الفكر الإسلامي و إشكالية القطيعة . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الفكر الإسلامي و إشكالية القطيعة .

  نشر في 08 فبراير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 فبراير 2018 .

 

  تقوم مختلف المجتمعات القديمة على تكوين موروث ثقافي يجيب عن أهم أسئلة الإنسان الوجودية ، كما يصوغ نموذج الفعل الإجتماعي و الأخلاقي و السياسي ، و ذلك ما يخلق بنية عشائرية أهم وظائف ثقافتها هي إبعاد أفراد هذه العشيرة عن الشرود ، الذي قد يؤدي إلى ما يسميه الأنثروبولوجي الفرنسي "إميل دوركايهم" بالأنومي أو ضعف الإنتماء إلى المجتمع ، لذلك تعمل الثقافات بواسطة أديانها و أساطيرها و عاداتها على ضمان حد أدنى من اللحمة الإجتماعية بين أفراد جماعة أو عشيرة ما ، و بهذه الطريقة تتقلص الفوارق و الإختلافات بينهم ، ما يجعل حياتهم تتأسس على التشابه و الأحادية و ليس على الإختلاف و التعدد .

بالإضافة إلى ذلك ، تتميز ثقافات المجتمعات القديمة بالجثوم أما حياة أسلفها ، فلا تقعد إلا كما قعدوا ، و لا تجلس إلا كما جلسوا ، و لا تحكم إلا كما حكموا ، و لا تقرأ إلا ما قرؤا و لا تتعلم إلا ما تعلموا . أو بكلمة علمية ، تحافظ الثقافات القديمة على "نظرية المعرفة" بمعناهى الإبستمولوجي الذي ترثها عن أجدادها ، ذلك بما تتضمنه من معنى العالم و الذات و الماضي ، و الآخر الذي لا ينتمي لثقافة السلف ، و نمط السياسة و الحكم ، ثم المصير أي ما بعد الموت .

أما ثقافة المجتمعات الحديثة ، فإنها تقوم على "القطيعة" مع موروث أجدادها ، و تصوغ نظرية معرفتها الخاصة بالعالم و الطبيعة و الإنسان ، و تخلق نموذج حكم و سياسة جديد ، كما تبدع منطق فعل أخلاقي مغاير ، و ذلك ما يفتح أمامها سبل اكتشاف ما لم يكتشفه أو يعرفه أسلافها ، الإكتشاف الذي يعد أساس كل مبادرة إنسانية تروم التقدم و التطور و الإرتقاء . لا يحصل ذلك إلا عن طريق إحداث قطيعة مع نمط تفكير الأجداد و إبداع نمط تفكير جديد هو أقرب إلى روح زمن الخلف منه إلى عبق أيام السلف ، و في ذلك تظهر أحد أهم سنن الطبيعة و الحياة ، و هي التغير و التبدل و التقدم ، إذ أن كل ظواهر الطبيعة تتعرض للتغير و تتميز بالإختلاف ، و ذاك نفس ما يتصف به تاريخ الإنسان .

غير أنه يبدو أن التغير و التجديد كأهم سنن الطبيعة ، تعارضه بعض الثقافات الجاثمة أمام العالم و ليس الواقفة بإزائه . لعل الثقافة الإسلامية بمعناها "السياسي" في الوطن العربي تعد أبرز و أوضح نموذج عن ذلك ، إذ يرفض الإسلامي مصدر المعرفة المعاصرة و هي "العقل" و يُصر بأن مصدرها "الغيب" حصرا ، كما يرفض نموذج أخلاقي معاصر و لا يقر نموذجا أخلاقيا إلا ما ما أقره السلف ، يستنكر نمط الحكم الجديد و يصفه بالجاهلي و يستمسك بنمط حكم عتيق بيننا و بينه من الزمن آلاف السنين ، يلعن و يكفر أهل الأرض كلهم و لا يستسيغ بأن منطق التكفير لا يتيح سبل العيش في عالم مُعَوْلَمٌ ، كل شيء فيه مرتبط بكل شيء ، فكيف تكفر من يصنع لك حتى السجاد الذي تصلي عليه .

لكن المفارقة ، عندما تجد إسلاميا يستعمل و يتمتع بشكل الحياة الحديثة و في نفس الوقت يكفر من أبدع هذه الحداثة ، فلو قلت لسلفي: إذا أردت أن تحرث أرضا فاستعمل المحراث الخشبي القديم ، لتعجب و رد عليك بأن البشرية اخترعت المحراث البخاري الجديد الذي يتحرك بالديازيل و ليس بالدابة . لو اقترحت عليه أن يكتب رسالة لأخيه في أقاصي الأرض ، و يبعثها مع مرسول يوصل الرسالة على قدميه أو عبر حصان ، لضنك أهبلا و رد عليك بأن البشرية طورت وسيلة تلحق الرسائل بأهلها في ثوان فقط . أما لو اقترحت عليه أن نسافر بعيدا عن طريق دابة أو فُلك ، لشك في عقلك و قال: البشرية اخترعت الطائرة توصل المسافر حيث ما يريد في ساعات بل دقائق . غير أن مع تمتع السلفي الإسلامي بكل مخترعات الإنسانية الجديدة ، لو عرضت عليه ، تأسيس الدولة على أساس المواطنة الجديدة ، و السياسة على أساس العلمانية الجديدة ، و المجتمع على أساس القانون الوضعي الجديد ، لكفرك و لعنك و هددك بالويل و الثبور و عظائم الأمور ، و لاستمات في المطالبة بدولة إسلامية و تطبيق الشريعة التي يقطع كل عاقل باستحالة عودتها في ثوبها السلفي القديم.

و ممن أجمعوا على هذه الإستحالة ، أهم المفكرين -من غير السلفيين- الذين ظهروا في العالم الإسلامي، من بينهم الثلاثة الكبار المغاربيين ، "محمد عابد الجابري" ، "محمد أركون" و "عبد الله العروي". إذ لاحظ الجابري أن العقل العربي انحط عندما تحالف العقل العرفاني -الصوفي- مع العقل الفقهي ، و هو ما هَمَّشَ العقل البرهاني أو الفلسفي أو العقلاني ، الذي أتبث التاريخ أن لا نهوض و لا تحضر إلا بعقل برهاني ناهض و متحضر ، و كحل لمعاودة النهوض يقترح الجابري إحداث قطيعة مع العقلين البياني و العرفاني ، و بالمقابل إحداث "الوصال" بين المسلمين و العقل البرهاني ، أي العقل الفلسفي و العلمي ، الذي ينزع إلى التقدم و الإرتقاء و هو ما من شئنه أن يسهل قيام الحضارة المنتظرة ، عكس العقل البياني و العرفاني الذي يتميز بالنكوص و بمنطق قياسي إلى ما فات ، و الذي غير مهتم بالتنظير لأسس جديدة ليقوم عليها المستقبل.

أما "أركون" ، فقد لاحظ أن تراث المسلمين (حتى لا نقول تراث الإسلام) أصابه الجمود و التكلس في مختلف مظاهره نظرا لتحالف الخليفة مع الفقيه ، أي تحالف الدين مع السياسة ، ذلك ما دعاه إلى المنادات بتحييد الدين من حقل السياسة ، ثم إحداث قطيعة "جزئية" مع الأسس الفكرية التي تقوم عليها ثقافة المسلمين ، سواء البيانية أو العرفانية أو البرهانية ، و هو ما من شأنه أن ينتج ثقافة جديدة قد تيسر الطريق نحو الخروج من حالة العطالة الحضارية ، التي يعيش فيها المسلمون منذ ما يقارب سبعة قرون .

من جانبه فإن "العروي" يتجاوز الموقفين السابقين ، و يرى بأن لا سبيل للإنخراط في الحداثة و الحضارة إلا بقطع تام مع تراث السلف ، حيث ينظر هذا المفكر إلى الثقافة التي أنتجها المسلمون في القرون السابقة على أنها لا تتلاقى و لا تتوافق في شيء مع ثقافة عصر الحداثة الذي نعيش فيه ، ما يستدعي لا الإستمساك بشيء من تراث السلف و ترك أشياء كما دعى إلى ذلك الجابري و أركون ، بل يقتضي ترك كل ما لو علاقة بثقافة السابقين ، و بالمقابل إبداع تراث حداثي لا يرتبط بأي علاقة مع تراث الأجداد . لأنهم لم يعيشوا إطلاقا ما يعيشه الأحفاد من مشاكل لم تكن لتظهر إلا في هذا الزمن ، ما يستلزم إبداع مخرج جديد ، قطعا لا يوجد أساسه عند أحد من السلف، لأن الحل يختلقه إلا من يعيش المشكل لا من لم يخطر على باله قط. هكذا فالقطيعة عند العروي إما أن تكون كلية و إما لا تكون .

هكذا إذن فلم يخفى على مفكري هذه الأمة من غير السلفيين و الإسلاميين ، أن العودة إلى التاريخ و الحضارة تقتضي إحداث قطيعة مع ثقافة الأجداد و تأسيس ثقافة حديثة ، رغم اختلاف مستويات القطيعة بين المفكرين الثلاثة ، إلا أنني أجد نفسي مناصرا للمستوى القطيعة الذي اقترحه العروي ، أي القطع كليا مع ثقافة السلف و إبداع تراث و ثقافة جديدة تتأسس على المنطق الحديث ، و ليس على منطق من عاشوا في القرون الوسطى ، إذ بدون هذه القطيعة الكلية فلا مستقبل غير ما في الحاضر من ضنك و انحطاط .



   نشر في 08 فبراير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 08 فبراير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا