القادم من على العُشب الأصفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

القادم من على العُشب الأصفر

  نشر في 05 أبريل 2016 .

عندما يُفنى عمرك على ملاعب الدرجة الثانيه المفعمة بالكآبه .. اصفرار عُشبها المتهالك يخبرك أنه لا مفر , سوف تبقى هنا حتى يشيب شعر رأسك و لن يعرفك أحد سوى زملاء فريقك .. رائحة مراحيضها النتنة تقضى على فٌتات أملٍ بقى مناضلاً مقاوماً داخل خندقٍ فى صدرك , كيف ستخرج من هنا الى هناك ؟ هناك حيث الأضواء حيث كل شئ منمقُ ولامع و يبدو زاخرُ بالأمل لكن كيف ؟ أى صدفة سوف تقذفك هناك ؟ أين ذلك الأنيق ذو النظارات الشمسية الذى يطلق عليه "وكيل لاعبين" أو "كشاف مواهب" ؟ تنتظر ليأتى يوماً الى المدرجات يجلس هناك يراك بمحض الصدفة .. يراك و أنت تراوغ حفنةً من اللاعبين كأنهم لاعبُ واحد , يراك تخرج من بينهم كما يندفق الكاتشب من شطيرةٍ مكتنزة , يراك و أنت تضع زملاءك أمام المرمى دون مجهودٍ يذكر .. ينبهر .. يخرج هاتفه من جيب معطفه , ربما هو الآن يحدث أحد رؤساء الأنديه أو اللاعبين القدامي عنك , يمكنك أن تراه بطرف عينك و أنت عالقٌ داخل المستطيل الأخضر , تراوغ مراوغةً رائعة و تختلس نظرة اليه , تسدد فى ثغرةٍ من المرمي و تختلس أخري .. تدافع بشراسةٍ مع زملائك فى وسط الملعب لتخبره بطريقةٍ ما أن صِغر حجمك لا يعيقك عن اختطاف الكرة من أحدهم أو الاحتكاك بعنف مع آخر .. تختلس نظرةً اليه .. ربما لا تراه انساناً , ربما تراه شهرةً و مال تراه آلافٌ يصيحون باسمك و يرفعون قميصك .. تختلس نظرة اليه لكنك لا تراه و تعلم أنك لن تراه , هو لم يحضر و لن يحضر و لن يترك مئات اللاعبين الذين يطلق عليهم لاعبون لديهم " خبرة الدورى الممتاز " ليأتي اليك , ذلك الفصل من فيلم Goal و ذلك الكشاف الذى أتى من نيوكاسل الى أقاصي المكسيك ليشاهد سانتياجو ميونيز يراوغ احدى عشر لاعباً فيأخذه معه على أول طائرةٍ الى لندن - لن يحدث ذلك الفصل هنا .. 
تنغلق كل الطرق و يُرمى على أرضها صخوراً قاسيةً تسُد الأفق و تٌصِر على ألا تريك ما خلفها .. لكن تبقى هناك ثغرةُ ضئيلة وسط كل تلك الصخور , ربما حتى جسدك النحيل لا يستطيع المرور خلالها .. ماذا لو صعدت بفريقك أنت بنفسك الى الدوري الممتاز ؟ ..

تتواتر الأنباء عن صعود فريق يسمى "مصر المقاصه" الى الممتاز .. تُبهر الجميع , تثبت لهم أن ذلك القاع الذى أتيت منه يعُج بمئات من الأقدام التى لا تستحق أن تندثر فى عالمٍ مجهول لا يعلم عنه أحد شيئاً .. نجاحك الساحق كان نجاحاً لكل أولئك الذين انتظرو أن يأتي ذلك الرجل ذو النظارات الشمسية يوماً .. رغم انفجار نجمك فى عقول كل من تابعوك من كافة الانتماءات حالَ القدر بينك و بين اللعب تحت الأضواء , بين الانضمام للأندية الكبيره لأسباب لا تبدو منطقيه .. 
تركض داخل الملعب لا يٌهمك من تواجه أو من تٌراوغ أو على من تسدد , كل ما يهمك هو ذلك الزمن الذى تنظر عن يمينك و أنت تركض فتراه يكاد يسبقك , من خلفه العمٌر الذى كاد أن ينقضي و مازلت لم ترتدي التاج بعد .. تنتظر كأميرٍ شاب ينتظر موت الملك العجوز القابع على كرسي الحكم ليحل مكانه .. كنت دائماً تعلن عن وجهتك التى ستتوجه اليها يوماً .. تعلم أنك ستتوجه اليها يوماً .. الزمالك ولا شئ سوي الزمالك , الزمالك أو تنتهي مجهولاً .. الزمالك أو فلتذهب الكرة الى الجحيم .. الزمالك وحده من سيجبرك على فعل المزيد بالكرة رغم أنك قد فعلت كل ما يمكن فعله بها ..
 يكاد الحلم يقترب بعد مُضى ما يزيد عن خمس سنوات من الانتظار .. الرقم 14 يستعد لمعانقة صديقٍ جديد له , يستعد ليهبه كل ما يملك من أرواح الأساطير الذين ارتدوه , ليضخ داخل جسده طاقتهم و اخلاصهم و انتماءهم و ابداعهم .. بطريقةٍ ما قد نجح فى ذلك , بطريقة ما أصبحت متكئاً داخل قلوب مشجعي الأبيض لا يختلف اثنان منهم عليك .. حتى أولئك الذين شككو فى قدرتك على تحمل القميص الأبيض أذعنو و رضخو لموهبتك .
حينما تنسدل الغيوم على دفاعات الخصم , حينما تعلن الكرة عن غضبها و زمجرتها وحدك من يستطيع ترويضها , من تَجِدٌ لنفسك خاطراً لديها .. لأنك أمضيت معها عٌمراً , تمسكت بها فى سنين عجافٍ و قاتلت لأجلها و معها , صعدت معها الدَرَج تعرقلت معها و نزف الدم من أنفك عليها .
أيقن جمهور الأبيض أنك القادر على الخلاص بهم فى الأوقات الحرجة , وحدك من تستطيع أن تجدف حينما تخر القوى و تتهاوى العزائم و يترك العاشق شاشة التلفاز .. يظل الأمل قائماً ما دمت لم تغادر أرض الملعب بعد ..
هدمت لهم أسطورة "أبناء النادى" الذين يحتكرون عشق الفريق لأنفسهم , الذين يضمنون مركزاً أساسياً داخل الملعب فقط لأنهم "أبناء النادى" لأنهم ترعرعو فى مدينة الأضواء و انضمو الى النادى فى سنٍ صغير , بعضهم انضم لأنه ابن أحد اللاعبين القدامى و البعض الآخرٌ جعلت منه الصدفةٌ لاعب كرة قدم .. أثبتً لهم أنك أكثر عشقاً للقميص الأبيض منهم .. نعم أنا أعشقه أكثر منكم جميعاً , أعشقه منذ كنت عالقاً فى الجحيم .. منذ كنت أركض على العشب الأصفر .. 
أقول لنفسى لماذا دائماً يبدو متجهماً ؟ .. لماذا يبدو غاضباً كأنه يكتم بداخله كثير من الحنق .. لماذا تبدو نظراته جديةٌ أكثر مما ينبغى ؟ .. يرطمه أحدهم فى الأرض فيقوم فى حينها لا يضحك مثل كثير من اللاعبين لتلطيف الأجواء , يشيح بيديه الى الحكم يعترض على عدم وجود بطاقه , تتسع عيناه غضباً كأنه سينفجر اذا مسه أحد ثانيةً .. 

اذا كنت مٌحدث كرةٍ فانك ستتخذ من الكرة طريقاً لتحصيل أشياءٍ أخرى , أشياء قد تتعلق بالمال , بالمعجبات , بالانغماس فى الأضواء و جذب الأنظار .. لكن اذا كنت أيمن حفني فستكون فى غني عن كل تلك الترهات .. لن تفعل شيئاً سوي ركل الكرة داخل الملعب لأنك لا تجيد سوى ذلك ولا تهتم لشئ سوى ذلك .. اذا كنت أيمن حفني لكنت ستلعب كما لو أنك مشجعُ سنحت له الفرصة مرة واحده فى حياتِه ليلعب ضمن صفوف فريقه , حينها لن تدخر مثقال ذرةٍ من عطاء , لن تتثاقل و لن تتراخى و لن تستكثر ولن تكابر لأنك كنت مشجعاً و مازلت مشجعاً و ستظل مشجعاً .. بعدها .. بعد انتهاء تلك المباراة الوحيدة فى حياتك ... لن يكون هناك شئ يستحق أن تأبه لأجله .


  • 3

   نشر في 05 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا