الأضواء والتاريخ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأضواء والتاريخ

  نشر في 08 غشت 2017 .

يحظى البعض باهتمامٍ منقطع النظير لفترةٍ ما يظل خلالها في بؤرة الضوء، ثم ينزوي نجمه لسببٍ أو لآخر؛ فهذه سنة الحياة. الأمر الأهم من ذلك هو ماذا سيُسطِّر التاريخ؟ سرقةٌ الأضواء قد تكون لحظية تمامًا كما تشتهر بعض الأغاني الهابطة والمقاطع التافهة لبرهة من الوقت، ثم تتحول الأذواق عنها كما تعافُ النفسُ الطعامَ الفاسد. سرقة الأضواء قد تطول لسنوات إما بالخداع أو بالقهر، ولكنها تزول مع مرارةٍ ترتبط بها أبد الدهر، في حين يستعصي التاريخ على الأفول؛ ومن ثمَّ يمكن اتخاذه مرجعًا ومؤرخًا لفهم ما يجري على الساحة.

كانت أبيدوس في بقعة الضوء يوم اكتنفها النيل، فلما انحسر النيل عنها بما يبلغ عشرة كيلومترات تلاشى بريق الضوء عن أبيدوس ولكن التاريخ لم يفارق أرضها. لم ينس التاريخ لهذه المدينة أنها لعبت دورًا محوريًا في الحياة الدينية للمصريين القدماء ابتداءً من الأسرة الفرعونية الأولى، والذين دفنوا في أرضها مع وزارئهم وكبار رجالات الدولة، وتضم أبيدوس معبد أوزوريس وعدد من القوارب الجنائزية التي اكتُشَف عددٌ منها في السنوات الماضية.

قد يشعر البعض بالغصة لبعده عن هالات الأضواء والشهرة، ولكن الأولى أن نشعر بالغصة إذا تقاعس المرءُ عن صناعة تاريخٍ مشرِّف؛ فالأضواء تتراقص من مكانٍ لآخر ولا تدوم على عكس التاريخ الذي يبقى خالدًا. الأضواء دفعت المرشح الرئاسي عام 1988 جورج بوش الأب لترديد جملته الشهيرة "اقرأ شفتي.. لا ضرائب جديدة" التي صاغها له كاتب الخطابات الشهير بيجي نونان، وقد كان تعهُّد بوش بعدم زيادة الضرائب دافعًا للتصويت له في انتخابات الرئاسة، كانت جملة منمقة وضعت بوش في دائرة الضوء. الأحداث اللاحقة كان من نتاجها أن رفع بوش الضرائب الموجودة كجزء من اتفاقية ميزانية عام 1990. كانت صفعة لهؤلاء الذين تغنوا بجملة بوش الشهيرة، مما أثار حنق الأميريكيين ضد بوش.

زاد غضب الشعب الأمريكي أضعافًا مضاعفة حين وظف بول بوكانان جملة بوش السابقة -خلال الحملة الانتخابية لبيل كلينتون ضد جورج بوش الأب عام 1992- كدليل على التفلُّت من التعهُّدات والاستخفاف بقيمة الوعد الذي قطعه بوش الأب على نفسه. ارتأى الأمريكيون أن بوش الأب يسعى للأضواء ولا يكترث بهمومهم، فاستفاد جيمس كارليل للمرة الثانية من هذا التوجُّه وأطلق تعبيره اللاذع "إنه الاقتصاد يا غبي" مراهنًا على تصويت الناس ضد بوش الذي نكث بوعده وأراد تحقيق نجاح غير مستحق بأي ثمن. لقد كان بوش الأب مهتمًا بالأضواء على حساب التاريخ، ولذلك لم يحمر وجهه خجلًا حين وافق على رفع نسبة الضرائب ليحتفظ بكرسيه. ظل بوش في دائرة الضوء ومع ذلك خرج من دائرة التاريخ. كانت الصفعة التي وجهها له الأمريكيون هي بسحبهم الثقة منه عبر انتخاب شابٍ مغمور -بيل كلينتون- ولم يقبلوا أن يخدعهم بوش الأب مرتين.

الأضواء ليست هي الفيصل النهائي كي تلهث لتقف في محيطها، هناك ما هو أهم فالقيم والمبادئ أهم كثيرًا من الشهرة والأضواء. منذ ساعات قليلة ومع اقتراب اعتزاله بنهاية هذا الأسبوع، ومع تراجعه عن عرش سباق المائة متر بالإضافة لتراجعه عن مركز الوصيف وقبوعه في المركز الثالث، إلا أن الجماهير العريضة ألهبت مدينة الضباب بالتصفيق الحار لأسرع عداء في تاريخ البشرية "يوسين بولت". الجامايكي بولت المعروف بـ "البرق بولت" كان يريد أن يختم حياته بالتتويج في هذا السباق، وقد صرح في المؤتمر الصحفي قبل المنافسة الأخيرة له قائلاً: "أريد أن أعتزل وأنا فائز" ولكنه لم يفز بالسباق ولم يصل للمركز الثاني وعلى الرغم من ذلك قوبل بالتصفيق الحار والدموع السخية، في ذات اللحظة التي قابل بها الجمهور نفسه الفائز بالمركز الأول بوابلٍ من صافرات الاستهجان، أتدري ما دوافعُ ذلك التباين؟!!

إنه تباين الأضواء والتاريخ؛ فبينما حمل بولت لواء اللعب النظيف والمنافسة النزيهة في عالم ألعاب القوى، فإن البطل الجديد الأمريكي "جاستين جاتلين" قد تعرض للإيقاف مرتين على خلفية تعاطيه للمنشطات، وقد أفلت بأعجوبة من الإيقاف مدى الحياة من المنافسة في بطولات ألعاب القوى. وقف التاريخ بجوار بولت في حين انحازت الأضواء لبطل سباق لندن 2017. استطاع بولت أن يؤثر في كل عشاق ألعاب القوى بدرجة بلغت أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد استعمل نفس إشارات بولت خلال زيارته لجامايكا عام 2015. ركز على تاريخك واحرص على أن يكون تاريخُك هو الحافز الذي يدفعك للإنجاز وليس قشور الأضواء الزائفة.

كثيرًا ما ترى التافهين يتصدرون الأضواء؛ فخلال الآونة الأخيرة ظهرت مجموعة من الأغاني الساقطة والفارغة من المضمون والفائدة؛ لتنضم إلى ألبوم الإسفاف الذي لا مكان له في ذاكرة التاريخ، في حين تبقى الأعمال الرائعة في مكانٍ يليقُ بها في تاريخ الشعوب. هناك من لا يريد طبلًا ولا زمرًا وقد ارتضى لنفسه أن يعمل لإرضاء ضميره دون البحث عن الإطراء من الناس. الأضواء قد تكون لعنة للكثيرين إذ هي مدعاة لأن يتلون المرء كالحرباء مع الظروف المحيطة ليجد لنفسه مساحة من البريق، وكلما زادت وتيرة النفاق والتملُّق راجت بضاعته وارتفعت أسهمه، لكنه لو انفرد بنفسه قليلًا لأدرك أنه يتقزَّم بما يتمادى فيه من تلوُّن رخيص.

عندما تقارن بين الأضواء والتاريخ فإن ثمة أمور يجب أخذها في الاعتبار، من بينها أن الأضواء قد تتحقق للشخص بسهولة وبوسائل متعددة في حين أن التاريخ لا يُصنع بسهولة ويحتاج للمجهود المُضني والمثابرة الطويلة. الأضواء قصيرة العمر مقارنةً بالتاريخ؛ فأنت بالكاد تذكر الكثير من الأحداث والأشخاص الذين سُلِّطت عليهم الأضواء لأنهم قدموا أعمالًا لا تنطوي على قيمة أو فائدة للجماهير، سواء كانوا في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الفني أو غيرها من مجالات الحياة. لم يصنع محمد علي كلاي التاريخ بالظهور الإعلامي المتكرر والتنقُّل من فضائيةٍ لأخرى، صنع كلاي مجده بعرقه وجهده في صالات التدريب، ومنها إلى حلبة المنافسة؛ فكان من نتاج ذلك أن لاحقته الأضواء وهو يصنع تاريخه المنفرد. لو أن كلاي تفرَّغ للظهور والأضواء على حساب التدريب والبذل في ميدانه الرئيس لكان كآلاف الملاكمين الذين طواهم النسيان. الأضواء بمثابة الأقنعة سرعان ما تنكشف؛ لذا لا يأبه العظماء والخيِّرون بالأقنعة ويصبون تركيزهم على التغيير الفعلي والإيجابي في حياتهم وحياة الآخرين، وبذلك يصنعون تاريخًا مجيدًا، على عكس من يسيطر عليهم حب الأضواء وقديمًا قالوا: "حب الظهور قصم الظهور".

الأزمات التي نتعرض لها تكشف لنا الكثير ولها الفضل في سقوط الأقنعة التي يتوارى خلفها البعض لوقتٍ طويل، هذه الأقنعة لا تستعصي على التاريخ. يمكن خداع الناس لفتراتٍ تطول ولكن يستحيل خداعهم للأبد. يمكننا ربط التاريخ بالجودة في الكثير من أحكامه، ومغزى ذلك أنك ترى الجودة من معايير الخلود في سجلات التاريخ، وقد يحتج القارئ الكريم بوجود أمثلة لأناسٍ وأحداث تصرفوا بحماقةٍ مقززة ومع ذلك فقد خلدهم التاريخ!! هنا يكون الرد الطبيعي أن أمثال هؤلاء لا يخلِّدهم التاريخ حبًا فيهم وإنما ليكونوا عبرةً لغيرهم، وكلما ذُكروا استقبحَ الأحرارُ والعقلاءُ ما فعله هؤلاء، فكانوا رادعًا لمن يستهويه سلوك هذا الدرب.

الأضواء مُغرية ولكنها مُهلِّكة في ذات الوقت ويتهافت الكثيرون لينالوا قدرًا كبيرًا من الأضواء والشهرة تهافُت الفراش في النار، فاحرص على أن تجد لنفسك مكانًا في عِداد العظماء بالهمة العالية والعمل الدؤوب والاستمرارية في تقديم قصارى جهدك. ضع في حساباتك أن الرجل الذي يربي أولاده ليكونوا نافعين لأنفسهم ومجتمعهم هو أحد صناع التاريخ، والأم التي تتولى شئون بيتها على أكمل وجه وتساعد أبناءها في حياتهم كذلك من صناع التاريخ، والمعلم المخلص والطبيب الناصح لمريضه، والمهندس، والفلاح النشيط كل هؤلاء من صناع التاريخ؛ لأنهم يتركون بصمةً فعالةً ومؤثرةً في المحيط الذي يعيشون فيهم، ولك أن تكون واحدًا من هؤلاء أو أن تكتفي بالبحث عن الأضواء التي لا تدوم.



   نشر في 08 غشت 2017 .

التعليقات

Asmaa Sabry منذ 4 شهر
مقال رائع جدا يتناول قضية معاصرة هامة جدا ، وفعلا تحيا الأزمات التى تكشف لنا الأقنعة التى يتوارى خلفها البعض... وفقكم الله لما فيه النفع والخير دائما.
1
محمد الشبراوي
شكرًا جزيلًا، بوركتم.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا