وقفة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وقفة

  نشر في 04 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

السعادة ، الدنيا، الراحة، السكينة، الأوجاع، المشاكل، المتاعب، كلُّها و غيرها مفاهيمُ تتكرر في حياتنا و تترك فيها أثرا شعرنا بذلك أم لم نشعر.

كل منا في هذه الحياة يسعى الى الراحة، الى السكون و الطمأنينة، كل حسب استيعابه و فهمه و ثقافته، ولكن هل فعلا نستطيع أن نبلغ هذه الامور؟ هل أصلا لها و جود؟ ما طبيعة هذا الوجود؟ ما الطرق التي صرنا نتبعها لنبلغها؟ هل هذه الطرق سليمة أصلا أم أنّ بها خللا في مكوِّن ما؟

لا أعلم ان كنا ونحن نحبو في اتجاه الظفر بهذه الأمور نسائل أنفسنا عن حقيقتها! على كل حال، بودّي الآن أن أفكر، أن أترك هنا أثرا لأمور وصلت اليها عندما حاولت فهم ما يجري حولي. لقد كان أول ما فعلته هو أني حَمَلْت نفسي من على خط الحياة الذي أسير عليه ، حاولت أن انظر من الأعلى الى هذا الخط، أن أحدد البداية و أحيط بها، أن أحاول تقييم حاضري ، ثم أن اجمع ما حولي من اسباب وضعتها لأرسم نهايةً لهذا الخط المنتهي لا محالة.رفعت نفسي أجل، فتَّحت عيون عقلي و ادراكاتي، و استجمعت كلما استطعت من قوانينَ و مبادئ وضعها لي منهجي، وضعت أمامي ايضا كل التّغيّرات التي طرأت على نفسي مذ انطلقت على الخط الى الآن، حاولت تحليلها، فهمها، وتقييمها.

أجل وجدت فيها هفوات كثيرة، و أخطاء فادحة، الّا أنّي أيضا وجدتني على طول الخط أحسّن نفسي ولو بالقليل القليل، و رغم وجود خطوات هنا و هناك تعيدني الى الخلف، الا أني في نهاية الأمر اتقدم الى الافضل ولو ببطيء شديد.

درست ماضييَ واستوعبتُ الأخطاء وأسبابها و نتائجها، بعد ذلك بدا لي أن أُقيِّم حاضري، أن استوعبه جيدا، أن أُعيد ترتيب الأولويات ان استدعت الضرورة ذلك، وربما أُقرِّر تغيير اتجاه الخط ان وجدتني على خطأ.

وأنا أقوم بما أقوم به، وجدت ان الوقفة التي وقفتها، لا تعنيني وحدي بل تعني الجميع على الاطلاق، وجدتُ ان مكوِّنات السّعادة و الطمأنينة ليست مكونات أصنعها بمعزل عن الوسط الذي أعيش فيه، وجدت أنّي لست الوحيدة التي يجب عليها الارتفاع عن الخط و دراسة تغيراته.

كل هذا أثار انتباهي الى شيء نمتلكه جميعا، ان أحسنا استعماله سارت خطوطنا جميعا في الاتجاهات الصحيحة، انّه العقل، اجل: "افلا تعقلون"، حسنا هنا سأسأل: ألا يجدر بنا ان نسائل أنفسنا من حين الى آخر، فيما نستعمل عقولنا؟ فيما نفكر في يومنا؟ هل نستعمل عقولنا بكل طاقاتها أوعلى الأقل معضمها؟

فلننظر الى موضع عقولنا في حياتنا عن كثب، أوَليست طاقات عقولنا معضَمُها تُهدر غالبا على سفاسف الأمور، نُعمِّلها في التفكير في أمور ليس عليها ان تأخذ سوى القليل القليل من المجموع، نفكر في هموم يومنا، في آداء مهماتنا وعاداتنا اليومية، في كيفية حل مشكلة عمل او مشكلة شخصية عابرة، في كيفية توفير لقمة العيش و ما مثله... أجل كلها أمور تستوجب التفكير وتَهْييءَ الأسباب، ولكنها ليست الهدف الأسمى الذي خُلِقْنا لأجله، لسنا هكذا نقوم بدورنا في الحياة كما يجب، لسنا هكذا نغير مثقال ذرة في حالنا الذي غذا يتدهور شيئا فشيئا.

أَوَليْس حريٌّ بنا أن نفكِّر أيضا وأكثر في الأهداف الكبرى التي نعيش لها؟ في كيفيّة تصحيح مفاهيمنا ومراجعة أولوياتنا، في كيفية اصلاح ما تعطّل، في تجديد نياتنا، في مجاهدة أنفسنا على عمل الخير حتى يكسو الكل لا الأنا فقط، في تحويل عاداتنا الى عبادات حقَّة، في أن يُفكّر كلٌّ منّا گأمَّةٍ في فرد، لا كفرد في أمة، او فرد في فرد؟؟؟

لا حرج أبدا أن تكون السعادةُ غايتنا، ولكن الحرج هو أن نكون قد أخطأنا صرفاً فهم السّعادة!!! أو ان نكون أخطأنا اختيار الطريق التي توصلنا الى هذه السّعادة!!

يجب اعادة النظر حول هذا المفهوم ، أظنّها نقطةً محوريّةً للمضِيِّ قُدُما، أجل أظن أن معنى السّعادة حُرِّف، الاشياءُ التي باتت تُسعدنا اليوم امَّا ان تكون تافهة دُنيويّةً تحكُمها المصلحة الخاصة المادية، أو أن تكون أجدر ان تحزننا. طبعا أنا هنا لا أُلقي أحكاما مُطلقة، فخلف السّتار كثير من القلوب النقية التي مازالت السماءُ تُمطرُ بسبب طُهرها، ومازالت تحفزنا على المضِيِّ قدما في العطاء الجميل.

قد يقول قائل أنّ معنى السّعادة نِسبيّ، و أنّ مِن الأمورِ ما قد يُسْعدني و لا يُحرِّك مثقال ذرّة سعادة عند غيري، لا خطأ في هذا فقط ان كنّا نتحدث عن السعادة اللحظية، لا عن السعادة طويلة المدى أو ربما السعادة الأبديّة.

فأمّا سعادة اللّحظة فلها حقُّها من الجمال و اللّذّة، لكن هذه اللذة هي أشبهُ ما يكون الى قطعة حلوى جميلة، نتناولها لنرضي شهوة السنتنا و بطوننا لا لكي نقتات بها و يَقوى بها عَضُدنا.

وأما السعادة طويلة المدى، فهي شيء آخر، شيء أبعد ان يكون متعلقا باللّحظة، حبّذا لو أسميناه شيئا آخر غيرَ السعادة، فلنسميه رضى، طمأنينة، ايمان، قناعة، اكتفاء، أظن أنها مُسميات تحمل الكثير من الامل و الراحة، مسمياتٌ كفيلة بأن تجعلنا نبتسم بمجرد محاولتنا استشعار معانيها.

هذه هي السعادة التي نام عنها اهل الدنيا و اختلفوا فيها، ما السبب؟ و ما الحل؟ تؤرقني هذه الأسئلة، ليس لعجزي عن الاجابة ، لكن لأني وددت لو اننا جميعا لا نكتفي فقط بالإجابة بل ايضا ان ندركها و نعمل عليها.

أمّا سبب غفلتنا عنها فهو أنّنا نسينا الهدف الأسمى الذي خُلقنا من أجله، هدف أكبر نصبو اليه في صغائر أعمالنا، كست حياتنا نمطيةٌ مقزّزة، وتبعيّةٌ مزعجة جعلت منا مجرد نسخ نعيش نفس الحياة خلف أقنعة مختلفة. صرنا نعيش منذ ولادتنا وحتى الممات حياة كل شيء فيها متوارث: الافكار، الأولويات، العادات، الوسائل...، نعم لا ضرر لو كانت هذه الامور التي توارثناها سليمة المعنى و المنهج، لكن المؤلم في الامر أن المورِّث ما ترك خلفه الا مفاهيمَ ضاعت منها المعاني الحقيقية، لُوِّثت عبر الأجيال بالمادية، أُزيح عنها عبير الروحانية و الآخرة، جُرِّدت من غطاء التقوى والايمان، وكُسيت لباس المصالح الخاصة، ثم ثُبِّتَت على محراب :أنا وبعدي الطوفان.

ميراثٌ نُقل لنا جيلا بعد جيل، عَلّمنا أن الهدفَ من الحياة هو التكاثر بكل أنواعه، جعلنا ننشغل عن المضامين بالعناوين، عن واجباتنا و مسؤولياتنا الحقيقية تجاه الآباء والأبناء، تجاه الاخوة والأصدقاء، تجاه الأمة، تجاه أنفسنا واتجاه الله.

لقد تحولنا الى نسخٍ يُشبه بعضنا بعضا، لُقِّنا نفس المفاهيم في بيوتنا و في مجتمعاتنا، جَعلنا من تجارب الآخرين مرجعا لنا دون أن نعرف ان كانوا فعلا اهلا لمنزلة القدوة، عُلِّمنا ان من ينهج طُرقا مختلفة فقد تمرّد على القطيع وقامر على نجاحه و غامر بسعادته، فرسمنا جميعا لحياتنا خطوطا متوازية لا ابداع فيها و لا تميّز.

فلنتوقف هنا، فلنُوقف سيْل انتاج النسخ، فَلْنُعِد النّظرَ الى مكوّنات حياتنا، الى التربية التي تلقيناها و نُلقّيها لأبنائنا، لسيت التربية بتلك النمطيّة و الآليّةِ التي أضحت عليها، التربية علم يجب علينا دراسته و التمكّنُ منه قبل أن نشرع في انتاج عقول تبعاً له، أيضا يجب علينا لُزُوماً أن نُعيد النّظر في ادراكنا لمفهوم السعادة، السّعادةُ ان ارتبطت بالمادة و الدنيا ذابت كما تذوب المادة و فنت كما تفنى الدنيا ، وان ارتبطت بالروح دامت ما دامت الروح و ارتقت ما ارتقت.

يجب علينا ان نعيد النظر في اهدافنا الكبرى، في علاقتنا مع انفسنا، في علاقتنا مع امتنا و علاقتنا مع الله.

لن ينتهي الكلام مهما كثر، فحالنا تراكم لثقافة قرون لا سنوات، وما أبخسه ثمن الكلام ان لم يُقْرن بعمل، و ما أكثر من تكلموا و ما أقل من عَمِلوا ! فيا رب ارحم و اغفر و هب لنا ان نُعمِّر الأرض كما أمرتنا.


  • 6

   نشر في 04 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا