سقطة السهو - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سقطة السهو

  نشر في 05 يناير 2018 .

سقطة السهو

كانت تقضي لياليها بين الأربعة جدران, فٳن أغمضت عينيها كانت تلك الجدران هي آخر ماتري وٳن استيقظت لا تري غيرهم. تلك الجدران لم تكن فقط رفيقة المحنة والأيام كالحة السواد التي عاشتها, بل عليها استندت وهي تحاول النهوض مرة أخري, وبها تمسكت كي لا تسقط أمام أعين صغارها فيبكوا وتتألم ندما. سجنت نفسها بين جدران تلك الغرفة الصغيرة آملة أن تمر بسلام عبر محنتها, عازفة عن الناس والدنيا, متعبة الجسد ومنهكة الروح. قبل فترة, كانت شديدة النشاط وقوية التحمل لا تتعب ولا تشكو مهما تحملت من أعباء. هي صديقة الاجتهاد ولا تهوي وقت الفراغ, تحب العمل, البيت, أسرتها الصغيرة, وتكره الراحة ولم تبحث عنها يوما. لكن حدث أن أتت الرياح بما لا تشتهي سفينتها. بدأت تلحظ تغير في معظم سلوكيات شريك الدرب وأهمها طريقة حواره معها, ابتسامته المزيفة حتي أن عودته للبيت أصبحت غير ما كانت عليه. كان لا ينتظر أن تجري عليه وتقبله فكان يسارع هو ٳليها. يوما بعد يوم كانت تقرأ الكلمات بين عينيه ولكنه لا يتفوه بها. الانسان لا يتغير بين ليلة وضحاها فقد أصبح علي ماهو عليه علي مدار أشهر طويلة, لكن السؤال: لماذا؟

خلال سنوات طويلة قضتها معه استطاعت أن تدرس شخصيته وتتفهمها أكثر من أي شخص اخر, واستنتجت أنه الآن مختلف وهناك ما يخفيه. كان من المستحيل أن تتخيل ما يساور عقلها من أفكار وكثيرا ما كانت تحاول استبعادها: هو يحبها, بل يعشقها ويفضلها عن الجميع. حاولت ألا تستسلم لظنونها وأتجهت في محاولة يائسة لاستيعابه فربما هو يعاني مشكلة ما, وبدأت تقترب منه أكثر لشد أطراف الحديث أو اكتشاف ما يخفيه بين جنباته, لكن دون جدوي. اقترحت أن يسافروا من مدينة لأخري بهدف التغيير ولكن لم تأت المحاولة بالثمار المرجوة. حينها بدأت تكتئب في صمت وكانت الأفكار تدور بخاطرها عما يمكن أن يكون عليه المجهول, حينها كانت تحتفظ بكل تلك الأفكار والسيناريوهات في عقلها ولم تطلع عليها أحدا. كانت تؤدي عملها في  صمت وتخرج وتسعي فٳن غالبتها الهموم تبكي بمفردها دون أن يشعر بها أحدا. كانت تتجول ليلا عائدة من العمل وتختار الشوارع المظلمة التي تحاكي ظلمة ما يخبأه لها القدر فتنهمر دموعها وتنظر ٳلي السماء متسائلة عما سيلحق بها ٳذا ثبتت صحة ماتلقي به الظنون أمام عينيها, كانت تحرك الدبلة من ٳصبعها وكأنها تتسائل هل يمكن أن يحدث؟ هل سيأتي يوما ونبتعد؟ هل سيسمح للقدر أن يزج بي في بئر لا نجاة منه؟

في يوم ممطر غلبتها الدموع في طريقها ٳلي المنزل, وبكت هونا حتي استندت ٳلي شجرة ولمستها واستندت برأسها اليها, لم يكن لديها غير تلك الشجرة تستند ٳليها لتخفي وجهها المنهك وتبكي, يدا تلمس الشجرة والأخري تلمس قلبها الذي أوجعته الظنون. وحين هدأت مسحت دموعها وواصلت السير وعادت ٳلي بيتها لتطمئن عليه وعلي صغارها, بعدها طلب منها أن يقضوا بعض الوقت سويا قبل النوم وأن هناك ما يود أن يسرده لها, فكاد قلبها أن يتوقف من الخوف وكانت تتوقع كل كلمة سيلفظ بها حتي أنها كانت تستمع اليه بكل حب, وقد كان!!!!!

أعترف بأنه علي علاقة بغيرها, ولكنها لاتزل علاقة سوية وأنه لم يقع في الخطأ, تردد علي منزلها وكم يشعر تجاهها بالشفقة لكونها تحبه هي الأخري. كانت تستمع ٳليه وهي تفكر في امكانيتين لا ثالث لهما:

الٳنفصال أو الٳنكسار. كلاهما صعب وقاسي بل أنه أقسي من أن يتحمله قلبها, استمعت اليه ووجهت له اللوم واختارت ألا تزج بالعلاقة في بئر مظلم واستوعبت أنه يتوجب عليها الان أن تكون سيدة الموقف أن تحكم بعقلها وليس بعاطفة المرأة. فكانت الزوجة الحنون التي تلوم بدموع الانكسار وتستوعب الخطأ بعقل يخشي الٳنفصال. جفت مشاعره فاختنق قلبها بشوق لمن يهوي الهجر, ضعفت فقسي عليها, اقتربت حالمة فابتعد ظالما, فاكتفت أن تتنفسه عشقا وتلمس معطفه كلما داعبها الحنين واختارت أن تتقبل الحقيقة بكل ما فيها وكل ما سيؤلمها وسينهك روحها, وارتضت أن تبقي ٳلي جواره.

بعد عدة أيام تتصل بها مجهولة لتخبرها بأنه يتردد علي منزلها ويجلب لها الهدايا وأن رقم هاتفها قد نسخته من هاتفه النقال, حينها لم تستطع أن تحطم قلبها للمرة الثانية, هو لا يخشاها ولا يخشي من الأمر أسوأ عواقبه, هو لا يتحسب  لما يمكن أن يؤول به مثل هذا التصرف, هو لا يحبها أبدا هو خائن ليس ٳلا!!!!! أصابتها الصاعقة يوم تأكدت من خيانته لها, هوت وارتطمت بالواقع المرير, لم يؤلمها السقوط نفسه ولا بعد المسافة ولا حتي حدة الارتطام قدرما آلمها أن يكون هو من دفع بها ٳلي السقوط في ذلك البئر العميق المظلم الذي لطالما ابعدت علاقتهما عنه. واجهته ولم ينكر بل توعدها أنه سيستمر في تلك العلاقة أو حتي غيرها ودون أن يخبرها وسيفعل كل ماتستهويه نفسه, هنا تحتم عليها القرار ففي مثل تلك المواقف قد تصبح المرأة هي القاضي الذي سيحكم علي نفسه. سقط القناع وارتسمت الحقيقة أمام عينيها كاملة, هو يخونها وتجاهل الأمر لتجنب أسوأ تبعاته ليس بالحل المنطقي, هي لم تعد تشعر بالأمان معه وتبددت سحابات الحب والعشق خلف ضباب الغضب الذي أشعل نيران الفرقة, لم تعد تهنأ ٳلي جواره ولم تعد هي من تسعده بل أنه ضل الطريق باحثا عن سعادة مزيفة.

استعدت للفراق بأن استجمعت بعض من قوتها في الصبر والجلد علي ما آل ٳليه الوضع بينهما, تشد كل يوم من أزر قلبها, تنهمر في البكاء وهي تضع رأسها بين ركبتيها وتصرخ في صمت لا يسمعه ٳلا قلبها الجريح.

 تتألم كل يوم وهي تحاول أن تبتعد وتتأقلم علي حياتها بدونه فلا تستسلم ٳلي النوم ٳلا وهي تتلمس طرف غطائه. تنصهر ضلوعها شوقا له فترتمي وسط معاطفه لتتنفس عطره. استمرت لفترة طويلة وهي تحاول أن تتأقلم وتتقبل حياتها بدونه وهو ساعدها دون أن يدري في اجتياز تلك الأيام الصعبة فقد كان قاسي القلب وكثير الهجر. حين أدرك أنها قد اختارت الابتعاد الآمن وأنها ستواجه الحياة بدونه بعد أن نفذ صبرها وأنه يتوجب عليه الآن أن يواجه الحياة بدونها وأن يبتعد, فهي لن تعيش يوما آخرا له, لم يتقبل هو البعد عنها وقام ينتقم لكرامته, فالرجل لا تتركه امرأة بل تموت  بعده وتتعذب بدونه. حينها عمد أن يعيدها ٳليه بكبرياء الرجل الشرقي الذي يلهث وراء سراب, عنفها وأذاها وأوجعها بل وهددها بأنه سيخرج من حياتها, ولم لا وهو بالكثير علي امرأة واحدة. كان صمتها لسنين طويلة هو بمثابة الخطأ الذي لا يمكن الآن تداركه. فوقفت في وجهه معلنة الحقيقة, تحولت ٳلي مرآة عليه وللمرة الأولي أن يمعن النظر فيها ليري بشاعة حقيقته التي دوما يخفيها عن الاخرين. فما كان منه ٳلا أن هم بتحطيم تلك المرآة فهو أضعف من أن يري ويسمع ويواجه الحقيقة. كان تصرفها هذا هو الرد الذي جرح رجولته وأسقط قناعه أمام عينيه بيدها للمرة الأولي والأخيرة, أوجعها بكل ما أوتي من قوة ورحل تاركها علي الأرض ورائه. وقد كانت النهاية: ألقاها لهوا ..... فسقطت سهوا! أراد أن يلعب تلك اللعبة المعتادة بأن يلقيها وستعود حتما فهي لطالما عادت وخضعت, لكن تلك المرة كانت مختلفة كما كانت قاسية. تلك الفترة يصعب وصفها بالكلمات, فهي لاتذكر منها سوي الأربعة جدران وكوب الماء والأدوية التي لازمت يديها حتي أثناء النوم. حينما اعتقدت أنها سقطت في بئر عميق ولن تخرج منه, استسلمت لأحزانها التي لم تكن مضطرة أن تستخدم ضدها الكثير من الأسلحة النفسية المدمرة, فقد كانت للأسف منهكة وأضعف من مقاومتها, فاستسلمت للسقوط ولم تقوي علي مواجهة الحياة بدونه, وكيف؟

كيف لها أن تواجه دنيا هو ليس فيها؟

كيف لها أن تعيش بدونه؟

كيف تلتفت حولها فلا تجده؟

كيف لها أن تكمل حياتها وهو لا يمسك بيدها؟

ثارت علي ضعفها, حتي أنها لم تستطع تمالك أعصابها ودخلت ٳلي غرفة النوم لتحطم كل كبيرة وصغيرة بها, حطمت سريهما وخزانة الملابس وحطمت الزجاج وكسرت كل ما لمسته أيديهم يوما ومزقت الستائر والمفارش والأغطية. لم تدرك ما أصبحت عليه الغرفة ٳلا حينما اشتدت الآلام بيدها التي انجرحت ونزفت حتي أن أحد الأرفف وقع علي رأسها فأوقعها أرضا فاقدة الوعي, وعادت مرة أخري للسرير والأربعة جدران. بعد أن سقطت في البئر العميق الذي كانت تخشاه وهي محاطة بالهموم والأوجاع, انفصلت تماما عن الحياة ولم تعد تفتح عينيها ٳلا لتناول جرعة الدواء. لم تعد تميز بين الليل والنهار فهي لا تري ٳلا ظلاما. حتي جاء يوما ولمحت ابنتها تضع لها كوبا من الماء وتخرج في صمت من الغرفة, فبكت بكاءا أوجع قلبها قبل عينيها وهمت بالنهوض لتنظر ٳلي صغارها فيجروا ٳليها ويتسابقوا في احتضانها. التفتت ٳلي المرآة لتري أن عينها مصابة بالتورم الشديد ووجهها شحب وجسدها نحف. فأدركت أن الكون لن يتوقف عن الدوران لأنها انكسرت بيد من عشقته, وأنه لن يقيم أبدا طقوس العزاء لأنها حزنت علي فراقه, استوعبت أنه تأمل لحظة سقوطها ولم يكتفي فقط بدفعها, فعليها ٳذن النهوض لترميم نفسها.

حياة هي ٳمرأة أدركت في شخصيتها قوة لا تسمح لها بالصراخ والنحيب علي من لا يستحق, تفضل الموت علي أن تعترف بأنها تموت عشقا له, وقادرة ببراعة أن تصنع من ثوب الألم والخيبة فستانا أنيقا يليق بسحرعينيها, وتتزين بابتسامة غامضة تسخر بها منك ومن فشل الواقع في الٳيقاع بها وهزيمتها, ترتدي الحزن معطفا ثقيلا علي كتفيها أو كعبا عاليا في قدميها مهما آلمها فلن تسمح لك أن تري منه ٳلا جمالها. تلك المرأة بداخلها فلسفة أعقد من أن تدركها, تمكنها من أن تري كل الرجال بأنماط متشابهة: في نظراتهم ذئاب وفي وعودهم أرانب وفي أفعالهم فئران وعلي النقيض هي مؤمنة أن ذلك المستحيل الذي قد يثبت لها عكس ذلك قد يأتي يوما. لقد ألقي بها لهوا علي أمل أن تستسلم وتضعف فيقوي عليها, وهي بدورها سقطت سهوا معتقدة أن فراقه قد ارتسم الحزن لها طوقا ٳن لم يودي بها فورا فلسوف يخنقها حتما. ولكنها تعلمت كيف تكتشف ما بداخلها من قوة ومثابرة ورغبة في الاستمرار مدركة أن الحياة لن ترفض وجودها بدونه وأن مابينهم قد كان ولن يعود. أدركت حياة كيف تكون في النهاية تلك المرأة التي يحسب لها الرجل ألف حسابا, تلك التي تعرف كيف تبتلع الصدمة بصمت وتمضي في هدوء رافعة رأسها. هي قوية لأنها تعلم أن الحياة لا تحترم ٳلا الشخصية القوية التي لا تجذع بسبب التجارب الفاشلة ولا تكسرها محنة بل تبنيها.



  • 3

  • أميرة أحمد
    طالبة دكتوراة في تخصص اللغة الفرنسية وآدابها
   نشر في 05 يناير 2018 .

التعليقات

جميل جدا ان تكون المراةفي هذا الموقف (سيدة الموقف وتحكم بعقلها وليس بعاطفة المرأة. فكانت الزوجة الحنون التي تلوم بدموع الانكسار وتستوعب الخطأ بعقل يخشي الٳنفصال. ) المرأة قادرة علي ذلك.. واكن لها كل احترام وتقدير ... فهي وبكل جدارة و ما تتمتع به من القوة والمثابرة ... تستطيع أن تجعل الرجل يحسب لها ألف حسابا,
فهي حقا تعرف كيف تبتلع الصدمة بصمت وتمضي في هدوء رافعة رأسها. هي قوية لأنها تعلم أن الحياة لا تحترم ٳلا الشخصية القوية التي لا تجذع بسبب التجارب الفاشلة ولا تكسرها محنة بل تبنيها.
مبدعة جدا جدا ... اميرة ....
في هذا المقال ( القصة المؤثرة ) ... فالمرأة تستطيع... وبكل قوة ... تحياتي وتقديري لك
2
أميرة أحمد
شكرا لك وسعيدة جدا ان حضرتك قرأت القصة ونالت إعجابك. تحياتي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا