العادات والتقاليد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العادات والتقاليد

  نشر في 23 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 يوليوز 2018 .

ليست من الشرع لكنها كثيرا ما تحل محله، ليست قانونا لكنها أشد صرامة وحزما منه عند البعض، تنتقل انتقال الصفة الوارثية، إنها العادات والتقاليد.

ولست بصدد الخروج عليها أو مهاجمتها إنما هي نظرة متأنية عقلانية بما لها وما عليها، فمنها متوافق مع الدين أو مستمد منه، منها حسن مستحسن بين الناس لا شائبة فيه، مثل هذا لا نرفضه ولا نعيبه إنما نستمسك به ونتفاخر.

ومنها مثبط للعقل والفكر، أو قاتل للموهبة والإبداع، ومنها ما يضيق على المرء في شخصية المستقلة فتحوله إلى تابع، أو تحول بينه وبين أشياء ليست بالحرام من الشرع ولا بالجريمة في القانون، كالتدخل في منظره الشخصي وملبسه، أو في قناعته وأفكاره.

في كل زمان ومكان هنالك الأكبر سنا قد استلم ممن سبقه لائحة العهود والمواثيق من العادات والتقاليد ليمليها على النَّشء والشباب،

فمن التزم منهم فقد سار على الطريق الصحيح، ولكن من يستخدم عقله – لا قدر الله_ ليرى إن كانت صحيحة أو متناسبة مع زمانه الذي يعيشه فإنه من الضالين المضلين.

ومما يزيد الأمر سوء قولهم بأنهم الأكبر سننا ولذاك هم الأعلم دوما ولا نختلف أنهم أعلم وأكثر خبرة في كثير من الأمور لكن هناك تغيرات مستمرة وتجارب مختلفة تعطي الحق لكل فرد أن يعيش تجربته الخاصة.

والأسوأ من ذلك من يستخدم الدين على هواه ليجعله مقرا على ما يريد، إما بتأويل الآيات أو تفصيلها لما يدعو إليه، أو بالنظر إلى جانب واحد من الشريعة وإهمال الآخر.

وهنا يجدر الإشارة أن حال معظمنا والدين كحال السارق الذي يفتح المصحف ليقرأ قول الله: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ))1.

نعرف حقنا جيدا بل نحفظ الآية أو الحديث ولكننا نتناسى الواجبات،

الآباء والأمهات يحفظون آيات البر وأحاديثه لكن كثير منهم يتخذ هذا سيفا على رقبة ولده كأنه أخذ تفويضا من الله ،وأصبحت الجنة والنار بيديه، لكنه لا يكلف نفسه أن يبحث عن قول الفقهاء وأهل العلم ليعرف أن هذا البر لا يعني التحكم في خصوصية الابن وأموره الشخصية كعمله مثلا أو دراسته أو زواجه، ولا يدرك أن بر ولده له ناتج عن واجبات لابد أن يؤديها لكي يحصل على هذا البر.

وكثير ممن تظهر رجولتهم عند ((للذكر مثل حظ الأنثيين))2 لكنها سرعان ما تختفي إن ذكر حق الأخ تجاه أخته في الإسلام.

حسنا لقد انحرفنا عن موضعنا لارتباط ما سبق به ولكننا نعود مرة أخرى لنتناول ما بدأناه.

إن من أسباب هلاك الأمم اتباع نهج من سبق من آبائهم وأجدادهم بدون تفكير أو إعمال للعقل فالله يقول:

(( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون))3.

ورفض قوم إبراهيم -عليه السلام دعوته بقولهم ((قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون))4 وهذا رد من الدين ومن كتاب الله على من يستخدمه في غير موضعه ليكتسب سلطة على غيره.

لو نظرت حولك لوجدت أشياء كثيرة كثيرة أفسدتها العادات والتقاليد، هذا الشاب الذي يريد الزواج أُثقل كاهله بعادات وتقاليد مستمدة من قوانين السابقين، بل زد على ذلك ذاك الشاب الذي لم يكمل طريقه في التعليم فخرج ليعمل عمل أبيه لأن أبيه تسلم العمل من جده وهذه تقاليدهم.

إن الالتزام المطلق بالعادات والتقاليد المورثة تؤخرنا كثيرا عن اللحاق بركب الأمم، نعيش حياة أناس قد ماتوا بل تحولوا إلى تراب لنعيد نسخا متكررة منهم، لماذا نصر عليها رغم أنها دفنت معهم، فترى الزمان يقف ضاحكا ساخرا يقول لن تصلوا إلى شيء، وهذه حقيقة وصل إليها ابن خلدون لما قال: (( اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل أن الأحياء أموات)).

وإلى هؤلاء الجيل السابق كبير السن المعتقدين أن تأخر المجتمع بسبب النشء الجديد والشباب الطائش، ليس إنجازا أن تولد قبل هؤلاء الشباب، كبر السن لا يعني أنك وسعت العلوم كلها، ولا يعني معرفة كل صغيرة وكبيرة.

في الجانب الآخر من العالم ينظر للشباب كمستقبل بلدهم، فيحسنوا استغلال الطاقات وتوليد الأفكار،فانظر لحالهم! أما هنا فينظر إليهم كأصحاب الخبرة القليلة والتجربة القصيرة والفكر غير الناضج، فانظر لحالنا!.

وجملة القول أنك إذا فهمت من السابق أنه دعوة لعصيان كبار السن وآبائنا وأجدادنا أو الخروج عن كل العادات والتقاليد فأنت لم تفهم ولم تقرأ.

وإذا اعتقدت أن كل الآباء كحال السابق ذكرهم من المتعنتين فقد أسأت الأدب.

نحترم آبائنا وأمهاتنا وكل من له حق علينا فهم فوق رؤوسنا، نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا لكن لا نقدسها إن كانت خاطئة أو نلتزم بها إن كانت تقف عائقا في طريق مستقبلنا لكن ليكن اعتراضا لطيفا حسنا غير مؤذٍ أو محزن، فالله -سبحانه وتعالى- قال : ((وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)5

فإن كان هذا التعامل مع من يدعو إلى الذنب الأكبر الذى لا يغفره الله أبدا فكيف يكون التعامل فيما هو أقل شأنا من أمور الحياة؟.

...............................................

1- سورة المائدة

2- سورة النساء

3- سورة الزخرف

4- سورة الشعراء

5- سورة لقمان


  • 1

   نشر في 23 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 يوليوز 2018 .

التعليقات

مقال في الصميم ابدعت يا اخي
1
محمد أشرف درويش
شكرا لحضرتك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا