فقه الحركة وفقه الدولة: عبرة التجربة الإسلامية في السودان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فقه الحركة وفقه الدولة: عبرة التجربة الإسلامية في السودان

محمد بن المختار الشنقيطي

  نشر في 27 أبريل 2015 .


استهل الدكتور المحبوب عبد السلام كتابه (دائرة الضوء وخيوط الظلام) –وقد أراد أن يقدم فيه تقييما للعقد الأول من حكم الإنقاذ في السودان- بهذا التأمل الحزين:

"الأجيال التي كابدت من الناس لم تكن تدري لماذا كابدتْ، والشهداء ماتوا لغير ما هدف واضح... ما يحدث هو مسرحية من تأليف شيطان هازئ ساخر. وما يحدث هو عين الحقيقة وصميم الجِبلَّة البشرية عندما يستغرقها عنفوان السلطة وسكرته... شعرة معاوية تنقطع، ويتحول الابتلاء إلى لعنة. وذات الذين نشأوا تحت أعيننا سنواتٍ بُعثوا لاعتقالنا. لحظتنا هي لحظة الحيرة العظمى... فيكون الشيء ونقيضه حاضران في ذات الوقت، في مخالفة مأساوية لبدائه المنطق... هذه الحكومة لم تكن يوما حكومتنا، ولكننا مع ذلك روَّينا شجرتها بدماء غزيرة... لسنا أول حزب عقائدي انشق على نفسه، ولكن ظننا أن عساكرنا خير من أولئك، وأن لهم براءة في الزبر... نحن الذين صنعنا قدَرنا ومزَّقنا نسْجنا، ولم تهبط علينا شياطين من السماء، ولكنها شياطين من صنع أنفسنا... كم فتىً منا ولكن ليس منا / يركب الشعب إلى الحكم مطيَّةْ... "

وتختصر هذه المقدمة الشعرية الحزينة خيبة الأمل الكبرى حينما تكون الآمال كبيرة. فالمحبوب عبد السلام ينتمي إلى ذلك الشق من الإسلاميين السودانيين الذين خاب ظنهم في تجربة سلخوا أعمارهم في بناء صرحها، فانتهى الأمر بتهميشهم والتشهير بهم، أو سجنهم وتشريدهم، ورأوا المبادئ التي عشقوها تتهاوى تحت مطارق السلطة المتصلبة، فعانوا معاناة مزدوجة، فكرية وشخصية.

لكن خيبة الأمل حول تجربة الحركة الإسلامية السودانية في إدارة الدولة لم تنحصر في أهلها الأقربين، بل خاب أيضا أمل المحبين والحادبين عليها من بعيد.. من خارج السودان. وكان لهؤلاء بثُّهم وحزنهم.. وكنت من هؤلاء. وهذه السطور مزيج من معاناتي الفكرية (والشعرية) مع الحركة الإسلامية في السودان، وتقييمي لهذه التجربة، بعد وضعها في سياق أرحب من الظاهرة الإسلامية المعاصرة.

من الشعر إلى النثر

لم تطأ قدماي أرض السودان الطيبة حتى اليوم، لكني كنت دوما محبا ومتابعا للشأن السوداني. وقد أحزنني كثيرا خبر الانقلاب العسكري في السودان حينما سمعتُه لأول مرة عام 1989، إذ كنت أرى السودان يومها إحدى الديمقراطيات الوليدة في العالم العربي الجديرة بالبقاء. ثم بدأتْ تتكشف لي الخيوط الإسلامية وراء انقلاب عمر البشير، بعد نصف عام تقريبا من الانقلاب، وأنا أقرأ مقالا لكاتب في إحدى الصحف الفرنسية. فقد استعرض الكاتب الفرنسي الاحتمالات الممكنة حول هوية الانقلابيين السودانيين، ثم رجح في الأخير أنهم إسلاميون يتعمدون التعمية حول هويتهم السياسية.

وتوالت بعد ذلك معالم الانكشاف حتى لم يعد الأمر سرا. ومع الانكشاف استحال حزني على ديمقراطية السودان فرحا باستيلاء الإسلاميين على السلطة في دولة عربية!! وكيف لا أفرح، وقد تغذيتُ طويلا –كما تغذت أجيال من الإسلاميين- على قصص المحن والسجون والانكسار أمام السلطة، ولم نسمع قط عن قصص النجاح الإسلامي في قهر السلطة.

وهكذا بدا لي انقلاب (الإنقاذ الوطني) في السودان حدثا تاريخيا بكل معانى الكلمة، لأنه أخرج الإسلاميَّ المعاصر من ذل المسكنة، وبرهن على أنه يفكر ويدبر، ويخطط وينفذ، ويستبق العدو، ويستعد لعاديات الزمان. وبعد الاطلاع على تفاصيل أكثر أعجبني انقلاب الإنقاذ في نجاحه الفني الباهر: سواء في الأداء العسكري الذي تجنب إراقة الدماء، أو المناورات الأمنية التي موَّه بها على هويته، أو الالتفاف السياسي الذي جعل ألدَّ أعدائه أول المعترفين به.

وبدأت تصلني بعض أدبيات السلطة الإسلامية الجديدة، والتقيت ببعض زوار السودان من الإسلاميين، وبعض الزوار السودانيين من الداخل، وروى لي العديدون ما لذَّ وطاب من أحاديث البناء والفداء في السودان. وأحيانا كنت أشاهد صحبة بعض المهتمين بالشأن الإسلامي بعض التسجيلات المصورة للنفير الإسلامي الذي أطلقته سلطة (الإنقاذ) ضد الانفصاليين في الجنوب، فتمتلئ قلوبنا إكبارا من قصص (الدبَّابين) وأحاديث الشهداء. وقد غمرتني فرحة عارمة، بما يصلني من أخبار تسر عن السودان وأهله. وثارت المشاعر، وفاض القريض، وكتبتُ قطعة شعرية أمتدح فيها الفريق عمر البشير، استوحيت مغزاها من قصة يوسف عليه السلام، وجعلت عنوانها: "فلما أن جاء البشير"، منها:

مرحبا يا بشير جئتَ تـثـيـرُ     ذكرياتٍ أسرَّهن الضمـيــرُ

جئتَ بالفجر في محيَّــاك نوراً     فإذا الكون كله مستنيــــرُ

وإذا الليل شاحب الوجه مرتـــاع      عبوسٌ من الأسى قمطريـــرُ

جئتَ بالخير والربيع لقـفـــرٍ      فإذا الروض قد علاه عبيــرُ

والعصافير غرَّدتْ، والسواقـي     تتغنـَّى فشدْوهـنَّ خريــرُ

مرحبا يا بشير ما جئــت إلا      بعد أن طال بالسراة المسيــرُ

واستمالتْ أعناقهم من نعـاسٍ     واستبدَّ الأسى وكَـلَّ البعـيـرُ

ورِم الجفن في انتظارك، وابيـضَّــتْ     عيـونٌ، وسال دمعٌ غزيـرُ

فارْمِ بالبِـزَّة الحبيبة وجـهـي       ليزول الأسى ويُشفَى الضريـرُ

أما اليوم وبعد مضي عقدين على انقلاب البشير، فإني أجدني مضطرا للانتقال من الشعر ورقَّته، إلى النثر وصفاقته، لأقدم صورة للإنقاذ أكثر واقعية وأقل شاعرية من الصورة التي صغتُها شعرا في تلك الأعوام الخالية.

ذبح الشرعية السياسية

لقد نسيتُ -وقد غمرني الفرح بانقلاب البشير- أن هذا الانقلاب لم يكن ضد سلطة عسكرية مستبدة، مثل سلطة الجنرال عبّود أو المشير النميري، بل كانت ضد سلطة شرعية منتخَبة، مهما أخذنا على ضعف أدائها، فلا أحد يشك في شرعية بنائها. ولكن مما أقنعني بسلامة الانقلاب ما تكشَّف لي فيما بعد من تربُّص قادة الجيش في السودان وظهيرهم الإقليمي والدولي بالحركة الإسلامية.. فقد توالت في السودان مطلع العام 1989 حوادث منذرة بالخطر بالنسبة للحركة الإسلامية، منها:

أولا: مطالبة كل من وزير الدفاع السوداني ورئيس أركانه رئيس الوزراء الصادق المهدي بإبعاد الإسلاميين من المشاركة في السلطة .

ثانيا: استقالة وزير الدفاع يوم 20/2/1989 احتجاجا على استمرار مشاركة الإسلاميين في الحكومة.

ثالثا: رفع مائة وخمسين من كبار الضباط السودانيين في اليوم الموالي للاستقالة مذكرة إلى الحكومة تدعو إلى ذلك .

ولم يكن الأمر ليقف عند هذا الحد، حسب رؤية الحركة الإسلامية للأحداث، بل "كان تحليل الإسلاميين أن الأمر أكبر من ذلك، وأن هناك تجهيزا لانقلاب عسكري تقوم به قيادة الجيش، وأن هذا الانقلاب سيكون من أولوياته استئصال الإسلاميين" . لذلك رأت الحركة التي أعدت العدة ليوم الحسم منذ مدة- أن تتحرك بسرعة، وتأخذ بقوة، تجنبا لاستئصال المشروع الإسلامي، وتكرارا للمأساة التي تعرض لها الشباب الإسلامي في دول عربية عديدة، كان آخرها المحنة المريرة التي عانت منها حركة النهضة في تونس، وكانت على أشدها يومذاك.

لقد ذبحتْ الحركة الإسلامية في السودان شرعية البناء لصالح فاعلية الأداء، وكان ذلك خطأ فادحا، انطلقتْ منه الحركة السودانية في انقلابها، وانطلقتُ منه في فهمي لتجربة الحركة يومذاك. ومما جرني إلى هذا الخطإ الفادح إيماني الراسخ يومها أن الحركة الإسلامية التي يقودها فقيه دستوري متضلِّع بأقوال الشاطبي ومقولات جان جاك روسو –هو حسن الترابي- لن تتوانى في بناء سلطة شرعية، ووضع حجر الأساس لنهضة سياسية وعمرانية في السودان.

بذور تحفظ قديم

لقد التهمتُ قسطا مهمًّا من أدبيات الحركة الإسلامية في السودان، وقرأت أكثر ما وصل يدي عنها بقلم صديق أو عدو، وكانت حصيلة ذلك كتابي الصادر في لندن عام 2002، وفي الجزائر عام 2004 بعنوان: "الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي". وقد ركز الكتاب على جوانب الإبداع والتميز في التجربة التنظيمية والاستراتيجية لدى الحركة، وغطى تجربة الحركة خلال نصف القرن الممتد من العام 1940 إلى العام 1990، لكنه لم يهتم بالحديث عن انقلاب الإنقاذ وأداء سلطتها.

ومع ذلك لم يخل الكتاب من تحفظ مكتوم، ففي خاتمة الكتاب بعنوان: (خلاصات للزمن الآتي) بينتُ أن "نجاح الثورة أكبر من مجرد استلام السلطة، والنجاح الفني ليس معيارا للنجاح المبدئي، خصوصا إذا كان أهله يحملون رسالة أخلاقية، تهدف إلى تحرير الناس لا إلى إخضاعهم. وفي بلد كالسودان، متسع الأرجاء، ممزق الأحشاء، أنهكته الحرب الأهلية، وهددت فيه الحاجة إنسانية الإنسان، كان على السلطة الجديدة أن تتحمل أعباء زائدة، ومسؤوليات أخلاقية وإنسانية جسيمة، لم تواجه كل الثورات" .

لم أسْع في ذلك الكتاب إلى تقييم تجربة الإنقاذ في السلطة، ولم أكن أملك الوثائق والمعلومات المعينة على ذلك. ولكني لخصت في خاتمة الكتاب ما رأيت يومذاك أنه أهم التحديات التي تواجهها، وهي:

* "أن على هذه السلطة أن تكف عن كونها حركة، وتقتنع بأنها أصبحت دولة، بكل ما يعنيه ذلك من دلالات سياسية وأخلاقية.

* وأن تسعى لإطعام الإنسان السوداني من جوع، وتأمينه من خوف، باعتبار ذلك أهم بند في رسالتها، وأول خطوة على طريق البناء.

* وأن تبني شرعية سياسية على غير القوة والإكراه، فلا خير في سلطة تستمد شرعيتها من القوة حصرا، ولا مجال لاعتماد فقه الضرورات إلى الأبد.

* وأن توقف النزيف الإنساني الذي سببته الحرب الأهلية، لا بدماء الشباب المتعطش للجهاد والشهادة، بل بحكمة السياسة، ومنهج الحوار والتعايش.

* وأن تدرك أن جسم الدولة متسع للجميع، بخلاف جسم الحركة، فالعجز عن احتواء واستيعاب المجتمع، معناه العجز عن تغيير المجتمع.

* وأن تعرف بأن الحلول الفنية -على أهميتها وحاجة العمل الإسلامي إليها- لا تكفي. فالدولة الإسلامية دولة فكرة ومبدإ، قبل أي شيء آخر.

* وأن تعترف بموقعها الحرج في المكان، إقليميا ودوليا، فتتحمل مسؤوليتها بوضوح، وتنأى بنفسها عن أسلوب المغامرات والمهاترات والتخبط والتورط.

* وأن تعترف بموقعها الحرج في الزمان -حاملة لراية الإسلام أيام غربته- فتعضد ذلك بمزيد من الإقدام والتوكل والحكمة والدراية" .

وبالنظر إلى الوراء عقدين من الزمان أعتقد أن سلطة الإنقاذ فشلت فشلا ذريعا في رسالتها، وأعترف أنها خيبت آمال الكثيرين ممن علقوا عليها آمالا عراضا، وأنا منهم. وإذا كان لنا أن نجد تفسيرا لهذا الفشل يفترض حسن المقاصد، فهو تخلف فقه الدولة عن فقه الحركة لدى الإسلاميين السودانيين. فلم تنجح تجربة إسلامية على مستوى الحركة كما نجحت التجربة السودانية، ولم تخفق تجربة إسلامية على مستوى إدارة الدولة كما فشلت التجربة السودانية، إذا أخذنا في الاعتبار تاريخها وخبرتها المتميزة.

ومع كل ذلك، فإن من الجور اختزال التجربة الإسلامية المركبة في السودان في عقدين من حكم الإنقاذ، والتغاضي عن خمسة عقود سبقتْها من العمل الإسلامي المنظَّم المبدع. وهنا تكمن العبرة الحقَّة من التجربة الإسلامية السودانية: مزيجا غريبا من الإبداع والانتكاس، ومفارقة كبرى من النجاح والإخفاق.

وفي هذه السطور أحاول إعادة النظر في التجربة الإسلامية السودانية، من خلال بيان ثرائها في "فقه الحركة"، وبؤسها في "فقه الدولة"، ثم عبرة هذه المفارقة لحركة التغيير الإسلامي، وللمجتمعات المسلمة الراهنة بشكل عام.

تجربة حركية مُبدِعة

لقد امتازت الحركة الإسلامية في السودان قبل وصولها إلى السلطة عن العديد من الحركات الأخرى بالكثير من الميزات في روافد فكرها، ووعيها العام، وبنيتها الهيكلية، وبنائها القيادي، وعملها في المجتمع، وعلاقتها بالسلطة، وعلاقتها بالحركات الإسلامية الأخرى..

ففي روافد فكرها استلهمت الكثير من تجارب إسلامية أخرى، خصوصا تجربة الإخوان المسلمين بمصر، ومن تجارب غير إسلامية، ومنها تجربة الحزب الشيوعي السوداني، والفكر الإداري الغربي. ثم أصَّلتْ واجتهدتْ وأبدعتْ. وامتازت بالوعي بحركة الزمان وخصوصية المكان، فكان تركيزها على الواقع السوداني هو الغالب.

وفي وعيها التنظيمي العام نجحت الحركة في التعاطي المتوازن مع ما دعوتُه (الثنائيات الكبرى) في العمل التنظيمي الإسلامي، وهي: الشكل والمقصد، الإسرار والإعلان، الالتزام والمبادرة، الوحدة والتباين، العمق والامتداد، الفصل والوصل. فلم تجمد الحركة على موقف واحد في التعامل مع هذه الثنائيات، بل ظلت تتكيف مع واقعها المتغير، متجددة ومجددة في طرائق عملها.

وفي بنيتها الهيكلية تميزت الحركة بالمرونة وحسن التكيف التنظيمي مع الواقع السياسي والأمني، وباتساع السلطة التأسيسية، والتوسع الأفقي والرأسي، والتوازن بين السلطات، والتركيب التنظيمي. فسلِمت بذلك من الجمود القيادي الذي شلَّ جماعة الإخوان المسلمين بمصر، ومن الجمود القاعدي الذي أضر بالجماعة الإسلامية في باكستان، وأدركت أن "جوهر الحق واحد مهما كانت الأثواب التي يلبسها" كما قال الترابي .

وفي بنائها القيادي، امتازت الحركة بسيادة الروح المؤسسية في اختيار واستبدال قادتها، وعدم تمحورها حول زعيم مؤسس أو جيل رائد، وبالشمول والتكامل القيادي، والمراقبة والمحاسبة، وتوحيد مراتب العضوية، والاهتمام بالكفاءة أكثر من الاهتمام بالسبق الزمني الذي ضيع على حركات أخرى فرصة التطور القيادي.

وفي عملها في المجتمع، اعتمدت الحركة منهج الترفق والتدرج والاستيعاب في التعامل مع القوى الاجتماعية المختلفة. فلم تفقد الثقة بالجماهير، ولم تقف منها موقف عداء واستعلاء. وكانت عملية في صلتها بالمجتمع، فتبنَّت فلسفة تحريك كوامن الخير في المجتمع وتشجيعها مهما لابسها من غبش، والوقوف في وجه الشر وحرمانه من فراغ يتمكن فيه.

وفي علاقتها بالسلطة لم تتعامل الحركة مع حكام السودان بعقلية جبرية متصلبة، بل كانت مرنة جدا. فشارك زعيمها الرشيد الطاهر في محاولة انقلاب على الجنرال عبود عام 1959، وشاركت الحركة في انتفاضة أكتوبر 1964م، ووقفت في وجه نميري 1969-1976، وتحالفت معه 1977-1985. وكان هذا الحلف هو الذي أكسبها النمو والامتداد، واختراق أجهزة الجيش والأمن، واكتساب الخبرة السياسية والمراس الإداري.

وفي صلتها بالحركات الإسلامية الأخرى تبنت الحركة منهجاً متوازناً، يمنح الإسلاميين في كل قُطر الحق في أن يراعوا خصوصياتهم الظرفية والمكانية، استصحاباً للتحدي الفعلي الذي يعيشونه، واعتمدت منهج التنسيق المرن، لا التبعية الملزمة. وهذا هو الأجدى في ظل حركة الزمان وخصوصية المكان المحيطة بالحركات الإسلامية عبر العالم.

وقد خصصتُ فصلا من كتابي لكل من هذه المعالم السبعة، فأرجو الرجوع إليه لمن أراد استيعاب المساهمة المبدعة للحركة السودانية في هذه المجالات، مقارنة مع أخواتها من الحركات الإسلامية.

نحو الاختراق الأكبر

وقد تكلل النجاح الاستراتيجي والتنظيمي للحركة بذلك الاختراق الكبير المتمثل في الوصول إلى السلطة، وهو ما عجزت عنه الحركات الإسلامية في الدول العربية الأخرى طيلة القرن العشرين. ففي فجر اليوم الثلاثين من يونيو 1989 تحركت كتائب من الجيش السوداني، يقودها ضباط إسلاميون شباب إلى المواقع الاستراتيجية في الخرطوم، وسيطرت على القصر الرئاسي، وقيادة الأركان، والإذاعة والتلفزيون، ثم أعلنت (ثورة الإنقاذ الوطني) ..

انبنت خطة انقلاب الإنقاذ على استخلاص العبرة التاريخية من أخطاء الحزب الشيوعي السوداني في الانقلاب الفاشل الذي دبره الحزب ضد الرئيس النميري. فقد ارتكب الشيوعيون أخطاء استراتيجية وتكتيكية قاتلة في ذلك الموقف استخلصت منها الحركة الإسلامية دروسا وعبرا ثمينة.

فقد استطاع زمرة من الضباط الشيوعيين -بقيادة الرائد هاشم العطا– الانقلاب على النميري يوم 19/07/1971، والسيطرة على المرافق الحيوية في الخرطوم، بما فيها القصر الرئاسي والإذاعة. ودام الانقلاب ثلاثة أيام، ثم تحول إلى نكسة. فاستأسد النميري على الحزب الشيوعي السوداني، وقتل أهم قادته، بمن فيهم الأمين العام للحزب عبد الخالق محجوب، وحطم ميراثه السياسي إلى الأبد. كان ذلك الانقلاب الشيوعي "أقرب إلى المغامرة منه إلى الفعل المتأني المدروس. وقد خسر فيه الشيوعيون أهم قياداتهم الفكرية والسياسية والنقابية … " .

ولم تكن تلك النكبة الشيوعية نتاجا من فراغ، بل كانت حصاد جملة من الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية، ضاعفت من وقعها عوامل محلية وإقليمية غير مواتية. وقد أوجز حسن مكي بعضا من ذلك في "عجز الانقلابيين عن تكوين حكومة جديدة، وملء الفراغ السياسي .. وارتباك قيادة الحزب الشيوعي، وفشلها في إيجاد سند شعبي حقيقي، إذ حتى التظاهرة التي أعدت [دعما للانقلاب] كانت سيئة الإعداد، عقائدية الشكل، اسفزازية المظهر، احتفلت برفع الأعلام الحمراء، وترديد الشعارات الانعزالية المستوردة، عكسية الأثر والمفعول، مما أدى إلى صدمة الجمهور، وتنفير السودانيين من توجهات الانقلابيين. لم يجهز الانقلابيون على الشرعية السياسية القديمة: رئيس مجلس الثورة [النميري] ورفاقه... تدخلات القوى الإقليمية [مصر وليبيا] ... فشل الانقلابيون في توفير العدد اللازم من الجنود والضباط لمتابعة دورات الحراسة، نسبة لعدم ثقتهم في الآخرين، مما أدى إلى إنهاك الانقلابيين" .

ويمكن أن نضيف إلى ما ذكره مكي عوامل أخرى أهمها: أن نظام النميري كان لا يزال في أوَجه الثوري آنذاك، مما جعل نجاح الانقلاب عليه بعيد المنال، وذلك شأن كل ثورة لا تزال في مرحلة الاندفاع. وقد الجو السياسي يومذاك مشحونا بكراهية الخطاب الشيوعي، بعد أعوام من المنازلات بين الشيوعيين وغيرهم من القوى الإسلامية والوطنية، انتهت بحل الحزب الشيوعي عام 1965.

ومن الواضح من هذه المعطيات أن الانقلاب "لم يحسب الحسبة الصحيحة، حينما خرج للناس شاهرا شعاراته الحمراء ولافتاته القانية" . فقد دخل الانقلابيون حرب الشعارات قبل أن يتمكنوا من تأمين سلطتهم، إذ كان النميري لا يزال محاصَرا في القصر الرئاسي، ولا يزال ولاء بعض الوحدات العسكرية غير مضمون، وهو ما يشرحه "بيتر بشتولد" بقوله: "يبدو أنه لم يكن هناك أيّ تحرك شعبي لإنقاذ النميري وزمرته العسكرية، حتى ارتكب الحكام الجدد [هاشم العطا ورفاقه الشيوعيون] خطأ قاتلا، بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة: فقد سمحوا لمتظاهرين أن يخرجوا إلى الشوارع حاملين أعلاما حمراء، ومهللين لـ(بزوغ فجر جديد) في ظل القيادة الجديدة. كما خطب هاشم العطا في الراديو متحدثا عن ثورة صناعية وزراعية تسلك منهجا غير رأسمالي في التنمية… وهكذا أسفر الوجه الشيوعي للانقلاب عن وجهه أمام الجمهور، فثارت المشاعر المعادية للماركسية في السودان وفي دول الجوار، مما أنقذ نظام النميري الذي كاد يهلك" .

عبرة من الحزب الشيوعي

وقد استخلصت الحركة الإسلامية العبرة من ذلك الفشل الشيوعي في طريقة إخراجها لانقلابها عام 1989. وهكذا كانت استراتيجية الإسلاميين السودانيين عام 1989 مبنية على "تأمين" السلطة من خلال الغموض والتعمية على مَن وراء الانقلاب، قبل "التمكين" لبرنامج الحركة السياسي، بينما عكس الشيوعيون الآية، فأعلنوا برامجهم على الملإ، في الوقت الذي لا يزال انقلابهم يعاني مخاضا عسيرا. ومن الأمثلة الطريفة على الإغراق في الغموض السياسي الذي انتهجته الحركة الإسلامية السودانية في تنفيذ انقلابها توزيع الانقلابيين ترخيصات التجول على أعضاء السفارة الأمريكية في الخرطوم، الذين استمتعوا بحرية التحرك أيام الانقلاب الأولى، في وقت كان الخروج إلى الشوارع محظورا على سكان العاصمة. وهي خدعة ذكية، أقر بها "نورمان أندرسون" السفير الأمريكي في الخرطوم يومها، في كتاب أصدره عن السودان عشر سنوات بعد ذلك .

لقد لخص حسن مكي عوامل النجاح في العمل العسكري الانقلابي، فقال: "يتطلب العمل العسكري الناجح لاستلام السلطة السياسية دقة التنظيم، ودقة اختيار القيادات البديلة، ومواءمة الخطاب السياسي وملامسته لقضايا الناس، والتتابع والنفاذ في إجراءات استلام السلطة حتى لا يعطِي الانطباع بوجود فراغ. بالإضافة إلى عنصري استحكام الأزمة السياسية في التوقيت الملائم، وكسر شوكة النظام القديم. ولا يبقى بعد ذلك إلا عنصر التوفيق، ولله الأمر من قبل ومن بعد" .

وليس خفيا أن هذه المبادئ هي خلاصة الاعتبار بالتجربة الشيوعية الفاشلة، وأنها هي نفس المبادئ التي وجَّهت خطة انقلاب "الإنقاذ"، مع إضافات تكتيكية بسيطة اقتضاها المقام حينها. لقد كانت تلك الأخطاء المهلكة التي قضت على الانقلاب الشيوعي عام 1971 حاضرة في أذهان الثوار الإسلاميين عام 1989: فقد سارعوا إلى استكمال استلام السلطة وتكوين حكومة جديدة، وكانوا قد أعدوا من السند الشعبي قبل الإقدام على الانقلاب ما يضمن له البقاء، وتعمدوا الغموض والتعمية في البدء، تجنبا لكيد القوى الإقليمية والدولية المتربصة، واستخدموا بعضا من الشباب المدنيين المدربين في دورات الحراسة، تجنبا للاستنزاف، أو التعويل على الآخرين.

نجاح مُراغمٌ للتوقعات

لقد أدرك منصور خالد -وزير خارجية النميري في السبعينات– أن الإسلاميين السودانيين قد يلجأون إلى الحل العسكري في صراعهم السياسي. لكنه تنبأ بأن أي محاولة منهم في هذا السبيل ستفشل وتنقلب حربا أهلية. فكتب عام 1985 مستنطقا الساحة السياسية السودانية الحبلى بالاحتمالات: "...السيناريو الثالث هو أن يحاول الإخوان المسلمون القيام بانقلاب عسكري… ولا يبدو أن مثل هذه المحاولة ستكون أحسن من محاولة الشيوعيين في يوليو 1971. فالمؤكد أن الجيش سيثور في وجه الإخوان المسلمين، وتجربة يوليو 1971 تظل لها دلالتها في هذا الشأن. وسيؤدي هذا التحرك من طرف الإخوان إلى إدخال البلد في دوامة حرب أهلية، لأن الاقتتال في هذه الحالة –على خلاف الأمر في محاولة يوليو– لن يكون بين عصابات مدنية مسلحة من جهة، والجيش من جهة أخرى. بل سيشمل الاقتتال قطاعات عريضة من المدنيين" .

ثم أضاف منصور خالد محذرا ومتوعدا: "يجب على الترابي أن يتذكر أن معارضة أي انقلاب عسكري يقوم به الإخوان المسلمون لن تقتصر على الطوائف الدينية التقليدية، والنخب الحضرية، والجنوبيين. بل ستدخل مؤثرات خارجية إلى الساحة: فمصر التي تهتم بالسياسة السودانية اهتماما خاصا –على سبيل المثال– لن تسمح بانقلاب من هذا النوع، لأنه سيشوش على توازن القوى داخلها. والسعوديون من جهتهم لن يرتاحوا لوجود اضطرابات أصولية عند خاصرتهم الغربية".

ومن الواضح أن منصور خالد –رغم حاسته السياسية والأمنية المرهفة– قد أخطأ في تقديره للخبرة الاستراتيجية لدى قيادة الحركة الإسلامية حينها، وقدرتها على استخلاص العبرة من تجارب الآخرين، وخصوصا تجربة الحركة الشيوعية السودانية. بيد أن خطأه الأكبر -وخطأنا جميعا- هو الغفلة عن نقطة ضعف الحركة الإسلامية في السودان، وهي قصورها في فقه الدولة، وتقصيرها في بناء الأخلاق السياسية.

فشَلٌ مِن رحِم النجاح

كان انقلاب الإنقاذ آخر نجاح باهر للمنهج الحركي الذي انتهجه الإسلاميون السودانيون، لكنه وضعهم على عتبة أول فشل سياسي مدوٍّ في تاريخهم. وهكذا تحوَّل ذلك الاختراق العظيم لجهاز الدولة الذي نجح فيه الإسلاميون السودانيون، وفشل فيه غيرهم من الإسلاميين في الدول العربية، إلى أكبر كارثة على حركة التغيير التي بشر بها قادة الحركة، وربَّوا عليها أجيالا من الإسلاميين داخل السودان وخارجه. لقد تمخض النجاح العظيم في منهج الحركة عن فشل عظيم في إدارة الدولة. وهنا تكمن المفارقة، وتظهر العبرة التي نحتاج إلى الاعتبار بها اليوم.

ولسنا بحاجة إلى تكرار مثالب سلطة الإنقاذ في إدارة دولة السودان خلال العقدين الماضيين، فقد تولى ذلك المتبصرون من كتَّاب الحركة الإسلامية ومثقفيها منذ العام 2003، حينما بدأت تظهر مراجعات فكرية مهمة لمسار الحركة الإسلامية السودانية، فجَّر شرارتها د. التجاني عبد القادر –وهو من القادة السابقين في الحركة- في مقالات نقدية عميقة تحمل عناوين ذات دلالة، منها ثلاثة مقالات بعنوان: "العسكريون الإسلاميون أمناء على السلطة أم شركاء فيها"، ومقالان بعنوان: "الرأسماليون الإسلاميون"، واثنان آخران بعنوان: "إخواننا الصغار ومشاريعهم التوسعية الكبرى".. وشارك في نقاش تلك المقالات عدد من قادة الحركة السابقين والحاليين، منهم د. عبد الوهاب الأفندي، والشيخ إبراهيم السنوسي، و محمد الأمين خليفة أحد قادة انقلاب الإنقاذ الذين لحقوا بالترابي بعد الانفصام بينه وبين البشير.

كما صدرت كتب مهمة تشرح مسار الانشقاق داخل الحركة من وجهات نظر مختلفة، وتقدم تقييما لحصاد السلطة الإسلامية السودانية، من أهمها كتاب المحبوب عبد السلام (دائرة الضوء وخيوط الظلام) وهو أقرب إلى وجهة نظر الترابي ومعسكره، وقد امتاز هذا الكتاب بعمق التحليل وحسن السبك. وكتاب عبد الرحيم عمر محيي الدين (الترابي والإنقاذ: صراع الهوية والهوى) وهو أقرب إلى وجهة نظر البشير ومعسكره، ويمتاز بالتوثيق والثراء في الشهادات من جميع الأطراف، على ضعف في التحليل والتركيب.

ويكفينا هنا أن نقول إن الحركة الإسلامية في السودان فشلت فشلا ذريعا في الوفاء بوعدها، في بناء دولة الحرية والعدل التي بشرتْ بها السودانيين خلال نصف قرن قبل انقلاب 1989، فمارست القمع، وصادرت الحريات، وهدمت الشرعية السياسية القائمة –على علاَّتها- ولم تبْن شرعية جديدة. بل فشل الحكم الإسلامي في السودان فيما نجحت فيه أنظمة سابقة عليه، وهو المحافظة على السودان كيانا واحدا يعيش سلاما نسبيا، رغم كل المشكلات الكامنة في أحشائه. ولم تكن الحرب الأهلية المدمرة في دارفور سوى تعبير عن قمة ذلك الفشل، وهي امتداد للصراع الداخلي في الحركة الإسلامية، ومظهر من مظاهر الأنانية السياسية التي اتسم بها قادتها، وكيد بعضهم لبعض بطريقة لم تحترم أسس التعامل الإنساني، فضلا عن الأخلاق الإسلامية.

ويمكن تلخيص العبرة من التجربة الإسلامية السودانية في ثلاثة محاور كلها ذات صلة بمسألة الشرعية السياسية. وهي محور الشرعية والفاعلية، ومحور الشرعية والشريعة، ومحور العلاقة بين الجيش والمعارضة السياسية.

بين الشرعية والفاعلية

لقد أصبح من مسلمات العلوم الاجتماعية اليوم أن الشرعية السياسية ذات أثر عميق على مستوى أداء السلطة. والمراد بالشرعية السياسية هنا هو "التأمُّر في الأمير" الذي ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، والناس صالحون... فلما كان بعدُ قال لي ذو عمرو [أحد أعيان اليمن]: يا جرير إن بك عليَّ كرامةً، وإني مُخبرك خبرا، إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمَّرتم في آخر. وإذا كانت بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك، وترضون رضا الملوك" . و"التأمر في الأمير" بلغة معاصرة هو التحكم في الحاكم، أي أن يكون اختيار السلطة بإرادة المحكومين، ويكون أداؤها تحت مراقبتهم ومحاسبتهم، مع تمكنهم من عزلها واستبدالها سلميا. وهذا هو معنى الشرعية السياسية في العلوم الاجتماعية اليوم.

وقد أدرك فلاسفة السياسة منذ عصر افلاطون أن الشرعية والفاعلية مترابطان. ولذلك "على الدوام تعارضت الحكمة الفلسفية مع العنف الطاغوتي، فهي ترى أن أي نظام يكون أفعل بقدر ما يكون أعدل." وطور فلاسفة اليونان نظرية (عضوية الدولة) بمعنى اعتبار الحكومة والشعب كيانا واحدا لا يستطيع أن يكون فعالا إلا إذا كانت سائر أعضائه منسجمة. وكل تضارب في الإرادة بين الحاكم والمحكوم يفضي إلا الشلل الاجتماعي. لذلك "كان لافلاطون وأرسطو تصور عضوي عن الدولة، ففي تصورهما هناك أسبقية طبيعية للكل على الأجزاء" ويرى هذان الفيلسوفان أن "الطغيان قطيعة، وهو تفكيك لهذه الكلية الأخلاقية... إنه فقدان الانسجام الذي يوحد الفرد بالدولة، والإرادة العامة بالإرادة الخاصة... وهذا هو الانحلال الكامل للدولة لأنها تفرض نفسها عسفا وعنوة دون أي مسوغ."

ومن أوسع تعريفات الشرعية السياسية تعريف دونا روبنسون ديفاين في دراسة عن الشرعية السياسية في إسرائيل: "الشرعية هي إحساس الناس بأنهم ينتمون إلى جسم سياسي واحد، وأن المؤسسات المهمة في ذلك الجسم –مهما تكن طبيعتها- ملك لهم، وأن إرادتهم محدِّد مهم في صناعة القرار السياسي. وليس من الضروري أن يجد كل مواطن رأيه مقبولا في كل مناسبة، لكن من الضروري أن يحس كل مواطن أن رأيه تم أخذه في الاعتبار، وأن رأيه يملك حظ التأثير في صياغة السياسات العامة." وهذا التعريف للشرعية السياسية من إسرائيل مهم في هذا السياق، لأن شرعية السلطة في إسرائيل هي أهم مصدر من مصادر قوتها، وانعدام الشرعية السياسية في الدول العربية هو أهم مصادر ضعفها.

إن العلاقة بين الاستبداد الداخلي والوهن الخارجي علاقة وجودية لم تستوعبها الشعوب العربية بعد. وقد حاول العديد من المفكرين التنبيه إليها، فلم يجدوا آذانا صاغية ولا قلوبا واعية، ومنهم الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي الذي ألح على أن "القابلية للاستعمار" تقود إلى الاستعمار، وأن "الأفكار الميتة" تمهد "للأفكار المميتة". وقد كتب المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي منذ مائة عام كتابه الخفيف الوزن العظيم الفائدة (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ففحص فيه أسباب الانحطاط والتقهقر في المجتمعات العربية وتوصل إلى أن "أصل هذا الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية."

لقد تمخضت تضحيات الحركة الإسلامية في السودان وجهدها مدة نصف قرن من الزمان عن حكم عسكري مستبد، قاهر لشعبه، مقهور أمام الغير، ضحى بالشرعية السياسية بدعوى الفاعلية والسلم الأهلي والوحدة والبناء... فضاعت الشرعية وضاعت معها الأهداف التي تم ذبح الشرعية في سبيلها. وتكمن العبرة هنا في أن التضحية بالشرعية السياسية لصالح أي قيمة أخرى هدم لأساس الاجتماع السياسي، واختلال في الموازين الأخلاقية والسياسية. فالبناء السليم للسلطة هو المدخل إلى الأداء السياسي السليم، والشرعية هي المدخل إلى الفاعلية.

بين الشرعية والشريعة

أما العبرة الثانية فهي أن الشرعية سابقة على الشريعة، لأن أهم ما يثمره احترام الشرعية السياسية هو سيادة القانون، وإخضاع تداول السلطة لقيم أخلاقية وإنسانية بدل خضوعه لقانون الغاب وأنانية الأقوى. إن أساس الشريعة العدل، ولا عدل إذا ظل بين المواطنين من هو فوق القانون ومن هو تحت القانون. ومهما يكنْ جمال القانون –سماويا كان أو أرضيا- فلن يكون له أثر عملي إذا لم يتصف بصفة العموم والإطلاق. كان أبراهام لنكولون يقول: "لا أحد فوق القانون ولا أحد تحت القانون"، وكان جان جاك روسو يقول: "هذه هي المشكة الكبرى في السياسة: إيجاد شكل من الحكم يضع القانون فوق الإنسان". وبهذا التفكير استطاع الإنسان الغربي أن يحقق العدل لنفسه في وطنه، رغم قصور قوانينه الأرضية عن شريعة الإسلام السماوية، ورغم جوره في تعامله مع الآخرين خارج حدود أرضه.

أما في دنيا العرب والمسلمين فلا يزال الحاكم فوق القانون لا يُسأل عما يُفعل، ولا يزال أغلب الشعب تحت القانون لا يجد إنصافا ولا عدلا. ولا يزال هوى الفرد المتأله هو المرجع الأخير. فإن أحسن الحاكم منع مواطنيه من بعض التظالم فيما بينهم، مع ولوغه هو في ظلمهم جميعا. بل هو لا يعدل في شيء مثل العدل في توزيع الظلم على رعيته. فمثله مثل الإقطاعي القديم، الذي يمنع عبيده من اعتداء بعضهم على بعض، لكنه يمارس الاسترقاق والظلم عليهم جميعا. والسبب في كل هذا البلاء هو انعدام الشرعية السياسية.

إن بعض الإسلاميين يضعون العربة أمام الحصان، بالتقليل من قيمة الشرعية السياسية في سلم القيم. وقد أدى ذلك إلى خروج مسألة الشرعية السياسية من أولويات الفكر الإسلامي، وتشوه مفهوم "تطبيق الشريعة" فأصبح مفهوما جنائيا. وهذا اختلال خطير في الأولويات الشرعية، أدى إلى اختلال في التطبيق. فكم يدًا تم بترها ويد الحاكم الذي بترها أولى بالبتر، وجرمه أكبر، وسجل مظالمه أعرض. وكم سجينا عانى ولا يزال يعانى في أرض يدين أهلها بشريعة العدل الإسلامية. ومهما يكن من أمر، فإن قضية الشرعية السياسية من القضايا التي ضيعها المسلمون في واقعهم التاريخي، وهم اليوم يضيعونها في تفكيرهم أيضا. ولم تكن تجربة الحركة السودانية من عام 1989 إلى اليوم سوى انعكاس لهذه الاختلال.

وما من ريب أن لهذا الاختلال الفكري أثره السيء على الحركات الإسلامية في طرحها الفقهي وفي ممارستها السياسية داخل صفها الخاص وفي مجتمعها العام. وحينما قفزت الحركة السودانية إلى السلطة عبر انقلاب عسكري كانت بذلك تضع الشرعية في موقع خفيض من سلم الأولويات، ثم تكشَّف أداء الحكم العسكري السوداني خلال العقدين المنصرمين عن إسقاط كامل لقيمة الشرعية السياسية، وجعْل البقاء في السلطة معيار المعايير، والغاية الأسمى التي يهون في سبيلها كل شيء، ولو كان وحدة السودان ووجوده.

إن اتخاذ قضية الشرعية السياسية أولوية الأولويات مدخل شرعي وعملي لتطبيق الشريعة، غاب عن بال الإسلاميين عهودا من الزمن، فنسوا أن الشرعية هي الطريق إلى الشريعة، بمعنى أن إقامة حكم ديمقراطي يحترم إرادة الأمة وحرية الفرد هو السبيل إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، بل هو أهم جزء من هذا التطبيق في أخطر مناحي الحياة وأكثرها إثارة للخلاف، موضوع سالت فيه الدماء والدموع مدرارة، وهو موضوع: من يحكم من؟ ومن يخضع لمن؟

فعبرة التجربة الإسلامية السودانية في السلطة تلح على الإسلاميين في المستقبل أن يجعلوا الشرعية السياسية سابقة على الشريعة، وبذلك يجعلون مشروعهم مشروع أمة لا مشروع طائفة أو حركة. فلن تقام أحكام الشريعة إلا إذا احتضنتها الغالبية من أبناء الشعب، وأصبحت تعبيرا إجرائيا عن إرادة أمة حرة، يلتزم بها جميع السياسيين طوعا وكرها، كما هو شأن الأحكام الدستورية في دول الغرب اليوم. ولن ينجح مشروع سياسي لا يجعل حرية الإنسان وكرامته همه الأهم. والحق أن الشرعية السياسية هي المدخل الصحيح لتطبيق الشريعة، بل هي تطبيق الشريعة، الواعي بذاته، المدرك لأولوياته النظرية والعملية.

أتحملني أم أحملك؟

أما العبرة الثالثة من التجربة الإسلامية السودانية حركةً ودولةً، فهي تتعلق بالعلاقة بين الحق والقوة، بين الجيوش والقوى السياسية المعارضة. ففي إحدى القصص الشعبي العربي وهي قصة "شن وطبقة" يسأل العجوز المتحذلق المدعو "شن" مضيفه: "أتحملني أم أحملك"؟ وهو يقصد هل تسلِّيني أم أسليك بالقصص المختصِر للطريق. وتذكِّر هذه القصة بالعلاقة بين الجيوش والحركات السياسية في الدول العربية. فكثيرا ما تستسهل حركات التغيير استخدام الجيوش للوصول إلى السلطة، اختصارا للطريق، وتأمينا لنفسها من القمع. لكن السؤال يبقى هل سيحمل الجيش حركة التغيير الاجتماعي ورسالتها إلى السلطة، أم أن الجيش هو الذي سيمتطي متن الحركة لغايات أنانية لا صلة لها برسالة التغيير..

وتعاني المجتمعات العربية الحالية من انشطار في الذات عميق، فصَل الخلُق عن الفن، والحق عن القوة، والدولةَ عن الشعب، فحال بين الحق وبين الاستقواء بالقوة، وحال بين القوة وبين الاسترشاد بالحق، ووضع الحاكم والمحكوم في صراع، فمنع من إقامة "الدولة المنسجمة" التي اعتبرها الفيلسوف الألماني هيجل –بحق– أمل المجتمعات المعاصرة ومآلها.

وقد كشف الشاعر الثائر محمد إقبال خطورة هذا الانشطار بأسلوبه الأدبي البديع، فبين أن "الدين بغير قوة مجرد فلسفة"، وأثنى على ذلك التلاحم الميمون بين الحق والقوة باعتباره أهم دافع لحركة التاريخ، وأكد أن "سجود الجندي خير من سجود الجنيد"، لأن سجود الجندي رمز لتلاحم الحق والقوة، أما سجود الصوفي المشهور الجنيد فلا قوة فيه ولا حياة، إذ ينقصه "عز القيام" حسب تعبيره. فإقبال يشخص هنا الإشكالية الجوهرية في الحياة السياسية على مر العصور، وهي أن الحق إذا انفصل عن القوة فإن مصيره الهزيمة والانكسار، والقوة إذا انفصلت عن الحق فإن مآلها الطغيان والتخبط. أما الدكتور برهان غليون فقد وضع ثنائية الحق والقوة هذه في السياق السياسي العربي، ولخص الأمر كله في عنوان أحد كتبه "المحنة العربية.. الدولة ضد الأمة".

ثلاث قوى نوعية

ويمكن القول إن القوى النوعية المتحكمة في المجتمعات المعاصرة ثلاث قوى هي الجيش والمال والإعلام. وفي المجتمعات الغربية –حيث تنبني شرعية السلطة على الاختيار لا على القوة– فقد الجيش نفوذه كقوة سياسية، فتبارى الناس في التأثير من خلال المال والإعلام. ومن هنا كانت فطنة اليهود الذين اتجهوا إلى هاتين القوتين، فسيطروا بهما –ضمن عوامل أخرى- على الحياة السياسية في العديد من دول الغرب. أما الجيش في الدول العربية فهو القوة النوعية الأساسية، وهو مؤسسة سياسية تمتلك القوة، في مجتمعات لا تزال الشرعية فيها خادمة للقوة لا العكس، بل هو أقوى مؤسسة سياسية في المجتمعات العربية الحالية، وأكثرها تماسكا، وأقواها عصبية.

فالجيش العربي –ببنيته وثقافته الحالية- حاجز كثيف أمام التغيير الديمقراطي الذي تطمح إليه الشعوب وتتطلع إليه. وهو قيد يجعل كل المكاسب الكمية التي تحصل عليها قوى التغيير الديمقراطي هباء أمام القوى النوعية التي يمثلها الجيش. فنسبة 80% من الناخبين الجزائريين الذين صوتوا لجبهة الإنقاذ الإسلامية لم يستطيعوا فعل شيء أمام حفنة من جنرالات الجيش المتحكمين، ورأوا حلمهم ينهار بجرة قلم وبضع طلقات.

وقد زاد من كثافة هذا الحاجز حرص الأنظمة العربية وظهيرها الدولي على فصل الجيوش عن الشعوب، بنية وإدارة وثقافة وتكوينا. وهو انفصال ترجع جذوره إلى أيام الاستعمار والنخبة التي ارتبطت به، فسلمها مقاليد الأمور من بعده. ثم اتسعت الهوة أكثر مع عسكرة الأنظمة العربية التي لم يعد يوجد فيها نظام مدني واحد تقريبا، وحتى الأنظمة الملكية المعروفة تقليديا بأنها مدنية، اتجهت في العقود الأخيرة إلى العسكرة.

وتواجه القوى الساعية للتغيير الديمقراطي في الدول العربية مأزقا أخلاقيا وعمليا في التعاطي مع الجيوش. فهي لا تستطيع تحريض الجيوش على الأنظمة، في الوقت الذي تدعو فيه للتداول السلمي للسلطة، حتى لا تقع في تناقض أخلاقي يفقدها المصداقية. وهي لا تستطيع أن تنكر الدور السياسي الذي يضطلع به الجيش في إطالة عمر الأنظمة المستبدة، مما مكن الحكام من مصادرة إرادة الشعب وقمع القوى السياسية التي رضيها –أو قد يرضاها- الشعب لقيادته.

ثلاثة خيارات عملية

من وجهة نظر فنية يمكن تصور ثلاث طرائق في تعامل القوى السياسية مع المؤسسة العسكرية في الدول المعاصرة:

الأول هو تحييد الجيوش سياسيا، من خلال بناء تحالفات سياسية عريضة، تضع الجيش وجها لوجه أمام الشعب كله أو جله، وبذلك لا يجد الجيش خيارا غير الانسحاب من السياسة، والتخلي عن دعم الاستبداد، وتسليم السلطة لقادة منتخَبين. والثاني: هو غزو الجيوش من خارجها من خلال بناء قوة موازية لها، كما فعلت بعض قوى اليسار في أفريقيا وأميركا اللاتينية منتصف القرن العشرين. والثالث: هو اختراق الجيوش من الداخل من خلال عملية تسرب بعيدة المدى، تنتهي بالإمساك بمفاصل الدولة وتجعل التغيير أمرا سهلا، وهو ما فعلته العديد من القوى القومية العربية منذ العام 1952، ولم تنجح فيه من الحركات الإسلامية –حتى الآن- سوى الحركة السودانية. بيد أن هذا الخيار يشتمل على خطر على القوى السياسية التي تتبناه، فليس من السهل على المتسلل إلى البيت تحت جنح الظلام أن يخرج منه طوعا في وضح النهار. وليس من الحزم الرهان على النوايا الطيبة التي يعبر عنها الانقلابيون في كل عصر قبل أن يتمكنوا. وهو ما حدث في السودان.

بين الثورة والانقلاب

إن جوهر الفرق بين الانقلاب والثورة هو أن الثورة تهدف إلى تحرير الناس، أما الانقلاب فيهدف إلى حكمهم. الثورة يقودها الشعب فيتبعه الجيش، والانقلاب يقوده الجيش فيتبعه الشعب. الثورة تغيير لقواعد بناء السلطة لتكون الكلمة الأخيرة فيها للشعب، أما الانقلاب فهو تغيير لأشخاص الحكام مع بقاء القوة معيارا للحكم. فاستيلاء الشيوعيين على السلطة في روسيا عام 1917 انقلاب وليس ثورة، ومثله انقلاب جمال عبد الناصر في مصر عام 1952، وانقلاب معمر القذافي في ليبيا عام 1969، والانقلابات العديدة التي شهدتها سوريا وغيرها من الدول العربية. أما القضاء على الملكية في فرنسا والتحرر من التاج البريطاني في أميركا نهاية القرن الثامن عشر فهما ثورتان حقيقيتان، لأنهما وضعتا السلطة في أيدي الشعب.

والطريف أن الثورة الوحيدة التي شهدتها الدول العربية في تاريخها الحديث هي ثورة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان عام 1985. ومن أسباب كونها ثورة أن تحركات الشعب والقوى السياسية والنقابية السودانية ضد النميري سبقت أولا، ثم جاء تدخل المشير تتويجا لها. على أن سوار الذهب يستحق الثناء في زمن الطمع والأنانية السياسية الذي نعيشه: فقد كشف عن زهده في السلطة ووفائه بوعده، وسلم الأمر إلى الشعب عن طيب خاطر. فهو يذكرنا بعظماء الثوار في التاريخ البشري مثل جورج واشنطن الذي اقترح عليه أحد قادة جيشه أن يقبل البيعة أول ملك للدولة الأميركية الوليدة، فرد واشنطن "إن الشعب الأميركي لم يبذل الدم للتحرر من جورج الثالث (ملك إنجلترا) ليضع مكانه جورج الأول (يعني نفسه)".

وقد اصطلتْ الشعوب العربية منذ مطلع الخمسينيات بالعديد من الانقلابات التي لم تهدف إلى تحريرها بل إلى حكمها، رغم التسويق الكثيف الذي عمد إليه الانقلابيون بتصوير أنفسهم في صورة ثوار ومحررين. ولم تكن التجربة السودانية سوى آخر مثال من ذلك. فقد سمى الإسلاميون السودانيون انقلابهم ثورة، وكان من الممكن أن يكون كذلك، لو كان بنى شرعية جديدة تجاوز بها ذاته، وبرهن على أن هدفه تحرير الشعب لا حكمه. لكن العكس هو ما حدث.

إن تغيير قواعد استلام السلطة –لا الأشخاص الذين يحكمون– هو وحده الذي يستوعب المخاض العربي الراهن... وبهذا المعيار يمكن اعتبار انقلاب الإنقاذ في السودان نكسة في التطور السياسي لمجتمعاتنا، وخطوة فظيعة إلى الوراء.

تأمين وإعادة تأمين

كانت خطة الحركة الإسلامية في السودان بعد استيلائها العسكري على السلطة أن تُخرج انقلابها بواجهة وطنية لا إسلامية، ثم تتدرج خلال ثلاثة أعوام من "التأمين" إلى مرحلة "التمكين" التي تذوب فيها الحركة في الدولة، وتكشف عن وجهها الإسلامي سافرا، بما في ذلك تسليم العسكريين السلطة للمدنيين، والرجوع التدريجي إلى الحكم الديمقراطي. لكن مرحلة "التأمين" تحولت إلى "تأمين وإعادة تأمين" أو "تأمين شامل"، واستحالت الحركة إلى أداة قمع في يد سلطة عسكرية مستبدة، لا رؤية لها وراء البقاء في السلطة والتشبث بالكرسي. فانتحر المشروع الإسلامي على أعتاب الحكم العسكري.

ثم انشق صف الحركة، وانفصل رأسها عن جسدها، ففقدت الحركة -بفقدان الترابي- عقلا متألقا، ومخططا استراتيجيا لا يشق له غبار، فتحولت إلى حركة حكم من أجل الحكم دون رؤية أو مشروع فكري. وفقد الترابي القوة الاجتماعية التي حملت فكره وجعلت منه زعيما سياسيا.. وكان ذلك إيذانا بانفصال الفكر عن العمل والسياسة عن الأديولوجيا في السودان.. وتحول المشروع كله إلى مطية لحكم عسكري مفلس.

وليست الحركة الإسلامية السودانية هي وحدها التي تستحق العتب على هذه النكسة في التطور السياسي السوداني، ولكن يتحمل ذلك أيضا أولئك الضباط المغامرون من قادة الجيش السوداني الذين هددوا الحكومة السودانية المنتخبة عام 1989 بالتخلص من الإسلاميين أو مواجهة العواقب، في تهديد صريح بالانقلاب العسكري عليها وعلى الإسلاميين. فالمشكلة في جوهرها ترجع إلى ضعف الثقة بين الفاعلين الاجتماعيين في أوطاننا، وتفريطهم في بناء قواعد سلمية لتداول السلطة وحل الخلاف.

أما ما تستحق الحركة الإسلامية السودانية العتب –بل الإدانة- عليه حقا، فهو فشلها في إعادة بناء السلطة الشرعية بعد أن أمَّنت نفسها من قادة الجيش، وظلمها لعامة الناس في دمائهم وأموالهم، وانشطارها شطرين لا يرقب أي منهما في الآخر إلاًّ ولا ذمة. فلم تَضِع في السودان شرعية السلطة فقط، بل ضاعت الشرعية الداخلية في الحركة أيضا، واستبد القائد العسكري بالقرار فيها، بعد أن استمال من استمال من أبناء الحركة بإغراء السلطة والثروة.

خاتمة: طريق الشعب أرحب

وخلاصة الاعتبار بتجربة الحركة الإسلامية في السودان خلال نصف قرن من الحركة وعقدين من الدولة، هو أن الحركات الإسلامية بحاجة إلى مراجعة رؤيتها السياسية في التغيير أخلاقيا واستراتيجيا، من رؤية محكومة بالخوف من السلطة والطمع فيها، إلى رؤية محكومة بالأمل في الشعب والسعي إلى تحريره. وهذا النهج هو الذي انتهجتْه القوى الإسلامية في تركيا، وقصرت فيه القوى الإسلامية في الدول العربية.

كان نيلسون مانديلا يقول مزدهيا وهو شاب يافع يقود الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي: "إن الحق والديناميت إلى جانبنا." وكان يقول: "إذا حرَمك أهل السلطة من الحرية فإن طريقك إلى الحرية هو السلطة". لكن ذلك الحكيم الإفريقي أدرك -بعد أن عركتْه التجارب وأنضجتْه السنون- أن الحق يمكن أن ينتصر من دون الديناميت، وأن تحدي القوة الغاشمة بالحق الظاهر غير الملجلِج كفيل بتعريتها وهد أركانها في النهاية.

ويبدو أن الحركة الإسلامية في السودان نهجت نهج الزعيم الإفريقي الشاب، حينما قررت أن لا يستضعفها نظام قمعي أو يصادر مشروعها السياسي، كما استضعف غيرها من الحركات الإسلامية وصادر مشروعها بطلقة بندقية وتسطير بيان.. لكنها فرطت في الحكمة السياسية التي توصل إليها مانديلا في كهولته ونضجه، وعبر عنها بقوله: "الثورة ليست مجرد الضغط على الزناد، ولكنها حركة تهدف إلى إقامة مجتمع العدل والإنصاف" فأضاعتْ الحركة مشروعها السياسي بيدها، وقد كانت تشفق عليه من الآخرين!!

إن أهم عبرة من التجربة الإسلامية السودانية هو ما ينضج به شعر محجوب شريف الذي اقتبسه المحبوب عبد السلام في مقدمة كتابه الحزينة التي صدَّرنا بها هذه الدراسة:

طريق الشعب أوسع من زحام الضيق..

وقلب الشعب أرحب من رحاب الضوء..

لقد تخلت الحركة الإسلامية في السودان عن طريق الشعب الرحب، وقفزت إلى الأمام بانقلابها العسكري عام 1989 في ظروف خوف وقلق.. ولم تملك العزم والشجاعة للعودة إلى الشرعية.. فانتقم منها طريق الشعب انتقاما بليغا. والواضح أن طريقة التحييد السياسي للجيوش –حتى في ظروف التهديد والخوف- هي التي تنسجم مع أخلاقيات العمل السياسي الإسلامي. وحتى لو لجأ السياسيون المعارضون إلى الانقلاب العسكري في ظروف غير طبيعية فالمفترض أن يكون الهمُّ الأهم عندهم هو تحرير الشعوب من الاستبداد والفساد، لا التحكم فيها بالقوة من جديد. فليس الاستيلاء على السلطة بالقوة سوى وسيلة لتحرير الناس من شرورها، وإلا فقد قيمته الأخلاقية. فعلى القوى السياسية التي تتبنى تلك الحلول المعوجة أن تبرهن أن لجوءها للقوة إجراء مؤقت اقتضته ظروف معوجة، وأن تفتح الباب لبناء شرعية جديدة لا تكون القوة فيها هي الرهان.

لقد كان من الممكن أن تتطور الحركة الإسلامية في السودان إلى حزب أغلبية يحكم بالقانون ويحكُمه القانون، أو ترضى بموقعها جزءا من التطور السياسي السوداني نحو سلطة شرعية وفاعلة في ذات الوقت. لكنها استعجلت الثمرة، في ظروف تهديد وخوف، فاقتطفت الثمرة مريرة المذاق، وأساءت التصرف في المسؤولية التي تحمَّلتها افتئاتا على شعبها، وهدمت تراث نصف قرن من تاريخها، كان مفعما بالعمل التنظيمي والسياسي المبدع..

وكم من وعدٍ خالفٍ في صراع السلطة والثروة.. وكم من فكرة عظيمة خذلها حمَلتُها يوم التطبيق.


(نشر هذا البحث فصلا من كتاب: "الإسلاميون في السودان من التأسيس إلى الانفصال" الصادر عام 2010)



  • 3

   نشر في 27 أبريل 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !

مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا