الخط الفاصل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الخط الفاصل

الخط و كوميديا القمع

  نشر في 17 ديسمبر 2016 .

ربما يكون التجريد الكامل للفضاء المسرحي بالإعتماد علي "خط" فقط يقسم خشبة المسرح لنصفين هو أول ما جذبني في عرض "الخط" الذي قدم في إطار مهرجان الإكتفاء الذاتي لمسرح المتخصصين من قبل قسم الدراسات المسرحية بجامعة الأسكندرية ، حالة من التوازن في طرح الأفكار شابت العرض طوال مدته بالإضافة إلي العاطفة الجسدية التي ذهبت إلي المتفرجين من خلال طبيعة العرض الذي يدور في صراعه حول شخصيتين تقدم كل منهما للحصول علي وظيفه وبقي أمامهما حل واحد وهو تخلص أحدهم من الآخر ليربح الوظيفة وجسدوا الصراع من خلال مجموعة من ثنائات العلاقات الخاصة بالضدية كعلاقة "المستبد والخاضع ، والآنا والآخر"وغيرهم وكان دور المخرج "محمود المسيري" قد لعب دورا آثار به انتباه المتفرجيين طوال العرض هو تجسيد الصراع بعلاقات قمعية كوميدية من خلال أكثر من مكون مسرحي بتشكيل الآداء الجسدي و نص العرض و الموسيقي .

أصابنا التوتر والترقب ولازمنا منذ دخولنا المسرح وقبل ظهور الممثلين علي الخشبة وذلك بسماعنا للموسيقي التي ظلت مستمرة حتي بعد جلوس الجمهور إلي أن ظهرت مادة فلمية علي شاشة في عمق الخشبة يظهر بها أحدي الشخصيات تقوم بتعديل ملابسها أمام المرآة وهو ما أسهم في صناعة صورة بصرية وحين يعم الظلام تختفي الموسيقي والشاشة ، تضئ الخشبة من جديد وتظهر شخصيات العرض لم يبدو اختلاف بينهما علي مستوي الملابس فهما يرتديان بدلة مقابلات العمل وإنما كان اختلافهما من حيث التكوين الجسدي فشخص شاب صغير الجسم و الآخر يبدو كشخص تخطي الأربعين من عمره وهو ما يؤكد اجتهاد المخرج "المسيري" في توضيح معالم الشخصيات ، كان الإستخدام الجسدي للممثلين بالإضافة إلي تسكين أدوار الشخصات يكمن في كونه وسيط قادر علي التعبير بوجود روح الكوميديا التي طافت في العرض .

تنافس الشخصيتان علي الوظيفة عن طريق "لعبة" وهي رمي العملة ولكن الإثنان إختارا وجه الكتابة وليس الملك لذلك خسرا فكما قالت الشخصية المهيمنة هنا " الملك دائما ما يفوز " ، علينا التأكيد علي وجود صوت الكاتب يدين به الأوضاع السياسية و الإجتماعية وإن كان النص الأصلي التي تم إعتماده هو "نظرية اللعبة لبيتر سيجال" و الذي يدور حول وضع السلطات الخطوط لتطوير مستويات الإنسان كرؤيته للفكر الفكر والحرية والإرهاب ، إلا اننا هنا بصدد تجربة ذاتيه للمسيري قام بمعالجة شاملة لنص سيجال بأخد فكرة الخط فقط وتعمد تجاهل باقي العمل الذي لا يمط لفكرة العرض المسرحي بصلة فكتب نص عرض جديد دان فيه الأوضاع المحيطة بنا بفضح علاقات العالم المشوه فرجل في الأربعين من عمره لا يمتلك وظيفة ولا زوجة فأصبحت الشخصية المتسلطة التي قام بدورها " محمد الخشاب" تكشف ما الذي قد يؤلنا المجتمع إليه و إلي أين قد نصل لنحصل علي ما نريد فقد أشهر بسلاحه امام الشخصية المنافسة والشابة له في العمل - وقام بدورها " ماجد العربي" - من أجل محاولة إخافته للتنحي جانبا وترك الوظيفة له لا يوجد شر مطلق فرغم التهديد الا انه لم يؤذيه .

من أجل إبراز الإختلاف الفكري بين الشخصيتين عمد المخرج علي إستخدام شاشة تم تقسيمها لنصفين فالشخصية الشابة يفكر في "توم وجيري" اما الشخصية الآخري فتفكر في "المصانع والتروس" شخصيتان متضادتان فكريا و علي مستوي الحوار برز ذلك أيضا لازال الشاب يظن انه يعيش عالم الأحلام الوردية وخانع لكل ضغوطات الحياة اما الآخر فلا يمنعه شئ من ان يثور ويتلاعب بقواعد الحياة ، تلاعب بزميله في التقديم ايضا سواء بإرهابه بالمسدس أو بإجباره علي اللعب معه وهنا كانت لمنهجية "مايرهولد" بروز كبير فكما قال (( إن الحركة هي التي تولد المشاعر وليس العكس )) فبعد سلسلة من محاولة سيطرة الرجل علي الشاب تحول الشاب لمحاولة السيطرة علي الرجل وخضع الآخر له ، هذا الخضوع أثار المتلقين بالقلق وأعطاهم مزيد من التركيز فتم التجديد في شكل الفضاء بسهولة بنقل الخط من تقسم الخشبة لنصفين بالطول إلي تقسيمهم بالعرض وهنا تبدلت سلطة الشخصيتان فظهرت مشاعر الشاب الحقيقة بإنه ليس خانع وسيستميت من أجل الحصول علي الوظيفة وبذلك ظهرت جماليات العلاقة بين جسد الممثل و الفراغ .

صراع وهمي كان نتيجة العرض وتم ذلك بجعل بداية العرض هي نهايتها فالشاشة تأتي من جديد لتذكرنا أن الشخصية الشابة أمام ذاتها في المرآة وكل ما تم يدور في داخل عقله قبل الخروج من منزله للتقدم للوظيفة ، محاكاة ساخرة للواقع المعاش برزت في ذهن المتلقين أثناء العرض من خلال صورة بصرية وممتعة ساهم في اكتمال العرض وجود الموسيقي من تأليف " محمد خالد " فكانت ذات صدي مميز وجديد تارة لروح الكوميديا و تارة للصراع لحظات التنافس بين الشخصيتين ولأن العرض مؤلف من قبل الشباب من الألف إلي الياء فوفقوا في الموسيقي بكونها مؤلفة خصيصا للعرض المسرحي وليست معالجة كما الحال مع أغلب العروض الآن .

إنصب كلا من " محمد الخشاب " و "ماجد العربي" علي تصوير الحالة الشعورية والإنفعالية لهما وهو إعلان واضح وصريح لإمكانيات الجسد فمن عاني من القهر و التهميش حينما أصبح امامه لا مفر من أن يهمش الآخر قام باستحضار هذه الروح الإنهزامية للآخر وحاول تهميشه أيضا ، كانت أبسط التفاصيل هي ما ميزت العرض فضاء مجرد من الديكور به خط أبيض علي خشبة سوداء وكرسيان تجلس كل شخصية علي واحد هو فضاء العرض ورغم هذا التجريد إلا انه أكسب العرض أهم مميزاته فأعطي الممثلين مساحة حرة للتنقل علي خشبة المسرح كذلك الإضاءة و المادة الفلمية تفاصيل بسيطة ولكن توظيفها كان دقيق فالفضاء المجرد لم يشتت المتلقي إنما أدخلنا عالمهم و إعتماد " محمد المأموني " في الإضاءة علي إنارة المسرح وليس شخصية بعينها إلا في بداية العرض ساهم في تأكيد حالة الموازاة و المساواة بين الشخصيتين ليؤكد ان الشخصيتان ما هو إلا "شخصية واحدة " فلا إضاءة تميز اي منهم عن الآخر .

محاولة صادقة وممتعة تظهر مأساة "المسيري" الذاتية وما يحول في ذهن الشباب بعد التخرج فنسبة البطالة في إستمرار ومحاولاتك لإظهار رأيك والوقوف ضد القوانين تحيل بك لمناطق شديدة الظلمات وتجربك علي إتخاذ طرقات ملتوية و إن تم تعمد الجانب النسائي في هذا العمل سواء في الشخصيات أو من خلال الحوار ليتعمد المخرج إنارة مشاكل الخريجين من "الذكور فقط" ، عمد العرض علي إثارة التساؤلات فرغم عدم تعدية النصف ساعة إلا ان التكامل البصري الذي لاقيناه من توزيع الأدوار و تشكيل الحركات و إيجادة توظيف العناصر الفنية والتشكيلات علي المسرح ولابد لنا الا ننسي الخطوط المحورية و الأفكار التي طرحها العرض وهو وليد هذا الواقع الذي يعيشه غالبية الجمهور .

طاقات تمثيلية تستحق الثناء والشكر كشفها العرض قدمت من جامعة الأسكندرية إلي جامعة عين شمس لتمتعنا بفن مسرحي راقي نتمني رؤيته من جديد ومخرج واعد أنتظر له العديد من العروض المسرحية في الفترات القادمة .


  • 2

   نشر في 17 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا