دستور جزر الواق واق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دستور جزر الواق واق

علاقة السياسة بالقانون

  نشر في 15 ماي 2020  وآخر تعديل بتاريخ 16 ماي 2020 .

عُدّ المحامي تأريخيًّا مدافعًا عن المستضعفين وذوي العلل، وثم صارت وظيفته مقدسة في اليونان، وكان المحامي عند العرب يدعى بالحجاج، وعند توكيله يقولون له: جعلت لساني في فمك لتحج عنِّي، وغالبًا ما يكون المحامي عندهم شاعرًا حتى يكون لبقًا في الكلام كما في كتاب تأريخ المحكمة، وقد احتيج للمحامي في هذا العصر مع افتقار الناس واحتياجهم للثقافة القانونيَّة، فلا بُدّ من وجود شخص مثقف قانونيًا ومطلع على القوانين لكي يدافع عن الناس الذين هم دون اختصاص القانون.

الحقيقة أن مهنة المحامي يجب أن تكون الدفاع عن الموكل والتوصل مع القاضي إلى الحدث الحقيقي وماهيته بصورة صحيحة وتفصيلية، وهذا المتعارف عليه، وكما يقول الشاعر أوفيد في كتاب التحوّلات: وكان كل شيء بأمان لأن الضمير كان هو المحامي!

لكن للأسف أصبح بعض من يحمل لقب المحامي اليوم سياسيًا أكثر مما هو محامي، أتحدث عن العراق طبعًا، فصار يعلم موكله الخداع والكذب أمام القاضي، وأيضًا يعلّمهُ الغش، ويضطر به الحال أحيانًا إلى تزوير الأوراق وما شابه.

وغالبًا الناس مع شديد الأسف تثق كثيرًا بالمحامي الماكر وهو عندهم ذكي وشاطر، أما المحامي العادل، فهو عندهم جاهل ولا يفهم أصول المحاماة، وهذه من المشاكل الناتجة عن ثقة الناس بالساسة، أو ما يسمى بالديماغوجيا.

يبدو للقارئ أنه هنالك علاقة بين السياسة والقانون، وهذا ما هو مرجّح طبعًا، فالسياسة تعني إدارة الأمور الخارجية والداخلية للدولة، أو كيفية إدارة أجهزة الدولة وحدها، والإدارة هذه بذاتها، هي منظمة بالقانون، وهنا تكمن العلاقة حيث تنظيم السياسة يتم بواسطة القانون.

إن القانون الدبلوماسي والقانون الدولي العام والخاص ونحوها من القوانين الدولية، كلها تنظم الأمور الخارجية للدولة، وكذلك الحال مع الأمور الداخلية، حيث القوانين الجنائية والمالية وقانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات وقانون الإرهاب وأمن الدولة ونحو تلك القوانين العامة والخاصة التي تهدف إلى تنظيم أمور الناس وضبط الأمن الإجتماعي، والحفاظ على السلم الأهلي، ويهدف القانون أيضًا إلى تنظيم أمور الدولة وتحديد شكلها، ويتكفل بذلك أعلى وأقوى القوانين في الدولة وأسماها، ألا وهو الدستور.

وعلى كل حال فإن حديثي هذا يدور حول العلاقة الرسمية والافتراضية ما بين القانون والسياسة، لكن الواقع يقول ليس هنالك علاقة عادلة بين القانون والسياسة. بل هذه علاقة شكلية.

إن العلاقة بين السياسة والقانون كالعلاقة بين الرشاش والسيف، فلو نفترض إن جنديًا مسلمًا يحمل سيفًا مهندًا كان ذاهبًا إلى فتح بلاد فارس، وعن طريق الصدفة سافر عبر بوابة الزمن إلى موسكو في روسيا الاتحادية، ووجد نفسه أنه في القرن الواحد والعشرين وواقفًا أمام جندي روسي يحمل الرشاش. ما الذي يتبادر إلى الذهن، وما العلاقة بين السيف والرشاش؟ لا شك أن المشترك بين السيف والرشاش أنهما كلاهما يطلق عليهما وصف (سلاح)، لكن يا ترى مَن منهما يعد السلاح الأقوى وباستطاعته قتل أكثر عدد ممكن من الأعداء؟

لا يحتاج ذلك السؤال إلى تفكير للإجابة عليه، لأن الرشاش صاحب تأثير أقوى من السيف، والسيف في زماننا هذا يعد سلاحًا عتيقًا وقديمًا وباليًا أكل عليه الدهر وشرب، فلو أصبح هذا المسلم صاحب السيف أستاذًا في الكلية العسكرية في موسكو، لأصبح أضحوكة، لأنك تخيل أنه يشرح عن مقبضة السيف وغمده، والطلبة حاملين للرشاش والأسلحة الحديثة.

هكذا مع السياسة والقانون، فالسياسة رشاش مؤثر على سيف القانون، وهو من يحركه ويحذوه إلى صالحه.

إذن أن القانون هو قواعد مجردة مدونة على ورق، بينما السياسة هي تسييس هذه القواعد لصالح حزب أو دولة أو أمر ما، حال تلك العلاقة كحال المحامي حينما يسيس القانون لصالح موكله، حيث يعلمه الخداع والكذب والمكر.

إن المشرعين يكتبون القانون على ورق، وتأتي السياسة بعدها لكي تعيق أو تتلاعب في تنفيذه، أبسط مثال هو الدساتير في العالم، فكل الدول تتحدث في دساتيرها عن الحرية وهي مكفولة للجميع، لكن ما أن تحدث مظاهرة بسيطة في بعض هذه الدول، قوّمت الدنيا وأقعدتها من أجل إخمادها وإسكاتها.

حينما سألوا علي ابن أبي طالب عن ذكاء معاوية كما منقول في نهج البلاغة، قال: والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر.

وهنا أصاب علي كبد الحقيقة. لقد كان علي ركن الإسلام مع محمد، أما معاوية ذلك الصبي الذي سيّس الدين لصالحه وأدام حكمه 20 عامًا، مقابل علي الذي دام حكمه أربعة أعوام. إن معنى الديماغوجيا في السياسة هو إغراء الناس والتظاهر بالدفاع عنهم وعن معتقداتهم بهدف جذب تأييدهم إليه، ومن هنا كان معاوية ديماغوجيًّا أصيلًا، ويعلم الجميع كيف استغل قميص عثمان في مغامرته.

يقال إن أول من فصل السلطة القضائية عن السلطات الأخرى في الإسلام كان صاحب أبو حنيفة أبو يوسف القاضي، كما يذكر صاحب كتاب قاضي القضاة في الإسلام. وهذا أمر جيد، وخطوة تحسب لأبو يوسف. لكن البلوى ما حدث بعد أبو يوسف، فصار القضاة يجالسون الخلفاء العباسيين في مجالس المجون والإنس والفسق إذ كانوا يغمسون لحاهم في كؤوس الخمر، وبعد ذلك لا يبالون بالحكم باسم الله في اليوم الآخر. ويقال في المصدر نفسه، إن السلطة القضائية آنذاك ضعفت نتيجة تدخل الساسة والحكام لدرجة أن القهرمانة كانت باستطاعتها عزل القضاة وتوبيخهم.

وأتذكر في العراق، ذهب أحد الساسة الكبار إلى القضاء بعد أن اتهم في الفساد، لكنهم على كل حال أخرجوه بعد خمس دقائق من التوقيف، وأني أظن في تلك الحادثة ظنًا حسنًا، فوفق ذلك نقول إن هذا البلد في القمة على أقل تقدير، ونقولها بظن تهكمي طبعًا، فهذه خطوة حسنة من السياسيين حفظهم الله إذ يذهبون للقضاء ويعرفون مكانه، فهناك دول لا يتدخل القضاء فيها أصلًا، فهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

إن السياسة كانت ولا زالت مؤثرة في القانون، وليس هناك قانون عام مجرد وواقعي ومطبق هذه الأيام دون تأثير السياسة عليه، وإن كلمة القانون فوق الجميع والقانون سلطان لا سلطان عليه، لا تجدها إلا في ما ندر من الدول، ولو وجدت دولةً تطبق القانون (خاصًا وعامًا) وبحذافيره، فهذه دولة جزر الواق واق الفاضلة الواقعة في اللا واقع.


  • 2

   نشر في 15 ماي 2020  وآخر تعديل بتاريخ 16 ماي 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا