مصدر الحزن..أنت - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مصدر الحزن..أنت

  نشر في 01 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 03 يناير 2017 .

شعاع ذهبي اخترق نافذته صباح يوم جديد ..ابتسم..ألقى عنه غطاء النّوم..أسرع إلى النّافذة لفتحها و روحه تهتزّ لإشراق يوم ربيعي جميل..و السّعادة تتراقص على أطراف شرايينه..

وقف بجانبه هامسا في أذنه بحزن شديد *"مسكين أنت..تتظاهر بالفرح و كأنّك تملك الدّنيا بين يديك..مع أنّك يا صاحبي لست إلاّ كقشّة تطفو على سطح المياه.."

أحسّ فجأة ببرد شديد يتخلّل خلاياه..لفَّ نفسه بملاءة من الخوف و الحزن..نظر إليه يعيون مُتسائلة..

* *كُنتُ أتمنّى أن أشاركك فرحتك هذا الصّباح..كنتُ أراقبك و أنتَ تفتح النّافذة ..كم أنتَ ساذج!! لِمَ الفرح؟؟ ألإشراقة الشّمس..أم لتغريد البلبل ..أو ربّما لجمال السّماء؟؟

إنزع عنك ثياب المسرحيّة و كُن واقعيّا..فلا أرى لنشوتك المزعومة هذه إلاّ سببا واحدا هو غباؤك..

يقتلني غباؤك..بهلوانيٌّ كنت منذ أن عرفتك..تبتسم دون سبب..تفرح..و لا أرى لفرحك سببا حقيقيّا. 

و كأنّك تملك الدّنيا بحذافيرها ..

قال بصوت متردّد ضعيف :-أفرحُ دون سبب؟؟ كيف؟

ألستُ أُبصر..ألستُ أشمّ..و الأحرف..أليست تخرج لتعبّر عن مكنون نفسي..

ألستُ أمشي ..و غيري قد بُترت ساقه..ألستُ أعقل.. و العقل كنز..ألستُ أُحبّ و أحنّ و غيري قلبه كالحجارة إن لم يكن أشدّ قسوة..ألستُ أحسُّ بدفئ الشّمس و زخّات المطر..و أرى ألوان الطّيف و لآلأ النجوم.. ألستُ أرى أحبّائي و أسمع صوتهم..

**معظم البشر ..يملكون ما تملك..كفاك غباءا و حمقا..تصنع قصورا من ورق و غيرك يسكن القصور..تنشغل بفاتورات تأتيك بين الحين و الحين و غيرك يتعطّر بالنّقود..يلبسُ الحرير الحالم و يحملُ أحجارا تشعّ..

-حقّقتُ بعضا من أحلامي ..و أحلامٌ لم تتحقّق بعد..ربّما سأسكن في يوم ما قصرا و ربّما لن أسكنه و لن أكون بسبب ذلك حزينا..يكفيني بيتا جميلا ..أنيقا..و رزقا حلالا طيّبا و ربّ راض غير غضبان..

تعالت ضحكاته:**ربٌّ راض غير غضبان !!أتخدعني أم تخدع نفسك؟؟أنسيت بأنّني صاحبتك في كلّ مرّة سافرت فيها لى عالم الخطايا عبر الخطوط الجويّة للغفلة و النّسيان..

-ما أقساك..ما فائدة أن تذكّرني الآن..أعترف بأنّني قد أخطاتُ مرارا..و تبتُ مرارا..زلّت قدمي..سقطت..ثمّ نفضتُ عنّي غبار الماضي..و فهمت بأنّ كلّ ابن آدم خطّاء..و تيقّنت بأنّ أخطائي كانت سببا في ما وصلتُ إليه الآن من وعي و إدراك..من طهارة و عفاف.

قال مستهزءا**:أمتأكّدٌ أنت بأنّك لن تُخطئ بعد الآن؟؟

-:لقد فتحتُ قنوات الحلال في كلّ مجال من مجالات حياتي لأسير عبرها..و الله يعلم ذلك..أسأله ألاّ يكلني إلى نفسي طرفة عين و لا أقلّ من ذلك..و أن يُباعد بيني و بين خطاياي كما باعد بين المشرق و المغرب..و لكن إن زلّت قدمي ثانية ..فسأسرع بالنّهوض..و أتوب عن قريب..و أمضي قدما ..فلا يأس مع الله..

*: لا يأس مع الله!! و هل أنت متأكّد من وجوده؟؟ و إذا كان حقّا موجودا فكيف يسمح بهذا الشرّ..بهذه العذابات..كيف تعبد ربّا لا يرحم؟؟

قفز من مكانه مذعورا..-:أتشكّ في وجود الله؟كيف؟ ثمّ أردف يقول-:استحضر في ذهنك أعقد و أجمل و أبدع آلة صنعها الإنسان..أيمكن أن تقول أنّها محض صدفة أو مولود جديد للطّبيعة؟ تكن إذا قد حكمت على نفسك بالجنون..فكيف بهذا الكون الفسيح الدّقيق ..البديع ..أيمكن أن يكون محض صدفة!!

و ما هذه العذابات إلاّ نتيجة لأخطائنا و جهلنا و غفلتنا..هي قدر صعب و لكنّه مفعم باللّطف..تندسّ وراءه رحمات لا أوّل لها و لا آخر..

فجأة ..نظر إليه بكلّ جوارحه..نظر إليه طويلا..كمّن يفيق من غيبوبة..لم يكن مغيّب فيها إلاّ جزئيّا..

أو كمّن يترنّح بين النوم و اليقظة..أو كمّن يتأرجح بين الوهم و الحقيقة..دمعت عيناه و هو يقول

-: أيمكن أن تكون أنت..أنت. أعوذ بالله منك..

و إذا بطوله يتناقص..إذا به يصبح قزما ..و إذا به تظهر عليه علامات الحسرة و الغلّ..

**:كيف عرفت بأنّني أنا..

-: لأنّك مصدر الحزن و الضيق..مصدر الشك و الريبة..مصدر الحسد و الغلّ

أصبحتُ فرحا مسرورا..و أمسيتُ حزينا بسببك ..تتنقّل بين إخافتي..و بين تقنيطي من رحمة الله عز و جلّ ..بين قذف الرعب  في صدري..و بين التّحقير من شأني و تشكيكي في قدراتي..و تشكيكي في خالقي و مصوّري ..

عجبا !!كيف لم أنتبه؟ و كيف أنتبه و أنت تهمس لي بصوت يوحي بأنّك تريد الخير لي..تريد مصلحتي..

توقّف..فأرجوحتك لم تعد تناسبني ..لم تعد تريحني..فأنت منذ الصباح و أنت تتأرجح بي بين ذكريات الماضي المؤلمة و بين همّ المستقبل..

توقّف..فالمتعة كلّ المتعة.. في الآن..تُشكّكني في خالقي.. و أنت أعلم العلماء..أنتَ كنت هناك..

كنت وسط الملائكة..كنت تعيش بينهم..رأيتهم رأي العين..عين اليقين..تعلم بأنّ الله حقّ..و الملائكة حق و الجنّة و النّار حقّ..تعلم كلّ هذا و لكنّك بغلّك و حقدك و حسدك ..تريدني أن أكفر بوجوده..

ما أغباك ..ما أحمقك..إذ عرفت الحقّ ثمّ تعاليت و تكبّرت ..فطُردت..

و ما أغباني..لو اتّبعتك..و من أجلي طُردت..فكيف أقف في صفّك و أنت عدوّي..و في صحبتك ..هلاكي

"قال أخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأنّ جهنّم منكم أجمعين" الأعراف

" إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتخدوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" فاطر

-: أحيانا ننسى و نغفل..ثمّ نفرّ إليه و نطرق باب عفوه و رحمته ..فيفرح برجوعنا..و يفتح لنا..أمّا أنت فعصيت أمره..و تعاليت و تكبّرت ..و عندما طردك..لم يسل دمعك..و لم تندم ..و لم تطرق بابه..بل قلت "قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون " الحجر و قلت

" رب بما أغويتني لأزيّننّ لهم في الأرض و لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" الحجر

ما هذا التكبّر..ما هذا الحسد و الغلّ و لو رأى الله فيك خيرا لهداك..فإنّ رحمته سبقت غضبه..

مِن الإنس من يشبهك..يرى الحقّ و لا يعترف..و يقول أنا خير منه!!

فاللهم اجعلنا من عبادك المخلَصين..


  • 3

   نشر في 01 يناير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 03 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا