المفارقات الغائبة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المفارقات الغائبة

ماذا لو كنّا لا نحترم التفاصيل ؟

  نشر في 28 شتنبر 2019 .

" لعل تحت كل هذا شيئاً مدهشاً يتكوّن، وأن المجتمع في حقيقته لا يسير إلى الخلف ولكنه يسير إلى الأمام .!
- الطيب صالح

     امرأة طيبة الحضور، تحفظها السكينة والوقار، سلّمت حين أحسّت أني مسلم، فهي بطبيعة الحال محجبة وتلبس عباءة كاملة.. عربية، فالعربي يعرف جنسه. لكن زوجها هندي ! شككت؛ وكعربي/كمهاجر جرّب الشتات فأنت قد وصلت إلى وعي كافي للتحرر من كل القيود التي تعرقلك، منها الزواج من نفس العرق/الجنسية/العائلة ..كما أتوقع!

من يُشعرِك أنّكِ تستحقِ الحياة في ظل كل هذا الخراب هو من يستحق أن تضحي لأجله. ما يحصل اليوم هو ضرب الإنسانية والإنسان عرض الحائط.


      لاحظت هنا، ليس مرة.. الخواء من بذل المعروف في تفاصيل حياة الإنسان اليومية الصغيرة. العظيمة عندهم..

     امرأة في الخمسين من عمرها تحمل دراجتها الهوائية الثقيلة للصعود بها كل هذه الدرجات الكثيرة/الطويلة.. تعبها يراه من لا يرى، وصوتها وهي تصرخ تطلب المساعدة يسمعها من لا يسمع! كانت تنادي بـ"الأف أفة" كان النداء واضح بيّن سمعته ورأيته؛ ساعدتها.. وصلنا إلى الدرجة الأخيرة، لم يأخذ مني إلا ٣٠ ثانية من وقتي الثمين جداً ..

شكرتني.. كأني قد حملت همًّا قد أنهك شبابها، كادت أن تحتضنني ! لولا الحياء ولولا امتناعي.

     في القطار يتسابق المراهقون وبعض المحبين لنيل سعادتهم الذاتية بالحصول على المقعد قبل الجميع؛ فالتنافس حق بين البشر ! يجلسون في مقاعدهم ويعلنون ضحك الإنتصار، والكبار كبار بوقوفهم.

بانت وجنتيها حين قمت لها/عنها.. تلك العجوز الأسبانية عندما دخلت القطار؛ (قراسياس .. قراسياس) تشكرني بلغتها، وأقول ( واجب .. واجب ) بلغتي، أفهمها ولا تفهمني.. لكن المشاعر تكفّلت بالتواصل.

فالإنسان يملك قدرة خارقة على التواصل بين بني جنسه وفهمه بدون كلمات.. إيماءة قد تكفي.

     جلست المرأة العربية/الهندية/المسلمة في المقعد الذي أمامي. تأملت غشاوة سكينتها وزوجها، المحيّا كان يشعُ نوراً.. والحديث كان خافت كهمس الأم وهي تحكي قصة قبل النوم.

المفارقة، أنني قبل يومين، كنت والجندي الإسرائيلي على نفس طاولتهم، واليد التي حملت السلاح ضد المستضعفين لمدة ١٧ سنة من خدمته للظلم، كان يجلس في نفس مقعدها..! تباً تباً لا يستويان أبداً.


     هدّأت مشاعري التي بدأت بالصراع في داخلي، وهمست لها ما قاله الطيب صالح:( ربما تحت كل هذه الأشياء شيئاً مدهشاً يتكوّن ..) كان ينظر إلى أملٍ لا نراه، من زاوية يصعب رصدها، حول كل هذا الشتات والمفارقات والتناقضات. إسرائيلي يتّهم العرب بأنهم السبب في كل ما يحصل لفلسطين ! واإسلاماه.


     حول فرقتنا لا نقلق.. وكثرة أعدائنا لا نجزع.. فما زلنا نحمل رسالة النبيين (التوحيد) ونسعى تحت ضوء نبراسهم لنكون (خلائف الأرض). فكل الرسل قد أرسلهم الله للناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور.. ما زالت الرسالة موجودة ما حيينا؛ فالظلمات لم تعد شرك فقط؛ بل جهل متراكم وشتات ولغة فردانية مُقيتة.. والكثير، ظلمات بعضها فوق بعض.

     قد انتصف الليل الآن، وكانت نفسي كعادتها تريد إفساد متعة القهوة التي أشربها؛ ها هم يقطنون بعيداً عن دفء أهاليهم وحضن وطنهم.. وأرد على نفسي قائلاً : (ليسوا الأوائل ولا الأواخر.!).

     يا نفس، حين قدم أصيل الغفاري - رضي الله عنه - إلى المدينة بعد الهجرة، دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي: (يا أصيل! كيف عهدت مكة؟) قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق اذخرها، وأسلت ثمامها، وأمشّ سلمها، فقال: (ويها يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها).

     رق قلب الحبيب إلى موطنه الذي طُرِدَ منه، وإلى أهله وذكرياته هناك.. وهو الذي قال: (والله إنك أحب البلاد إلي، ولو أن أهلك مخرجي ما خرجت). لكنه نداء الواجب/الرسالة قد لبّاه الحبيب.


     لكل الذين ارتحلوا قسراً أو عن طيب رغبة، لأجل العلم أو لأجل النجاة، فأنتم رسل الله في الأرض وخلائفه متى ما فهمتم الواجب.. والواجب موجود في القرآن "خلائف الأرض".

سيبقى ألم الفقد موجود.. فالبكاء على الذكريات من طبيعة البشر، والذكريات لا تُفقد وعياً، وإن حاولت فهناك موقف سينبش لك كل ما قد دفنته؛

المواجهة والتصالح مع كل ما مضى هو الحل.


عن هويتهم، أردت الحديث أيضاً، ولكن لا يسعني ذلك. فالقهوة قد بردت والوقت قد تأخر، ويجب أن أعود إلى مأواي.

رفيقي في برشلونة 
ختام:

" الكاتب الروائي - بظني - أقرب ما يكون إلى المؤرّخ ! ".

- الطيب صالح


  • 4

  • محمد الشثري
    خرّيج إدارة .. وأرى التأمل أسلوب حياة .. والقراءة فرضُ عين! .. والكتابة سعي للبقاء .. وأحاول أن أعيش أكبر قدر ممكن من التجارب ..✨
   نشر في 28 شتنبر 2019 .

التعليقات

asma.yasser منذ 2 أسبوع
الإنسان يولد على الفطرة كما ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن أبواه ومجتمعه ودولته يهودانه.
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا