رسائل شاردة للباحثين عن شيءٍ ما-عبدالوهاب شعبان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسائل شاردة للباحثين عن شيءٍ ما-عبدالوهاب شعبان

  نشر في 31 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 04 فبراير 2020 .

عن قرب للباحثين عن شيء ما، وعلى مسافة من الواقفين على حافة الترقب، وللآخرين البعيدين المبعدين ما يليق من روث المعاني، ودخان اللامبالاة..

(1)

لا يفنى الوقت هباءً إلا في غياب التجارب، ولا تجربة لمن لا وجدان له.

كنت أحمقًا حين أفنيت عمرًا (مرحلة الجامعة، وما بعدها) في الثرثرة على قارعات الطرق، الأماكن العامة، والمنتديات، مرتديًا ثوب المدافع عما خلته وقتئذٍ مستقبل الناس في قرية محدودة، مبشرًا بواقع أحمله على بساط أحلام اليقظة المشتهاة، دون تماس مع مجتمع تتغير آلياته، ومعالمه بمعدلات متسارعة، وأقف وحدي على أعتابه صارخًا، أتحسس دهس أقدام المارين، ولا يوقفهم شيء.

ريثما تسري المقادير، وتتعاقب الأيام، ألملم على مهل انطباعات ظاهرية تراوح بين الإعجاب، والدهشة، وأعود إلى وسادتي مشدوهًا بثناء (كاذب)، وتصفيق تحول فيما بعد إلى ضجيج يحتل الذاكرة بلا هوادة، وعند نهاية المرحلة تبين بما يؤسس ليقين يأبى المراجعة (أن انشغال المرء بغيره، وتبنيه شعارات بلهاء، يؤخر نضج التجارب، ويدمي خطاها).

(2)

دخنت أهدافي جميعها، ونفثتها في فضاء هائج.

لم تخذلني مطلقًا شهوة البحث عن الضوء (حتى قاربت أواخر العشرين من عمري) تعويضًا عما سببته سحائب الدخان الكثيفة، إذ نسجت ضبابها حدبًا على خطوتي، فتشكل مستقبل غائم لا يراد لـ"عتمته" جلاءً، فاسترسلت، وواصلت، تجذبني المواسم الكلامية جذبًا، فاسترد بخيبة فائقة حالة الركض خلف الحكايات مستغلًا هبة البيان، وطلاقة التبيان، ومنتشيًا بلذة الهذيان.

وشأن الرحلات كافة تبين فيها عكارة الوجوه، ودناءة الأنفس، بدا لي عن قرب تبجح المتسقين مع غايات متدنية بوسائل تفوقها في التدني، وعايشت عمرًا أكبر من طاقتي في التعاطي مع تلون الساعين إلى شيء ما، انقضت الرحلة، ولم ينقض السعي إلى مساحيق التنقل بين المتناقضات، ولم يهدأ التناقض حتى حين، غير أني هدأت، وقرأت ما بين أسطري المتعرجة.

(3)

وكانت القاعدة "من اعتزل وصل، ومن اشتبك ارتبك".

خبأت السنوات حكمتها، واشترطت أن تمنحها للهادئين المتأملين لغاياتهم، المعتزلين أحاديث العامة، والدهماء، المنكفئين على أحلامهم بدراسة آليات تحقيقها، وتدرج أولوياتها، وقبضت على المعاني قبضًا حتى رفع الستار فجأةً فوجدتني مجرد مشاهد مجاني لا يسعه إلا التغني بتحقق القاصدين من أهل الطموح المنظم.

كنت حينئذ أمثل صفرًا كبيرًا في معادلة تحقيق الذات، وامتطي غرورًا باهتًا لا يتكيء إلا عبارات فلسفية ماسخة يأنس بها العائدون ليلًا من طرق التحقق.

(4)

عن قصد أقول للباحثين عن شيء ما (المسوخ كأتربة عالقة في أحذية السائرين).

تعاد المشاهد أمام ناظري الآن، وأنا في مقاعد المتفرجين بعد عزلة عادلت سنوات الثرثرة (منذ عملي بالصحافة إلى الآن) وتعادل فيها الربح، مع الخسائر، وزاد فيها فضاء "فيس بوك" الذي يقصده البعض لتحقيق انتصارات، وبطولات وهمية لا يستطيعونها واقعًا، وتستحيل دوافعهم إلى بحث عن مكان شاغر في محيط الضوء.

واستلهم من حالة السيولة الممتدة في رتق الخروقات، وخرق جدران المنطق، ما يهديني إلى قناعة أبدية تتبلور في "أن الشيء الوحيد الذي يستحق الجهد هو الهدف الشخصي، ممهورًا بنُبل مقصده، ويقظة الضمير"، ودونه يندرج الإنسان تحت مظلة (أينما أدرت ظهرك، لاحقتك سخرية الجلساء، ولعنات ما أنت مقيم عليه من الخواء".

(5)

انشغل عمّا حولك بما تحب، لصالح من تحب.

تخيل معي أن شخصًا ما لا منتج له، ولا منجز زاد في استعراض بطولة زائفة، فأمطرت مساحته "على الفضاء الأزرق" إعجابات، وتعليقات، ماذا بوسعه أن يفعل حين يجالس أصحاب البطولات الحقيقية، والتميز المهني؟

إذن: كرر هذا حين تحملك الأمنيات إلى التعاطي مع وسائل التواصل الاجتماعي، واحترف البناء الواقعي، بعيدًا عن هؤلاء الذين لا يريدون إلا سماع صدى أصواتهم، والتلذذ بإطراء قبائلهم، ومريديهم.

لاتكن أحمقًا، كل الذين مضوا مسوخًا في مسيراتهم انتهوا إلى حقارة يرونها في أعين الأغيار، مهما تعاظمت المكاسب.

(6)

للباحثين عن شيء ما، إن الصعود على سلالم الأهداف أولى من الأكتاف..

للواقفين على حافة الترقب، ما يدرك بالمساحيق يمكن إدراكه بوضوح الطريق..

للبعيدين المبعدين،  عطفًا على سنوات الثرثرة: مشيت على آثاركم بممحاة، وأدركت النجاة.



  • 3

  • عبدالوهاب شعبان
    حاصل على جائزة مصطفى وعلي أمين في القصة الإنسانية عام 2017.... حاصل على جائزة نقابة الصحفيين في التغطية الميدانية عام 2014
   نشر في 31 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 04 فبراير 2020 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا