مـــــــــن أنـــت يا إسلام ؟! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مـــــــــن أنـــت يا إسلام ؟!

(أسفار روح)

  نشر في 20 شتنبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2016 .

(إسلام) حكاية قديمة جديدة تثير فى نفسي كثيراً من الشجون..(إسلام) هو الكمال الإنساني الذي ينشده المصلحون الأنقياء وهو الضلال الأبدي الذي يفر منه البررة الأتقياء..رغم مرور السنون إلا أن روحه العبقة يُخيّل إلى أنها مازلت تطوفُ حولي وتزورني تارة مستأنسة وتارة معاتبة؛ لتثير في نفسي الكثير من التساؤلات، حتى أضحى (إسلام) ملهمي الروحي الذي لا ينفك عني في حالات الصفاء والإيمان والألم، فمازلت روح هذا الرجل تفيض على قلبي من عبيرها الفواح، ومن بشاشة حضورها الطاغي.

(إسلام) رجل أربعينى العمر حين تراه تشعر بقوةٍ في جسده وصرامة في وجهه مع غموض وشك يعتريه، إلا إنك أبدًا لا تشك في ثقافته الواسعة وحسن أدبه، وجمال منطقه، ووده في حالة الرضى لولا حدة تعتريه عند الغضب ثم سرعان ما يرجع لجميل وده... تشعر في قسمات وجهه بعزة وشموخ مع يسر وتواضع، تنظر إلى وجهه كانك تنظر إلى مشاعر قائمة بذاتها تتحدث إليك وتعترك وتتشابك في كل موقف من مواقف الحياة.

في ليلة مطيرة من ليال الشتاء رأيته للمرة الأولى، وكان غائبا عن الوعي فحاولت إيقاظه ومساعدته فإذا به يهتز ويرتج كأنه مارد عملاق قد خرج للتو من مصباح قديم؛ فيسأل في أي عامٍ نحن..؟! ويطلب منّي أذكاراً كانت معه وضاعت، وكأنها تمثل له تعويذة الحياة.. كانت هيئته وسمته كلاسيكي للغاية كأنه سقط من عصر آخر أو خرج من فيلم سينمائي في بدايات القرن المنصرم، وكنت ملتفتا إليه باهتمام فإذا به يحدثنا بالفصحى بلهجة مستقيمة ويقول قرأتُ في البداية والنهاية كذا ولا أدرى صحة الحديث..ويستدرك ويتكلم عن مشايخ كانوا ملء السمع والبصر في بداية القرن العشرين ويصفهم بدقة كأنه عاصرهم.. يتكلم ويتكلم وأنا أغوص بخيالي أن ذاك الشخص سقط من بداية القرن بفعل آلة الزمن أو اختراع آخر.. ولا بد أنه سيحكى لنا عن زمنه ويروي مالا يعلمه أحد عن "الملك فؤاد" و"فاروق "وحكاية الثورة..

(إسلام) قد يتألم ويمسك بطنه متلويا من الجوع إلا أنه رجل عفيف يرفض الصدقة، ويعتز بفقره اعتزاز أحدنا بثرائه، ما إن تلمحه حتى لا تتشكك أنه كما يقولون : (ابن ناس)، وما إن تتكلم معه حتى تلاحظه كخطيب بارع، وفصيح يمسك بتلابيب الكلمة، ومثقف جريء لا يعرف المواربة.. كثيرا ما يخلط مؤامرة كونية بمؤامرة شخصية لا تدري عما إذا كانت واقعية أم نسجتها أخيلته الخصيبة، وتدور هذه المؤامرة حول عمته عظيمة التي تجاوزت عقدها التاسع من الظلم والطغيان – كما يصفها- ولا زال عقلها حاضرًا يخطط بدقة ودهاء، وأختها نظيمة التي تجاوزت العقد الثامن من عمرها ببضع سنوات ولا زالت قوية الشكيمة لا تخشى سوء فعالها، ويحكى كيف خططتا لينتزعا ميراثه بدس السم له في الطعام خلسة.

بين تشتت الجسد ومركزية الروح

(إسلام) رجل بلا مأوي حاول المبيت في المسجد فرفض القائمون على المسجد؛ فقال بثقة يشوبها بعض الألم: هؤلاء القوم لا يعرفون من الإسلام غير المظهر أما المخبر فخواء وهواء ، إنما العلم الخشية ! فإذا لم تكن خشية فهم جهال وإن كانوا حُفاظا، حاولت تهدئته والاعتذار عنهم والتمست له العذر فيما قال وفعل، كان يُحدثني كثيراً ويحكي لي عن حياته السابقة بفلسفة عالية وحكمة رجل مجرّب حطمته الحياة وخبرها وخبرته، رغم اضطراب كان فيه إلا أنه يحكى الوقائع بدقة وتشويق.

يختفى أحيانا عنى فأسمع بظهوره فى مكان جديد ثم أقابله ولا أحكى له عما عرفت عنه، ويختفى مرة أخرى فأسمع بظهوره فى مسجد آخر ومنطقة أخرى؛ فإسلام مركزيته المسجد منه ينطلق وإليه يعود، كفاتح مسلم تعلم تخطيط المدن دهرا، أو داعية يجوب البلاد ليمنح المتشككين بعض الحكمة، وهكذا تكون الحلقة متواصلة ومفاجئة في ذات الوقت فلا أحد يتوقع مكان ظهوره الجديد.

يحمل في يديه دائما أكياسا بلاستيكية بها متاعه الشخصى، فلا تكاد تشك أنه يحمل في الكيس الأول غرفة نومه وأن الكيس الثاني بداخله مطبخه الصغير، وأما الكيس الصغير الثالث فهو مكتبته المتواضعة المكونة من المصحف والأذكار وكتاب آخر يخبأه دومًا يرفض أن يطلعني عليه..

تراه تشعر بهيبة تخليه عن الدنيا ومتاعها، وتمسكه بالآخرة وأعمالها، وأبرز ما يميزه شعوره بالعزة فلا تراه في حالة الضعف إلا في كبرياء مهيب ورضا مُعجب بل مُعجز..فكأنه زعيم مصلح... أو رحالة عاشق أو هو فيلسوف حكيم، بل هو صوفي زاهد وسلفي مجاهد... (إسلام) كوكب إنساني يسبح فى مجرةٍ وحده ..

الأبكم الفصيح

يوهم الجميع أنه أبكم لا يتكلم فقد غسل يديه من الخلق وأكاذيبهم رغم فصاحة لسانه وحلاوة منطقه واستقامة فكره، وغنى نفسه، وقوة حجته إلا أنه اختار الصمت؛ فكم من أبكم الفكر ملأ الدنيا ضجيجا ! وكم من فصيح يعزل لسانه وإنه لمفوه، ومع هذا كان يتكلم معي وحدي فرآني من يعرف قصته وهو يحدثني فقال أنت تعلم أنه يتكلم ويمثل رغم ذلك تحسن معاملته ! هل أنت مجنون مثله هل تريد أن نأتي لك بالأكياس وتمشى وراءه وتدخل فى عداد المجاذيب !وما علم محدثي أن لإسلام صمت بليغ كصمت الطبيعة؛ فلا يدرك غير لغة الأزهار وصوت جريان الأنهار، ولا يرى غير اخضرار الأرض وقت النماء، وإن المجنون لم يخالف سنة الحياة بجنونه، ولكنه يملك طريقة خاصة لا يألفها الناس، فهو روح وثابة تخطت حجب البشرية التي قيدت أرواحهم ليشهد حقيقة الحياة، وإنه لحين يجوع ويعرى فلا يجني غير نشاط طيور الصباح لتحصل الرزق المقسوم؛ وإن رحمة الله لتدافع توكله حيثما اندفع، وإن عناية الخالق لتدركه حيثما قفز أو غاص أوسبح.

الشتاء القاتم

جاء الشتاء بأعاصيره وبرودته، ولازال (إسلام) يفترش الأرض ويلتحف السماء لا يملك إلا بعض الملابس الثقيلة التي يلبس منها طبقات بعضها فوق بعض، وفي وقت الأمطار الغزيرة والرعد المفزع تجده مستغرقا في نومه في إحدى الطرقات أو الزوايا، وحين تنهمر الأمطار فجأة ينتفض بحثا عن المصحف والأذكار خوفا أن يصيبها الماء فيتلفا...كأنه يخشى أن تُقطع صلته بالسماء فيهلك في مجاهل الأرض الميتة، وكان لذلك في نفسي بالغ الأثر؛ حتى أنني كنت أنام على سريري تحت الألحفة الثقيلة فأشعر بالبرد وأتألم له فتسقط دمعاتي الحارة على وجهي الذى بَرُد من الخوف عليه؛ فتتساقط الدمعات كحبات المطر التي تغسل جبينه، ورغم أرديتي وأغطيتي حين أتخيله على حالته المرثية يرتجف جسدي من البرودة وأقول لابد أن أنقذه من هذا العذاب الذي يعيشه..قرار صعب...هل أستضيفه وماذا عساي أن أقول لوالدي ولأخي الأكبر وهما قد سمعا عنه ويعرفان حاله، أليس من الممكن أن يكون قاتلاً أو سارقا أو ساحراً أو .....

أليس القوم الذين يذهب إليهم على حق ؟ لماذا إذن لا يساعدونه؟ لماذا لا يثقون به دوماً.؟! .وهل هو إلا رجل مسلم ضاقت به السبل، ضاقت عليه الحياة.. فهل نتركه -هكذا- بلا مأوى ولا مسكن ولا مال!

(محمد) شاب زاهد متدين كثيراً ما يتهمه الآخرون بالتشدد والتضييق على نفسه والانغلاق...لكن عند الشدائد تظهر المعادن؛ فهو الوحيد الذي أدخله بيته وقدّم له الطعام...دائما ما تثبت يا محمد أنك أفضلنا وإن زعم الزاعمون... آسف يا (إسلام) أعلمُ أنى قد خذلتك لكني لا أستطيع التصرف ...كم تألمت لك ! وشعرت بالعجز من أجلك !

ونطق بالقرآن !

اختفى إسلام مرة أخرى ولكنه عاود الظهور فى حلقة من حلقات التجويد وتفاجأ الجميع أن يقرأ بالقراءات المختلفة وبأحكام تجويدية منضبطة استنتج الناس أنه تخرج من أحد معاهد القراءات لجودة تلاوته وعلمه بالقراءات...وصحيح فقد أخبرني أنه عاش فترة من حياته بالقاهرة، وكان يدرس علم القراءات، يا لك يا (إسلام) من شخص عجيب تعرف الكثير من العلوم والثقافات، ويكأنه كان يتكلم بمنائح الله له، فينساب علمه كفيض جود لا بذل مجهود.

عفاريت المساجد يسجدون أيضا

ذهبت لأصلى الفجر في أحد المساجد القريبة من بيتي...وصلت قبل الإقامة بقليل فوجدت المصلون ينظرون إلى بعضهم البعض بوجل في صمت مخيف وحيرة غريبة...ثم قالوا نقيم الصلاة أولاً حتى لا يضيع منا وقت الصلاة ! ...صلى بنا الإمام الذي دأبه الإطالة صلاة قصيرة...ثم فرغوا من الصلاة ينظرون لبعضهم مرة أخرى ! فسألت ماذا حدث؟ فحكى أحدهم: جئت لأرفع الأذان والشارع والمسجد في سكون وحين بدأت بالأذان إذا بي أسمع صوتاً غريبا ..فرغت من الأذان ثم أنصت وتفحصت الصوت إذا به صوت شخير...نعم شخير رجل نائم ..كنت بمفردي والفضول والخوف يقتلاني..بحثت في كل مكان لم أجد أحداً، فتحت أبواب الحمامات لم أجد أحداً، من أين يصدر هذا الصوت إذن؟! تأخر المصلون كثيراً هذه المرة عن المعتاد وأنا أكاد أجنّ حتى حضر الناس...وسمعوا مثلما أسمع.. فخشينا فوات وقت الصلاة فقالوا نصلى أولاً ثم نبحث...

وكان منهم رجل ضخم يسمع يعمل في النقاشة وملابسه عليها آثارمن الدهان ! قال: لا تخافوا تعالوا ندقق من أين يأتي الصوت...هنا علمتُ أن (إسلام) ينام في مكان ما.. تأخروا جميعا وتقدمت أنا والرجل.. تقدمنا ناحية.... ناحية المحمل.. مصدر الصوت هو صندوق الموتى... فتح الرجل باب الصندوق فنظرتُ إذا به (إسلام) نائم في سابع نومة.

هنا صرخ إمام المسجد: جايلك نوم تنام كده، وفوقك السماعات الكبيرة دي ..

ده أنت لو ميت كنت صحيت ! يا أخي منك لله !.

(إسلام) يُمثّل أنه لازال نائماً..حاولنا إيقاظه تغافل وتغافل... حتى سمع الشيخ يقول: إذن نتصل بالشرطة ما إن سمع (إسلام) كلمة الشرطة حتى تنبّه وأخذ يمدد يديه ورجليه وأخذ يتمطى كأنه استيقظ من موته بل من نومه حالا..

إمام المسجد : أنت بُعثت يا خويا !

إسلام: لا يبدي أي انفعال ولا يرد.

نظرت إلى المحمل فوجدت عُلبة من الزبادى بداخله.

فسخرت قائلا: (المرحوم كان بيحب الزبادي) ... فضحك الجميع.

قالوا له: هيا لتخرج ..ممنوع النوم في المسجد.

قام إسلام بصعوبة وقفز بصعوبة لتصل قدماه إلى الأرض ثم ذهب ليتوضأ ...وبعد الوضوء... صلى السنة جالساً كما ورد في السنة...ثم قام ليصلى الفرض واقفا ؛ لأنه يعلم أن الفرض لا يصلح الجلوس فيه إلا للضرورة .تعجب الجميع من فهمه للسنة...وهو لم يتفوّه بكلمة...

ونظر إلى كأنه يقول: لم لا تدافع عنى وتخبرهم أن يتركوني أبيت في المسجد ! ألم تتحقق حكمة الله فيك بعد !

كنت استمع لحكايات إسلام التي يرويها عن نفسه بشغف...فلا يقع منه خبراً من كلامه إلا وأعيه جيدا باهتمام شديد فلا يكاد يقع من لفظه ولا لحظه شيئاً إلا حفظته...وما أعجب ما روى ! فقد كان كلامه ينبت في صحارى الروح أشجارا وارفة، ويطير بي إلى مهاجع الطيور، وينزل في ساح القصور، وتسافر معه الروح في أودية ظليلة لا يدخلها إلا من ملك مفاتيح الفهوم، ولم يخش من أوابد الوحوش.

إسلام والرحيل المر ؟!

بعد أن ضاق به بعض الناس ذرعا أوجعوه ضربًا؛ فإذا به يرحل مربطًا، وفى وجهه وجسده كدمات، وقد كُسرت إحدى ذراعيه، وكأني أرمقه الآن يركب سيارة الأجرة وينظر إلى بلدتنا نظرة أخيرة يعاتب بها كل من آذوه، ويقول ولكن الروح -أبدًا- لا تتأذى... فوداعا أيتها الروح الصافية التي هبطت علينا في يوم أثقلته تباريح الهموم بعد أن توهم الناس عجز الحياة أن تلد إنسانية كاملة تحتضن مادية الطبيعة لتنبت ثمار الصفاء والعرفان والتحرر من الدنيا، ولتقرر حقيقة أن عند انغلاق جميع منافذ الأرض يكفي أن تُفتح جهة السماء..

رحل (إسلام) إلى بلدة أخرى كي يفيض عليها من أنوار روحه، وبكارة قلبه الطفولي المتألق بنضارة الحكمة.. ربما قد رحل باسم آخر وبقصص أخرى.. رحل بأفكاره وألغازه وأحاجيه دون أن يفصح عن الكثير من الأسرار التي لم تتكشف عنه بعد؛ ليخبرنا أن تصاريف القدر لا يُمنح حكمتها إلا من خلصت روحه من شوائب الحياة، كتلك الليلة المطيرة التي طهرتها السماء فهبط فيها (إسلام) إلى مدينتنا الصغيرة وكأن السماء قد جادت بروحه وقت تساقط الرحمات، وشاء الله أن يرحل في يوم خريفي ذبلت فيه بهجة الحياة، فهل ترانا نلتقي مرة أخرى يا (إسلام) ؟!


  • 4

   نشر في 20 شتنبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2016 .

التعليقات

قوية قوية قوية قوية .. تصفيق حاد رائع جدا جدا
0
Sameh Elsakkar
شكرا ..شكرا..شكرا..شكرا..جزيلا وكثير جدا جدا :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا