثمّ ألم تريْ عينيها؟! لقد وضعت حولهما كحلا كثيرا لتكبيرهما. حتى رموشها كانت اصطناعية وليست طبيعية, لقد رأيت بعضها يفلت ويبتعد عن الجفن."

ردّت خلود بابتسامة باردة: "أعرف يا طريفة. وأزيدك من الشعر أبياتا. إنها ليست طويلة كما بدتْ. لقد لبستْ حذاءً بكعب عال جدا وغطّته بتنورتها الطويلة حتى لا نكتشف أمرها. لكن على من! أنا خلود ولا تفوتني هذه الحركات. أيضا الشامة السوداء على خدها مزيفة وقد رسمتها بالكحل. هذا غير الشعر المستعار الذي لبسته على رأسها."

شهقت طريفة وقالت: "أهذا شعر مستعار! كيف عرفتِ؟"

"أنسيتِ أنني أخذت دورة في تصفيف الشعر في شبابي. أنا خبيرة في هذه الأمور. حتى حاجبيها الأسودين, رسمتهما بالقلم فهما ليسا حقيقيين."

"ولكن هذا يعني أنها ضحكت علينا. ونسبة جمالها ربما لا تتعدى اثنين من عشرة."

قالت خلود بغضب: "هل أصبحتِ تعطين النسب أيضا مثل أمك وابنها؟ اسمعي لا أنا ولا أنت سننطق حرفا مما اكتشفناه وسنريه صورتها التي أعطتنا إياها, وأنا متأكدة أنه سيوافق."

"وماذا عن أمي ألن تكتشف أمرها؟"

"لا أظن, فأمي ضعيفة النظر. ثم ألا تعرفين أنه إذا قال نجاح نعم فأمي ستقول نعم أيضا؟"

"حسنٌ أنا معك في هذه الخطة. لقد مللْتُ من شروط هذا المغرور"

في البيت, أخذ نجاح يدقّقُ كثيرا في صورة الفتاة. وبعد سكوت طويل قال:

"إذا أنتما لا تعملان بجد إلا مع التهديد. أخيرا أحضرتما لي الفتاة التي يساوي جمالها تسعة من عشرة." سلّم الصور إلى أمه وقال: "أمي أريد أن أتزوج هذه الفتاة بأقصى سرعة."

قالت الأم بلهفة: "حاضر يا حبيبي. يوم زواجك هو يوم المنى. سنذهب غدا إلى بيتها ونخطبها بشكل رسمي."


وبعد ثلاث سنوات...

كان الإخوة الثلاثة يجلسون في صالة البيت وهم متّشحون بالسواد.

بجانب نجاح, جلست زوجته التي أوشكت على الولادة, وقد نامت في حضنها طفلة صغيرة.

ماتت الوالدة منذ أسبوع... والآن لا أحد منهم يجرؤ على البدء في حديث الميراث.


فثلاثتهم لم يتبادلوا الحديث منذ اليوم الذي تلا زفاف نجاح!!


  • 5

  • نور جاسم
    اسمي نور جاسم. متزوجة. عراقية الأصل, أردنية المنشأ, أمريكية الإقامة, وهذا ساعدني كثيرا في التعرف على الثقافات المختلفة وإقامة الصداقات من كل مكان في العالم. أحب الكتابة/ أحلام اليقظة/الرسم/ السفر/ التمثيل/ الغناء/ الأف ...
   نشر في 25 أكتوبر 2018 .

التعليقات

قصة طريفة جدا ،الاحداث مشوقة ، سعدت جدا بالقراءة لك نور ،دام قلمك الرائع.
1
نور جاسم
شكرا لمرورك الجميل سلسبيل, أسعدني جدا :)
الله الله يا نور ، الله يزيدك من نوره ، أيضا هذه المرة اعطيك 10 على 10 ولكنها حقيقة وليس مزيفة لك كل الشكر على القصص الجميلة وللحقيقة بأن الانثى كل انثى هي جميلة وإن لم تكن بالمظهر فهي جميلة بصوتها او بأسلوبها او بطيفها او روحها ، فكل اثنى وردة وكل الورود جميلة باجتماعها نرى الربيع وتصبح الصورة كاملة .
1
نور جاسم
شكرا لمرورك الجميل وتعليقك الأجمل. دمت بخير :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا